تنهض بعلبك على هدوئها وتغفو عليه. مدينة نشطة تسابق الفجر بروية. أصبح هدوء مدينة الشمس، بعد سنة على الحرب، يخنق أهلها. وتحولت مدينة تستيقظ ولكن حركتها تبقى غافية.

العسيرة، الشيخ حبيب ورأس العين، هي الأحياء الأكثر تضررا، والمتجول فيها يجدها كلعبة الكلمات المتقاطعة، في كل خانة صفة مختلفة: بيت سليم، آخر متضرر، ثالث رمم حديثا ورابع لم يبق منه إلا بعض الركام أو الغبار. الغبار هذا «دليل على أنواع غريبة من القنابل استخدمت في القصف، ولم يتم فحص أي حفنة من التراب للتأكد من ذلك»، يقول رئيس البلدية السابق لبعلبك محسن الجمال(كان رئيس البلدية لثلاث سنوات بالتوافق وخلفه بسام رعد). أما مكان البيوت التي أزيلت آثارها تماما، فمازلت تجد أشجارا ونباتاً بعضه محروق، كبقايا حياة. «فشلت إسرائيل بخلق الفتنة بين أبنائها، عبر استهدافها الأحياء الشيعية دون تلك السنية»، يقول الجمّال، «فالمدينة لا تعرف الفتنة».

في الحرب، احتضن أهالي بعلبك بعضهم البعض، ووقفوا جنبا إلى جنب. وما زالوا حتى اليوم كعائلة واحدة بالرغم من «وجود بعض الجفاء في العلاقات السياسية التي نشأت بسبب سوء توزيع المساعدات بعد الحرب» كما يقول عضو المجلس البلدي حسن كسر.

تبقى هذه أمور سياسية، لا تتطور إلى أخرى طائفية أو مذهبية، ولكن برأيه «لتبقى بعلبك مدينة المقاومة، يجب أن تكون المقاومة على مسافة من الجميع».

بالمقابل يوضح كسر أن آخر الإحصائيات تشير إلى أن «في المدينة أكثر من 1800 حالة مصاهرة بين المذهبين الشيعي والسني مما يحد من مسألة الانجرار الطائفي».

السياح.. أي سياح!

يشكل أهل بعلبك الغالبية الساحقة من زبائنها ويصنعون معظم حركتها. زينة وتنزيلات مهرجان التسوق الذي انطلق في الأول من يوليو لا تغري سياحا لم يأتوا أصلا ولا حتى أبناء المناطق المجاورة، الغارقين بدورهم في تأمين لقمة العيش.

ورغم قسوة الحياة المعيشية التي تنعكس بانخفاض القدرة الشرائية للسكان وتردي الوضع الاقتصادي، إلا أن نشاطا أساسيا في بعلبك لا يمكن التخلي عنه: زيارة رأس العين.

هنا نبض المدينة وهنا مصدر حركتها. وكأن رواد المقاهي الممتدة حوله لا يقووّن على خيانته. فتبقى رائحة أنفاس النراجيل ممتدة طوال النهار والليل.

وترافق أكواب الشاي والعصير أحاديث المساء أو غذاء (البرية) في الطبيعة، على المرجة (العشب). وبدل أن يزوروها زوجان، كما تغني الصبوحة «ياللا نروح اتنين اتنين، ع بعلبك ع رأس العين، ومَحْلا القعدة على المرجة، بالمرجة أحلا فرجة».

تحضر العائلات والأولاد ودراجاتهم وألعابهم لقضاء يوم الإجازة الأسبوعي (الجمعة). عبرهم تطل حياة المدينة وكأنهم هم وحدهم من يصنع مشهدها الحي.

بعد الحرب، عادت الحركة جزئيا إلى مقاهي ومطاعم الحي. وأخذت بالانتعاش أكثر مع بداية العطلة الصيفية، فأهل المدينة لا يستغنون عن فطور الفتة أو الفول في المطعم المطل على النهر، والفرن الذي يقدم منقوشة الصاج من ساعات الصباح الأولى إلى ما بعد منتصف الليل.

وفي المساء يتجمع كبار السن والشباب حول لعبة الشدة أو الطاولة والنرجيلة ليلية. أما متطلبات خطط الغذاء العائلي فلابد أن تجدها في السوق: لحم الغنم لصنع معجنات الصفيحة البعلبكية المشهورة ومعها لبن الزبادي البلدي.

