تمكنت حركة «حماس» من إطلاق الصحافي البريطاني المخطوف الان جونستون، بعد «مفاوضات شاقة» مع «جيش الإسلام» وبوساطة من «لجان المقاومة الشعبية» ولجنة شرعية أصدرت فتوى أدت إلى إطلاق سراحه بعد أربعة شهور على خطفه في غزة، فيما أعلن جونستون متوشحاً بالعلم الفلسطيني عن انه يفكر بالعودة مجددا إلى قطاع غزة، بعد أن يستجم في بلاده، بينما سارعت «حماس» إلى محاولة استثمار الحدث وتكريس شرعية حكمها في غزة برسالة وجهتها إلى العالم الغربي تطالبه برفع الحصار عن القطاع.

وفي التفاصيل، حاصرت قوات «حماس» منطقة في مدينة غزة تسكنها العشيرة التي تضم معظم مؤيدي «جيش الإسلام» حتى يفرج عن الصحافي البريطاني، وعندئذ اضطلعت «لجان المقاومة الشعبية»، بدور الوساطة بين «حماس» و«جيش الإسلام» وهو ما أدى لإطلاق سراح عشرة أشخاص على صلة ب«حماس» مقابل الإفراج عن أربعة من عناصر التنظيم مما حدا بالمراقبين للتكهن بأن هذا التطور سيقود للإفراج عن جونستون. وقال الناطق باسم «اللجان» «ابو مجاهد» إن حركة «حماس» و«جيش الإسلام» تبادلتا المخطوفين فيما تفاوض وسيط على تحرير جونستون وأضاف الناطق باسم «لجان المقاومة الشعبية» أن جماعة «جيش الإسلام» أطلقت سراح تسعة طلاب من «حماس» في حين أفرجت «حماس» عن أعضاء معتقلين من «جيش الإسلام».

وقال «أبو مجاهد» إن جونستون أطلق سراحه بعد فتوى من أحد أبرز رجال الدين المسلمين في القطاع من دون أن تدفع أي فدية. وأشار أن خاطفي جونستون وافقوا على الاستماع لرجل الدين البارز الذي أصدر عندئذ الفتوى التي تدعو إلى إطلاق سراح الصحافي من دون شروط. وأضاف «أن جماعة جيش الإسلام وكتائب القسام الجناح المسلح وافقا مسبقا على قبول الحكم الذي سيصدر عن رجل الدين سليمان الداية».

وأوضح أن «جيش الإسلام وكتائب القسام وافقا على الرجوع إلى احد أفضل المرجعيات الدينية في غزة سعيا إلى حكم بشأن مصير الان جونستون.» وأضاف قائلا «الشيخ أصدر الفتوى للجانبين كليهما وهي تحث على إطلاق سراح الصحافي البريطاني. الجانبان وافقا وأطلق سراح الان جونستون من دون شروط.» .

وبدا جونستون فور الإفراج عنه، نحيلا وشاحبا تحت حراسة من قبل مسلحي «حماس» الذين كانوا يرتدون زيا عسكريا مموها أزرق اللون. وقال جونستون إن المحنة التي مر بها كانت حافلة بالضغوط، وأضاف«إنني على ما يرام». وفي وقت لاحق قال جونستون، في مؤتمر صحافي عقد بعد بزوغ الشمس بفترة قصيرة في منزل هنية الذي رحب بالصحفي البريطاني واصفا إياه بأنه «صديق للشعب الفلسطيني»، إن «الستة عشر أسبوعا الماضية كانت الأسوأ في حياتي».

وأضاف أن إطلاق سراحه منحه «سعادة قصوى» تفوق الخيال معربا عن شكره ل«حماس» ولكل من عملوا من أجل أن ينال حريته. وقال انه «من دون الضغوط القوية التي مارستها حماس (..) لكنت بقيت لفترة طويلة بعد في هذه الغرفة المعتمة» التي احتجز فيها. وأشار جونستون إلى أنه «كان يعرف جيدا أن المجموعة التي خطفته خطرة جدا» ولا يمكن التنبؤ بتصرفاتها قائلا إن هذه المجموعة «هددت حياتي أكثر من مرة وبسبل مختلفة».

ومضى الصحافي البريطاني قائلا إنه لم يتعرض لأي إيذاء جسدي ولكن خاطفيه عاملوه في بعض الأحيان بشكل غير ملائم واصفا إياهم بأنهم كانوا يتعاملون معه في أغلب الأحيان «بفظاظة وبشكل كريه». وكشف جونستون عن أنه أصيب بالمرض مرتين خلال فترة أسره مشيرا إلى أنه كان لديه راديو خلال فترة الاحتجاز وهو ما مكنه من متابعة آخر التطورات في غزة وكذلك تطورات الجهود المبذولة لإطلاق سراحه من خلال البث الإذاعي ل«بي.بي.سي».

