بدأ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمس جولة هي الأولى له خارج أوروبا منذ انتخابه رئيساً لفرنسا في مايو يزور خلالها الجزائر وتونس مستثنياً المغرب الذي اعتذر عن استقباله.
وكان يمكن لهذه الجولة أن تكون عادية وبروتوكولية، غير أن الجدل الواسع الذي أحاط بها، جعلها تتحول إلى ما يشبه الحدث البارز الذي قد تتوقف على نتائجه الكثير من المسائل الإقليمية والدولية المرتبطة بمستقبل المنطقة المتوسطية، والتنافس الأميركي -الأوروبي- الصيني على القارة الافريقية.
ويرجح أن يتواصل هذا الجدل الذي تحوّل بسرعة إلى ضجيج سياسي وإعلامي لاعتبارات متّصلة بالقضايا التي سيطرحها ساركوزي خلال هذه الجولة، وبتداعيات الإعلان، في آخر لحظة، عن إلغاء زيارته للمغرب ضمن جولة ساركوزي في منطقة المغرب العربي. ففي خطوة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات المغربية ـ الفرنسية، طلبت الرباط من باريس إلغاء زيارة الرئيس الفرنسي إليها في الموعد الذي أعلنه قصر الإليزيه في وقت سابق، لتقتصر بذلك الجولة على الجزائر وتونس فقط.
ولئن بررت الرباط هذا الموقف بالتزامات العاهل المغربي، فإن هذا السلوك أثار دهشة المراقبين الذين تباينت قراءتهم لهذه الخطوة، إذ ربطها البعض بالوضع الأمني الذي تمر به المغرب حالياً، فيما ذهب البعض الآخر إلى وصفه بأنه تعبير عن انزعاج الرباط من اختيار ساركوزي الجزائر كمحطة أولى له في هذه الجولة.
ويخشى المغرب الذي يعتبر أهم حلفاء فرنسا في المنطقة أن يكون هذا الاختيار بمثابة المؤشر بشأن تغيير في الموقف السياسي الفرنسي تجاه المسائل التي تهم المنطقة، وبخاصة منها أزمة الصحراء الغربية السبب الرئيسي للخلاف بين المغرب والجزائر. وتزايدت هذه الخشية بعد تقارير فرنسية تقول إن ساركوزي سيبحث هذه المسألة مع الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وأن المصالح الفرنسية، ولاسيما تلك المرتبطة بالطاقة والتبادل التجاري، تستدعي من ساركوزي إيلاء المزيد من الاهتمام بالجزائر.
وبين هذا القراءة وتلك، لا يبدو أن الضجيج السياسي الذي أثارته هذه الجولة سيتوقف عند هذا الحد، حيث سارعت تركيا إلى التعبير عن غضبها بمجرد الإعلان عن أن ساركوزي سيسعى خلال هذه الجولة إلى تمرير مبادرته المثيرة للجدل حول إنشاء اتحاد لدول المتوسط.
واعتبرت تركيا أن المقصود من هذه المبادرة إغلاق الباب نهائياً أمام انضمامها للاتحاد الأوروبي، وذهبت على حد اتهام ساركوزي بعرقلة جهودها في هذا الاتجاه، بينما لم تتردد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تحذير فرنسا من أن هذه المبادرة قد تقوض مسيرة الاتحاد الأوروبي.
وكان المتحدث باسم الإليزيه دافيد مارتينو مارتينو أشار في وقت سابق إلى أن ساركوزي سيعرض على دول شمال إفريقيا فكرته لإنشاء «اتحاد لدول البحر المتوسط» يضم الدول الأوروبية المتوسطية ودول جنوب المتوسط. ويريد ساركوزي إقامة شراكة رسمية تضم دول جنوب أوروبا (فرنسا وإسبانيا واليونان وإيطاليا والبرتغال)، وجيرانها في شمال افريقيا (تونس و الجزائر والمغرب وليبيا ومصر)، وألمح إلى أنه يريد استقطاب تركيا للانضمام لهذه الشراكة، بدلاً من أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي.
وكان ساركوزي تعهد في خطابه الذي استهل به ولايته الرئاسية خلفاً لسلفه جاك شيراك، بالعمل من أجل تنفيذها، عندما قال «سأعمل على إنشاء اتحاد متوسطي وفقاً لنموذج الاتحاد الأوروبي،لأن فرنسا إن أدارت ظهرها للمتوسط، فهي تدير ظهرها لماضيها وبالتالي لمستقبلها».
ولم ينتظر الطاقم الإداري الذي اختاره ساركوزي طويلاً للبدء في محاولة تسويق هذه المبادرة، حيث سارع وزير الشؤون الأوروبية في حكومته جون بيير جويي إلى عرضها على وزراء خارجية دول «المنتدى المتوسطي» في جزيرة كريت اليونانية في الثاني من يونيو الجاري.
ويرى مراقبون أن اهتمام ساركوزي المتزايد بهذه المبادرة يعود إلى رغبة جدية ليدخل التاريخ كرئيس استطاع أن يعيد إلى فرنسا مكانتها في منطقة نفوذها الاستراتيجي التقليدي، وبالتالي التصدي للنفوذ الأميركي المتزايد في شمال إفريقيا، والتوغل الصيني في عمق القارة الافريقية.
وتبدو هذه الرغبة مشروعة، ومبررة بالنظر إلى رئيس يسعى لاستعادة أمجاد بلاده، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، غير أن الضجيج المتزايد حول المبادرة، وحجم المشاريع المطروحة والعراقيل والتحديات الماثلة وغيرها من العوامل الأخرى، لا تدفع إلى التفاؤل بإمكانية نجاحها.