القلعة والسوق.. ما في حدا

في رأس العين حياة، يقابله سكون في القلعة يكاد لا يوقظه أحد. تحاكي أعمدة القلعة الستة نفسها أو تتهامس مع معبد جوبيتر حينا ومع معبد باخوس حينا آخر. ولا يصل شيئا من حديثها إلى زوار غابوا عنها هذا الموسم، فبقيت القلعة ساكنة أكثر مما تحتمل.

في مثل هذه الأيام من العام 2006، كانت القلعة في قمة نشاطها وهي تستعد لاستقبال «مهرجانات بعلبك الدولية» التي افتتحت السنة الماضية أول حفلاتها في 12 يوليو بسهرة أهل البلد، لمسرحية «صح النوم» للسيدة فيروز.

وبعد اندلاع الحرب تم تأجيل كل الحفلات الأخرى. أما هذا العام وحتى الأول من يوليو لم تقم أي خطوة تنظيمية للمهرجان. وتحفظت رئيسة المهرجانات مي عريضة عن كثير من التفاصيل المتعلقة بتأكيد إقامته أو تأكيد إلغائه، مكتفية بالقول إنه (منذ البداية تقرر تأخير المهرجانات لنهاية يوليو ولكن الوضع الأمني في لبنان يمنعنا حتى اللحظة من إقامتها)، لافتة إلى أن «بعض الفرق المشاركة قامت بإلغاء مشاركتها».

ويعتبر تراجع عدد زائري القلعة بعد حرب يوليو، أكبر برهان على انعدام الحركة السياحية في بعلبك، حسب رئيس بلديتها الحالي بسام رعد، موضحا أن عدد الزائرين بين شهري مارس ويونيو من العام 2006، تجاوز الأربعين ألف زائر، أما في العام 2007 فتراجع العدد إلى 13 ألف زائر، أي بنسبة تراجع 68 في المئة عن العام السابق.

حتى أحجار السوق التراثي القديم المرمم حديثا لا تبدو فرحة بحلتها المجددة. وهو السوق الذي كان قد أعيد ترميمه قبل ثلاثة أعوام بتمويل من وزارتي الثقافة والشؤون الاجتماعية وبمساهمة من بلدية بعلبك، بكلفة تجاوزت الخمسمئة مليون ليرة، ليتحول إلى معرض دائم للمنتجات الحرفية.

وتشهد المحال التجارية حركة «مقبولة عند بداية الشهر ثم تخف تدريجيا وكأن منع التجول قد فُرض» يقول رئيس جمعية التجار نصري عثمان:

اختلف كل شيء بعد الحرب، بعد أن طال القصف السوق التجاري القديم وأدى إلى تدمير شامل ل35 محلا، (أي ما نسبته 40 في المئة من السوق) قام حزب الله بالتعويض على أصحاب المحال المتضررة جزئيا، وقدم هدايا نقدية تراوحت قيمتها بين 500 و3000 دولار، يضيف عثمان. أما في ما يتعلق بحركة السوق فتقدر نسبة تراجعها بنحو 60 في المئة.

ولكن بشكل عام تفتقد بعلبك للياليها الصيفية الطويلة، وتغيب أبواق السيارات التي تنطلق خلف كل موكب عروس، خلال «لفة (جولة) رأس العين»، كما يقول نائب نقيب التجار عبدالكريم الشل، وصاحب محل للألبسة الرجالية.

ويلفت الشل انه خلال هذا الوقت من كل سنة يصعب المرور حول المرجة، أما هذه السنة فكل شيء يسير نحو موت بطيء، وبتنا نبحث عن نقطة مياه لنؤخره.

ويوضح الشل أنه رغم انطلاق مهرجان التسوق التاسع، إلا أن الحركة التجارية تسجل تراجعا بنسبة 70 في المئة عن السنة الماضية، لأن سياسة المهرجان تقتضي بمشاركة عدد معين من منصات العرض في مركز المعرض إلى جانب رأس العين، ولا تشرك فيه المحال التجارية الأساسية في السوق (وهذا ما تختلف عليه النقابة وجمعية التجار).

ويقول إنه في يونيو 2006 كانت حركة البيع مرتفعة جدا وحتى غير متوقعة إن كان للسياح أو المغتربين أو أهل المدينة.

وفي الحرب، كانت محطات المحروقات هدفا أساسياً للقصف الإسرائيلي إذ دمرت ست محطات تدميرا شاملا في المدينة ومحيطها، ولم يبادر كل أصحابها إلى إعادة أعمارها.

التعويضات قريباً

على امتداد 12 شهراً كاملة، جهدت المدينة لتنفض عنها غبار الحرب. من هدم منزله تماما، حصل على تعويض بدل إيواء من حزب الله بقيمة عشرة آلاف دولار، لاستئجار منزل بديل. ومن تضرر منزله تكفل الحزب ترميمه.