وأضاف أنه حلم أكثر من مرة بأنه قد أطلق سراحه قائلا: «من العسير علي تصديق أنني لن أستيقظ في هذه الغرفة مرة أخرى». إلا انه أشار إلى عودة محتملة إلى غزة بعد أن يستجم في بلاده. ورحب هنية الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة فخر بجونستون، ووضع رئيس الوزراء الفلسطيني المقال «شالا» بألوان العلم الفلسطيني على كتفي الصحافي المولود في اسكتلندا. كما قدم له علبة حفر عليها المسجد الأقصى.

وأكد هنية «أن الحكومة الفلسطينية (المقالة) في قطاع غزة جادة في عزمها على فرض الأمن وضمان الاستقرار داخل القطاع». وأمل هنية التوصل إلى اتفاق يسمح بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي غلعاد شليت، وقال «نأمل أن ينتهي اسر شليت باتفاق جيد يؤدي إلى إطلاق سراح معتقلينا» في إسرائيل. وقال: «الكرة في الملعب الإسرائيلي وأعتقد أن هناك فرصة مواتية إذا ما فكر الإسرائيليون بمنطق وعقل».

وفي إشارة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادة الفلسطينية قال هنية: «هذه رسالة للإخوان في رام الله بأنه إذا توفرت النوايا المخلصة وغلبنا المصالح العليا واعتمدنا الجدية والإرادة الحقيقية وسلوك الحوار الوطني اللامشروط سنكون قادرين كشعب على إنجاز مصالح متعددة على طريق الحرية والعودة والاستقلال».

ودعت حركة «حماس» في أعقاب إطلاق سراح الصحافي البريطاني الدول الغربية خاصة بريطانيا إلى بذل كل الجهود لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني، والضغط لإعادة حقوقه. وقالت «حماس» في بيان «إن عمليات الخطف أو التهديد للصحفيين الفلسطينيين والأجانب باتت جزءا من الماضي، معربة عن تقديرها لكل الجهود التي بذلت لإنهاء ملف احتجاز الصحافي البريطاني ألان جونستون دون إراقة دماء. وأكدت أن «حرية الرأي والتعبير مكفولة في ديننا الإسلامي الحنيف ومتفق عليها في عرف شعبنا ويرعاها القانون». وقالت«حركة حماس تصون هذا المبدأ وتحافظ عليه وتحميه وتسهل مهام الصحفيين والإعلاميين وتهيئ الأجواء المناسبة له».

وثمنت الجهد الذي بذلته «كتائب القسام» والقوة التنفيذية ولجان المقاومة الشعبية من أجل تأمين إطلاق سراح الصحافي البريطاني ألان جونستون «بهذه الطريقة المشرفة لشعبنا الفلسطيني». وقالت «نقدر للإخوة في جيش الإسلام تفهمهم للموقف وحساسية المرحلة وضرورة إنهاء هذا الملف والتزامهم بالموقف الشرعي والأخلاقي ما يؤكد على صحة التوجه والموقف».

وغادر مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في وقت لاحق قطاع غزة عبر معبر المنطار، حيث قال للصحافيين إنه يعتقد أن خاطفيه كانوا يريدون الانتقام من بريطانيا في شخصه دون أن يحفلوا كثيرا بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقال والدا جونستون إنهما سعيدان للغاية «بانتهاء هذا الكابوس الحي». وأشار والد الصحافي البريطاني إلى أنه أجرى اتصالا هاتفيا مقتضبا للغاية مع نجله قطع بعد لحظات من بدايته.

من جهتها، طالبت إسرائيل «حماس» بإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير في قطاع غزة غلعاد شليت، وقال بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت إن إسرائيل تهنئ مراسل الـ بي بي سي ألان جونستون بعد الإفراج عنه من أيدي خاطفيه... وتطلب أن يتم أيضاً إطلاق سراح الجندي غلعاد شليت» الذي اختطفته المقاومة الفلسطينية.

وفي دمشق لمح نائب رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» موسى أبو مرزوق، إلى أن تحرير جونستون بعد احتجاز دام نحو أربعة أشهر يهدف إلى المقارنة بين قطاع غزة الذي تسيطر عليه «حماس» والضفة الغربية التي تسيطر عليها حركة «فتح».

براون يرحب بالإفراج عن جونستون

رحب رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون بالإفراج عن مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في غزة ألان جونستون. وقال براون «إنني مسرور جدا لتلقي نبأ الإفراج عن آلان جونستون. إن الإفراج عن جونستون مصدر ارتياح كبير لأسرته وأصدقائه وكل الذين عملوا لإطلاق سراحه».

