بدأ وزير الشؤون الدينية في الجزائر الدكتور بو عبدالله غلام الله رحلة لتليين مواقف الأئمة الخطباء في المساجد وتهذيب الخطاب الديني بما ينقص من حدته وتشدده في مساجد البلاد. في ظل الارتفاع المحسوس لنشاط التيار الإسلامي المتشدد في المساجد وفي الأحياء الشعبية لتجنيد أتباع من الشباب والمراهقين خاصة اعتمادا على الوضع المتردي للفئات الفقيرة في المجتمع.

وقد بدأ بو عبدالله الرحلة من ولاية المسيلة الواقعة على نحو 300 كلم شرق العاصمة حيث التقى أول من أمس مع مسؤولي قطاع الشؤون الدينية وجمع من الأئمة وحثهم جميعا على الاعتدال ونبذ التعصب ونشر القيم الحقيقية للإسلام بعيداً عن الغلو والانعزال. وزار عدة معالم دينية بالولاية. وستلي هذه الزيارة عدة مبادرات مماثلة لولايات أخرى.

ونتيجة لتخوف السلطات الجزائرية من هاجس عودة التشدد الديني، قام عدد كبير من الأئمة العاملين تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بانتهاج المزايدة في خطبهم من خلال تهجم بمناسبة أو بدونها على المسيحيين واليهود والدعاء لهم بالخذلان والخسران والإفناء لأنهم حسب تلك الطروحات »أعداء أزليين للإسلام والمسلمين والصدام معهم أمر حتمي إن لم يكن اليوم فغدا«.

وعادت عبارات مثل » اليهود ورثة القردة والخنازير.« التي كان يستخدمها متشددو الجبهة الإسلامية للإنقاذ في السابق إلى المساجد وصارت كلاما عاديا يردده الأئمة. وصار عدد كبير من الأئمة يركزون على النقد اللاذع للمجتمع الجزائري والانحلال الخلقي ودعوة الغيورين على الإسلام إلى تقويم الوضع، وهي ذاتها العلامات التي سبقت استيلاء الإسلاميين المتشددين على معظم مساجد الجزائر في الثمانينات والانطلاق منها في تأسيس جبهة الانقاذ، وتفسير الحديث الشريف »من رأى منكم منكرا فليغيره...« بما يخل بالأمن العام وبسلطة الهيئات الرسمية.

وحذرت منظمات اجتماعية وقوى سياسية من هذا الصعود المتنامي للتيار المتشدد ومن أن يتحول ذلك إلى استنساخ للأوضاع التي سبقت اندلاع المواجهات المسلحة في البلاد بداية العقد الماضي، خاصة وأن الجو العام الذي خلقه ميثاق السلم والمصالحة وفر تربة خصبة لنمو التيار المتشدد من جديد سواء من خلال الخطاب الحماسي الذي عاد للمساجد وحلقات الوعظ في الأحياء الشعبية.

أو من خلال التحاق عدد غير قليل من المفرج عنهم من السجون بموجب تطبيق القوانين المنبثقة من الميثاق، بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وسعي التائبين من القيادات المسلحة السابقة على غرار مدني مزراق القائد العام للجيش الإسلامي للانقاذ ومساعديه أحمد بن عائشة ومصطفى قرطالي لإعادة بعث تنظيم سياسي من طراز الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

ويتطور الوضع باتجاه مزيد من المكاسب للتيار الإسلامي المتشدد بفعل عاملين مترابطين أولهما ترقية نشاط هذا التيار بما وفرته قوانين المصالحة الوطنية وثانيهما عمل غير المحسوب لقوى نافذة في السلطة يصب عملها في طاحونة المتشددين، في وقت تمر فيه التيارات العلمانية واليسارية بأحرج فترة منذ استقلال الجزائر قبل 45 عاماً.

ولم يسبق أن عرفت الجزائر خللا كهذا الذي تشهده هذه الأيام بحسب كثير من المراقبين في الداخل والخارج. ويفسر الكثيرون التراجع على إصلاح المنظومة التربوية الذي أطلقه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قبل سبع سنوات إلى ضغط قوي للتيار الإسلامي ومن تحالف معه داخل أجهزة الحكم. وهو التفسير ذاته الذي أعطي للنصوص الجديدة التي أصدرتها الدولة لتقنين النشاط الديني لغير المسلمين.