ومع ذلك مازال الوضع موجعا، فالمبالغ التي دفعها حزب الله بدأت بالنفاذ. وبدأت تتعالى الصرخات المطالبة هيئة الإغاثة ووزارة المهجرين بدفع التعويضات لشراء منازل أو للمباشرة بإعادة الإعمار. وتؤكد بلدية بعلبك والأهالي أن الوزارة لم تدفع أي تعويض بعد.

تتضمن اللائحة التي تقدمها بلدية بعلبك بعدد الوحدات السكنية والمحلات والمؤسسات التي تهدمت وتلك التي تضررت: 435 وحدة دمرت تماما وهي تأتي ضمن 108 مبان. ويبلغ عدد الوحدات المتضررة 3500 وحدة.

أما مؤسسة «جهاد للبناء» فقدرت الأضرار بـ 300 وحدة سكنية دمرت تدميرا كليا، و220 وحدة سكنية دمرت تدميرا جزئيا، و4500 منزل متضرر جزئيا.

ويلفت عضو المجلس البلدي ورئيس لجنة القيمة التأجيرية في البلدية قزحيا شبشول إلى أن وزارة المهجرين لم تدفع أي مبلغ لأي متضرر حتى الآن، وذلك بذريعة وجود مشاكل عقارية، مع العلم أن بعض العقارات هي 2400 سهم (ملكيتها صافية) وبعض الأبنية حاصل على تراخيص.

يقول انه بعد مرور أسبوعين على انتهاء العدوان، ومع إعلان الحكومة عن الخطوات اللازمة، قام أعضاء من البلدية بتلقي طلبات السكان المتضررين لتقديمها عنهم. ولكنه يوضح انه طلبت أوراقا من بعلبك لم تطلب من أي بلدية أخرى، حيث طلبوا بداية إفادة من البلدية وموافقتها على كل البيوت المتقدمة بتعويضات.

إلا أن المدير العام لوزارة المهجرين أحمد محمود ينفي أن تكون الوزارة قد طلبت أوراقا تعجيزية من بلدية بعلبك، «بل طبق عليها الآلية التي تطبق على كل المناطق الخاضعة لعمل الوزارة».

ويلفت إلى أن «التعويضات لم تدفع حتى اللحظة لوجود لغط بعدد الوحدات السكنية المهدمة، ولوجود عقارات مبنية على ملكية البلدية، لهذا طلبت الوزارة من البلدية القيام بمسح شامل، يقدم رقما نهائيا لعدد الوحدات السكنية». وقامت البلدية بتسليم كل الأوراق المطلوبة منها في 26 يونيو 2007».

ويقول محمود إن المشكلة الأساسية أنه «خلال كشف مهندسي الوزارة وصندوق المهجرين على المدينة»، تبين أنه تم جرف العقارات المهدمة ما أدى إلى لغط في عدد الوحدات السكنية، وتأخير العمل في الملف، لاسيما انه ليس لغالبية العقارات إنشاءات، فطلبت من البلدية تأمين إفادة محتويات، التي قامت بمسح شامل.

وأعلن محمود أن «800 معاملة ترميم أصبحت جاهزة للدفع، مع الإشارة إلى وجود مشاكل في العقارات التي تعود ملكيتها لأكثر من شخص. واعتبر بعد اجتماع مع أعضاء البلدية ورئيسها في الثاني من يوليو الجاري أن «الأمور بدأت تسير على الخط الصحيح منذ الآن».

والله في ناس ما معها تأكل

من فقد بيته في بعلبك، لا يهتم كثيرا بكل التأكيدات التي تقول له إن العمل يسير على قدم وساق. فالمختار حسين عباس الذي هدم منزله بشكل كامل، متأكد من أمر واحد: «أنا لم أحصل على فلس، وأعيش أنا وعائلة مؤلفة من ولدين وأم وأخت مقعدتين، وأخ مريض بسرطان المعدة، وأم زوجتي في غرفتين. بدي غرفة استقبل فيها الناس لخدمتهم.. بالكاد» فيقول.

حصل المختار على عشرة آلاف دولار بدل إيواء من حزب الله، ولكنها بالكاد غطت تكاليف الإيجار والمأكل والملبس. يصرخ المختار عباس من ألم عندما يروي قصص ناس جاءوا إليه مفلسين، كادوا ينصبون الخيم في رأس العين للعيش فيها.. والله يا عالم في ناس ما معها تأكل.. مللنا» يقول.

بعلبك ـ جهينة خالدية

هذه الصفحة تنشر بترتيب خاص مع صحيفة «السفير» اللبنانية