وأعرب وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند عن سعادته للنبأ، وقال في بيان «إن جونستون هو الآن في رعاية القنصل العام البريطاني في القدس (المحتلة) ريتشارد ميكبيس وأولوياتنا الأولى هي ضمان أنه بخير وإعادته إلى أسرته التي لم تشاهده منذ 114 يوماً».

وأشاد ميليباند بالدور الذي لعبه الشعب الفلسطيني وقادته في تأمين الإفراج عن جونستون، مضيفاً «أن الشعب الفلسطيني اظهر إشمئزازه من اختطاف ألان، وشجب الرئيس الفلسطيني (محمود) عباس بشدة اختطافه وطالب بإخلاء سبيله فوراً كما ندد (رئيس الوزراء الفلسطيني المقال) إسماعيل هنية و(حركة المقاومة الإسلامية) حماس بالخاطفين وطالبا بالإفراج عن ألان».

واعتبر وزير الخارجية البريطانية خطف الرهائن «جريمة نكراء»، مشدداً على أن الدعم الغامر الذي تلقاه ألان خلال الأشهر الأربعة الماضية «اظهر أن الناس المحترمين يؤمنون بأن اختطاف الرهائن لا يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لتحقيق أي هدف».(يو.بي.آي)

ابومازن يرحب ويشدد على حل الميليشيات

انتهز رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبومازن»، فرصة الإفراج عن الصحافي المخطوف آلان جونستون ليجدد تأكيده على عزمه نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، بعد ترحيبه بالإفراج عنه.

ورحب أبومازن بالإفراج عن مراسل هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» مشددا على أن مهمة حل الفصائل المسلحة «مهمة لا تقبل التأجيل». وقال في تصريح وزعه مكتبه على الصحافيين «نتقدم بالتهنئة له ولأسرته وللبي بي سي ولحكومته» موضحاً «لقد عملنا طوال الأشهر الماضية دون كلل أو ملل مع كافة الجهات لإطلاق سراحه».

وشدد عباس على أن واقعة اختطاف جونستون «تؤكد أن حقيقة الميليشيات المسلحة ومهما كانت المبررات والذرائع التي تعمل باسمها، لا يمكن إلا أن تؤدي إلى العبث بأمن المواطنين والنيل من استقرارهم وتدمير سلطة القانون وتعميم حالة الفلتان وتقويض السلم الأهلي والاجتماعي».

وأكد على «أن السلطة وحكومة الطوارئ عازمتين على المضي قدما على إعادة الأمن والأمان للشعب الفلسطيني وكل من يعمل على أراضيه من اجل ضمان الحريات السياسية والثقافية وهذا يجعل من مهمة حل هذه الميليشيات والجماعات مهمة لا تقبل التأجيل». وأضاف عباس «لقد تم اختطافه على يد جماعة مسلحة خارجة عن القانون، مشبعة بالعنف والكراهية والإقصاء والاستئصال الغريبة عن ثقافة وتقاليد شعبنا وعقيدته».

من جهته قال مستشار رئيس السلطة ياسر عبد ربه «نقدم التهنئة لجونستون وعائلته ونعتذر (لهما) عما ارتكبته عصابات الإجرام في غزة» من عملية خطف للصحافي الذي يعمل ل «بي بي سي». واعتبر أن عملية «الاختطاف شوهت صورة الشعب الفلسطيني أمام العالم». لكنه اتهم حماس بالضلوع في عملية الخطف وبمحاولة تلميع صورتها على الساحة الدولية من خلال الإفراج عنه. وأضاف عبد ربه أن «حماس هم حلفاء الخاطفين آل دغمش وهم كانوا يحمون خاطفي جونستون طوال الوقت أنهم يدعون أنهم حرروه لكن هذه محاولة منهم لتحسين صورتهم أمام المجتمع الدولي».

«فتح»: مسرحية هزلية

وصفت حركة «فتح» تحرير جونستون بأنه «مسرحية هزلية». وقالت في بيان «انتهت المسرحية الهزلية فجر اليوم.. حماس أفرجت عن جونستون من أيدي حليفها (جيش الإسلام) أحد أذرع حركة حماس الفوضوية في قطاع غزة وشريكها في كثير من عمليات القتل والتخطيط لاغتيال مواطنين ومسؤولين في قطاع غزة». في المقابل اعتبر وزير الخارجية السابق محمود الزهار عائلة دغمش مرتبطة بحركة «فتح» ولاسيما محمد دحلان. وقال أمام صحافيين في غزة إن دحلان حاول الابقاء على الفوضى في قطاع غزة لإضعاف «حماس».