نُزُلٌ مخفي وراء جبل عملاق، في أقصى جنوب الأردن يقف كالرصد وسط صحراء، تظن أن لا حياة فيها. تقول: من غير المعقول أن يكون هنا بناء مثل الذي أرى. ولكنك ستكتشف أنك على خطأ، وأنه موجود بالفعل، وأن ما بداخله بشر وحجر وحياة ليست كأي حياة.

وليس في القول بأن «جل الأردنيين الذين يسمعون عن وادي عربة في وسائل الإعلام فقط لا يعرفون أصلاً شيئاً عن فينان» أي مبالغة. الآن، وأنت أمام «نزل فينان» يجب أن تعتذر من الحضارة وكل مفرداتها، أو أن مفردات الحضارة نفسها ستعتذر منك وتغادر سريعة.

«فينان» بلا كهرباء ولا هاتف.. كأن ساكنيه والعاملين فيه من الرهبان والجان. ويرى البعض أنه قلعة بناها الجان، أو هو قصر لأمير أرستقراطي من القرون الوسطى اعتزل ضجيج الناس، ولكن الحقيقة أن النزل عبارة عن فندق صغير بناه أحد المواطنين الأردنيين ليكون مكاناً يستريح فيه حراس الطبيعة من الأجانب، المهووسين بالعيش في بيئة أنظف، لهذا تركه من دون كهرباء أو أي تيار يتعلق بالحضارة.

النزل يقع وسط وادي عربة، ذلك الشريط الطويل الممتد من العقبة جنوباً بطول 160 كيلومتراً تقريباً، وبعرض يتراوح ما بين عشرة إلى عشرين كيلومتراً مربعاً. أما ساكنوه فمن عرب السعيديين واللحيوات والعمارين والرشايدة.

و«فينان» القديمة والحديثة اللتان لا يتعدى عدد سكانهما معاً ألف نسمة، أول التجمعات السكانية التي سيجدها الزائر لوادي عربة في الشمال، أي من جهة غور الصافي، ولكنها ليست على الطريق الرئيسية، كغيرها من التجمعات السبعة التي تسكن الوادي الذي يمكن اعتبار قرية القريقرة عاصمته كونها الأكثر عدداً من السكان، وتقع إلى الشرق من الطريق الرئيسي بحدود ستة عشر كيلومتراً، وتحاذي جبل الطفيلة بالقرب من محمية ضانا.

عندما أراد القطاع الخاص الاستثمار في المنطقة لاستغلال الجذب السياحي فيه، تفتق فكر أحدهما برفع أعمدة «نُزُل فينان».. المبنى المكون من ست وعشرين حجرة، وهو مملوك لجمعية غير ربحية، يهدف إلى استقبال الأفواج السياحية الذين يرغبون بقضاء ساعات أو أيام بين أحضان الطبيعة البكر، بعيداً عن ضجيج الحضارة. وما يزيد من ألق وجودك في تلك المنطقة أن لوادي عربة حاضن النّزل، حصة تاريخية هائلة من تاريخ المنطقة.

ورغم أن النزل مبنيٌّ من أدوات حديثة، إلا أن بناته اجتهدوا في تقديم تفاصيل غائرة في القدم. فإذا أردت السكن هناك ومبيت ليلة أو أكثر فإن عليك أن تتحضر لليلة من دون كهرباء ولا تلفاز، بحيث ستكتفي بنور الشموع إذا ما أردت الانتقال من غرفتك إلى اللوبي.

أما إذا اعتقدت أنه بالإمكان أن تكون أكثر دهاء وتُدخِل معك هاتفك النقال، فمنذ الآن سنقول لك إن ذلك مستحيل، لأن أنظمة النزل الداخلية لا تسمح بإدخال الهواتف النقالة داخل الفندق أولاً، وثانياً ليس من السهل التقاط البث من ذلك المكان، سواء للإرسال أو الاستقبال.

ولكن لا تخشى شيئاً، فالمبنى محروس جيداً، بل ويوجد فيه هاتف محمول واحد فقط لاستخدامه لحالات الطوارئ والأمن، وبخاصة أن معظم النزلاء من الأجانب الذين يصفون أنفسهم بحراس الطبيعة أو محبيها الراغبين في التصرف بعيداً عن كل مفردات الحضارة.

عمان ـ لقمان اسكندر