تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق لا تتوقف عند حدود وطن ضاعت ثروته وشرد أبناؤه وتعمقت الطائفية بينهم، بل امتدت لتصل إلى الوضع الصحي المتردي وطرق العلاج من الأمراض. فمع ارتفاع أجور الأطباء في العيادات الخاصة والمكاتب الاستشارية، في بغداد وعموم المحافظات العراقية، حتى بلغت ثلاثة أضعاف خلال سنة واحدة، اضطر العراقيون للعودة إلى الطب الشعبي وطب الأعشاب.
ويعزو الأطباء رفع الأسعار، ليس إلى قلة العرض وكثرة الطلب، بعد الهجرة الواسعة لهم أو اغتيال الكثيرين منهم، وإنما للمخاطر التي تحيط بعمل الأطباء الذين ظلوا يعملون حتى الآن في العراق. كما يشير هؤلاء الأطباء إلى أن الإقبال عليهم ضعيف جدا بسبب رداءة الوضع الأمني وانقطاع الطرق، وتقلص ساعات تواجد المواطنين خارج بيوتهم إلى حد كبير جدا.
كما يرون أن أجورهم تصاعدت بشكل طردي مع تصاعد تكاليف المعيشة، والارتفاعات الكبيرة في أسعار المواد والخدمات المواطنون يطلبون من الأطباء مراعاة ظروفهم المعيشية الصعبة، والأطباء يطلبون من المواطنين ذلك أيضا، وقد أدى هذا التقاطع إلى «الطب البديل».
ويرى المواطن علي سهيل (من حي زيونة): يعاني معظم المواطنين من البطالة وعدم وجود فرص العمل، الأمر الذي دفع بالكثير منهم للعزوف عن الذهاب إلى عيادات الأطباء والمكاتب الاستشارية الخاصة، واللجوء إلى طب الأعشاب الذي ينتشر في المناطق السكنية بصورة كبيرة، بعد يأسهم من التوجه إلى المستشفيات الحكومية التي تفتقر إلى ابسط المستلزمات.
وسيطرة الميليشيات والجماعات المسلحة عليها، وكثرة الاغتيالات والاختطافات فيها، إضافة إلى تردي الوضع الأمني عموما. ويقول: المتجول في بعض العيادات والمكاتب الخاصة بالأطباء في مناطق متفرقة من بغداد يلاحظ تأثير زيادة أجور الفحص من خلال ابتعاد المواطنين عن تلك العيادات.
وخصوصا أطباء الأسنان والامراض الباطنية، التي كان يرتادها اغلب المواطنين ويلاحظ احمد عبد احد سكان منطقة السيدية: أن ارتفاع أجور الأطباء في العيادات والمكاتب الخاصة، ووصولها إلى أعلى مستوياتها، اثر بشكل كبير علينا.
ويقول: اغلب الأطباء اخذوا يستغلون سوء الأوضاع الأمنية، واستهداف البعض منهم من قبل جماعات مسلحة، في زيادة أجورهم، حيث بلغت ثلاثة أضعاف، والمواطن هو الضحية.. ناهيك عن ارتفاع أجور الأدوية والتحاليل في المختبرات الخاصة.
وهذا الأمر أدى إلى تفاقم الحالات المرضية، وعدم معالجتها، خصوصا بعد عزوف المواطنين عن الذهاب إلى المستشفيات والمستوصفات الحكومية التي اشتهرت بفقدان الأمن والأمان فيها، إضافة إلى فقدان الأجهزة الطبية والأدوية.
ظاهرة أخرى نقلها احد المواطنين، تتمثل في إغلاق اغلب العيادات الخاصة بالأطباء عصرا وافتتاحها خلال ساعات الظهيرة الحارة فقط، خوفا من حالات الخطف التي يتعرض لها الأطباء في بعض مناطق بغداد، ما تسبب في عدم استطاعة المواطن الذهاب إلى تلك العيادات خلال هذه الأيام التي تشهد ارتفاع درجات الحرارة.
إضافة إلى إغلاق معظم الشوارع، وكثرة الازدحام في بعض المناطق السكنية، في حين يرى مواطن آخر أن «اغلب العيادات الخاصة موجودة في المناطق الساخنة، التي تشهد أعمال تفجيرات وعنف، لذلك فان لجوء المواطنين إلى الطب الشعبي أو طب الأعشاب له مبرراته بسبب الواقع الذي نعيشه».
ومن جانبه قال الدكتور سلام عبد المنعم المتخصص في طب الإنسان: إن زيادة أجور الفحص هي جزء من ارتفاع الأسعار بصورة عامة في المجتمع، فالأطباء لم يتعمدوا رفع أجور الفحص، لكن الأوضاع الصعبة التي نعيشها، وكثرة الأزمات وسوء الوضع الأمني، هي التي أدت إلى رفع تلك الأجور..
مؤكدا أن اغلب الأطباء يقومون بتخفيضات خاصة لبعض المواطنين ذوي الدخل المحدود. ويشير طبيب آخر في شارع السعدون إلى أن هناك بعض الأطباء رفعوا من أجورهم، لكن هذا لا يشمل كل الأطباء، فهناك عيادات خاصة لا تزال ملتزمة بأسعارها المحددة، على الرغم من الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد..
مضيفا «أن الزيادة الحقيقية حصلت في الأدوية بسبب ندرة بعضها، وعدم دخول الأدوية المستوردة إلى بعض المناطق، إضافة إلى حالات النهب التي تتعرض لها شحنات الأدوية في بعض المحافظات».
