«زلزال ونيران وتراب رطب من مجرى نهر الليطاني».. هذا ما يتذكره رضوان احمد الأحمد من جرحى مجزرة جسر تعنايل. كان يجلس مع قاسم محمد موسى عند طرف ملحمته التي تقع إلى جانب الجسر وكان بداخلها ابنه علي. مجزرة جسر تعنايل أولى المجازر الصهيونية في منطقة البقاع الأوسط، وقعت في اليوم الثالث للعدوان وتحديدا عند الساعة الثانية عشرة والنصف فسقط لبنانيان وفلسطيني وعدد من الجرحى.

يقول رضوان: «لم نسمع هدير طائرات، استفقت في المستشفى على صوت دركي يسألني عن شقيقين من بلدة شمسطار كانا قد استشهدا في قصف الجسر». أسفرت مجزرة جسر تعنايل فاجعة ومأساة عائلية تمثلت باستشهاد الشقيقين التوأمين محمد وحسن الأمير من شمسطار، بالإضافة إلى استشهاد الفلسطيني محمد عليان وهو ناطور احد المعامل القريبة من الجسر. ولم يكن في المكان جثث، إنما أشلاء كثيرة متناثرة على مسافة تتجاوز الكيلومتر الواحد.

في 15 يوليو أمضى البقاعيون ليلة من أقسى ليالي العدوان الصهيوني على المنطقة التي استفاقت على مجزرتين. الأولى كانت في تعنايل، أما الثانية فوقعت في المنطقة الصناعية حيث دمرت الغارات الإسرائيلية عددا من المعامل ومنازل المدنيين، واستشهد المواطن خالد أبوعكر والطفلة ياسمين اللويس. ثم استكمل مسلسل الغارات والاستهدافات الإسرائيلية.

في رياق، وعند الثانية فجرا، أغار الطيران الحربي الإسرائيلي مطلقا ثلاثة صواريخ سقط احدها على مبنى قيد الإنشاء لجأت إليه عائلة الحاج مهدي بلوق من علي النهري خوفا من قصف وشيك لبلدتهم. إلا أن الموت الإسرائيلي طارده، فاستشهد هو وزوجته بسيطة، بالإضافة إلى منال قيس زوجة ابنه احمد وحفيده علي. أما احمد، فأصيب بجراح خطرة مع بناته فيوليت وسماح وزينب وشقيقته فاطمة.

كانت مجزرة آل بلوق الأقسى والأكثر بشاعة ضمن مسلسل المجازر الإسرائيلية التي استهدفت البقاعيين في موارد رزقهم وفي بيوتهم وعلى الطرقات، وفي سهولهم الزراعية. ومع ذلك، تسلم الناجي من المجزرة احمد بلوق ثلاثة استدعاءات من اجل التحقيق في موضوع تزوير الشهادات الصحية رغم التقارير الطبية المتعددة حول الإصابات البالغة التي لحقت به وببناته.

والآن، ينتظر احمد للمثول أمام قاضي التحقيق في بيروت بتهمة اختلاس أموال عامة. «يراد لنا أن نحاكم لان الطائرات الصهيونية قصفتنا، ذنبنا أننا الضحية» يقول احمد بلوق والدموع تمنعه عن إكمال كلامه. خضعت ابنته فيوليت المتهمة معه باختلاس أموال عامة لعشرات العمليات الجراحية في كافة أنحاء جسمها وتنتظرها عشرات الجراحات الأخرى من اجل تنظيف جسمها من الشظايا التي اخترقتها.

أما زينب، فتعاني من تنفخ في الدماغ وكسر في بداية فقرات رقبتها وغيرها من الإصابات. وسماح تعاني من انهيار عصبي. «بنظر كل القوانين السماوية والإنسانية نحن ضحايا» يؤكد احمد بلوق، مضيفا: «ماذا نفعل في بلد يحاكم الضحية فيذله ويتركه وحيدا يواجه مصيره وذنبه أن جسمه لم يستطع ردع الشظايا والصواريخ الذكية»؟

طائرات الاستطلاع للاغتيال

في السابع عشر من يوليو تحولت طائرات الاستطلاع إلى كابوس أقض مضاجع البقاعيين: استعملها الإسرائيليون للمرة الأولى في عدوانهم على البقاع في استهداف السيارات المدنية والشاحنات، وحتى قافلة الإغاثة الإماراتية التي تعرضت للقنص على طريق زحلة ضهور الشوير.

وأدت تلك الغارة التي استهدفت أيضاً شاحنة صغيرة، إلى استشهاد بلال خير (30 عاما - من طرابلس). وفي الخامس والعشرين استهدفت طائرة استطلاع على طريق سرعين علي النهري سيارة يقودها احمد حسين وهبي الموسوي (52 عاما) ما أدى إلى استشهاده على الفور. واستمر مسلسل ملاحقة البقاعيين على الطرقات، فاستشهد الدركي المتقاعد محمد ديب علي أبوحمدان، بتاريخ 27/ 7 غارة جوية لطائرة استطلاع استهدفته بالقرب من مركز خدمته في محلة المعلقة زحلة.

حتى «الفان» المخصص لتوزيع الخبز كان هدفا للطائرات الحربية. واستشهد كل من محمد علي البيطار وزهير ملدان اللذان كانا مع الكثير من أبناء بلدتهم يتفقدون أضرار الغارة، وما هي إلا دقائق حتى أغارت الطائرات الصهيونية مرة جديدة فقضيا متأثرين بجراحهما.

وأبى العدوان أن يودع بلدة الشهداء علي النهري إلا بسلسلة من الغارات عبر المقاتلات وطائرات الاستطلاع فاستشهد في الغارات التي تمت قبل ساعات من إعلان وقف إطلاق النار ثلاثة: ففيما كان كل من عضو المجلس البلدي حسين علي الزين وحسين صادق المكحل يحاولان اللجوء إلى مكان آمن استهدفتهما طائرة استطلاع «ام كا» بصواريخها فسقطا أشلاء. كما استشهد المسعف في مركز طوارئ النجدة الشعبية في رياق فؤاد محمد الفوعاني.

ومع ذلك، تقول أم حسن من علي النهري إن «الحديث عن المجازر استهلك ومضى عليه الزمن، اليوم الكلام فقط عن تموز النصر والفخر والصمود». ومقابل هذا الاعتزاز يبرز غياب الدولة التي تعجز بعد سنة على العدوان من إطلاق ورشة إعمار بلدة علي النهري وغيرها من القرى البقاعية التي تنتظر إعادة اعمارها، كما تنتظر من يرفع عنها تهمة الوطنية ويدافع عن حياتها اليوم وغدا. ـ تنشر «البيان» الصفحتين بتنسيق خاص مع الزميلة «السفير اللبنانية.

البقاع الأوسط ـ سامر الحسيني