ينظر اللبنانيون بقلق إلى احتمال استمرار التأزم السياسي بين قوى «14 آذار» و«8 آذار» بما يحول دون تشكيل حكومة وحدة وطنية ويعطل انتخاب رئيس توافقي للجمهورية، فيدفع الرئيس الحالي إميل لحود، بدعم من المعارضة، إلى تشكيل حكومة جديدة، ما يجعل في البلاد حكومتين بدلاً من واحدة.

ويحذر القانونيون من العواقب الوخيمة لهذه الخطوة على الصعد السياسية والاقتصادية والإدارية، ويعتبرون أن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة «قانونية ودستورية» لأن رئيسها لم يستقل ولا تزال تحتفظ بثلثي أعضائها، لكنها في الوقت نفسه «غير شرعية» لأنها تفتقر إلى تمثيل طائفة كبيرة، بعد استقالة الوزراء الشيعة، وهو ما يخالف اتفاق الطائف.

ويقول د. المحامي عبد السلام شعيب ل«البيان» عن وضع حكومة السنيورة: إن لها الصفة القانونية والدستورية، وفقاً لـ «وثيقة الوفاق الوطني» (الطائف)، إذ إنها شكلت على أساس النصوص الدستورية وبمرسوم صادر عن رئيس الجمهورية، وبالتالي تبقى مكتسبة لهذه الصفة طالما أنها تحتفظ بثلث أعضائها، بحسب المادة 65 من الدستور.

وأضاف شعيب، المحاضر في القانون في عدد من الجامعات اللبنانية ورئيس لجنة الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان في نقابة المحامين، أن الحكومة الحالية «لا تعتبر مستقيلة لأنه لا تنطبق عليها الحالات الواردة في المادة 69 من الدستور، فرئيسها لم يستقل، ولم تفقد أكثر من ثلث أعضائها المحدد عددهم في مرسوم تشكيلها، ولم تنزع عنها الثقة أمام المجلس النيابي. كما أنه ليس هناك مرحلة بدء ولاية رئاسية جديدة لرئيس الجمهورية، أو للمجلس النيابي، بما يبرر حلّها».

ويوضح أن الحكومة من الناحية القانونية والدستورية «لا تزال تتمتع بالوضع القانوني. لكن المشكلة التي تواجهها هي استقالة عدد من أعضائها (في 11 ديسمبر 2006) من طائفة معينة تعتبر من الطوائف التاريخية في لبنان، أي الطائفة الشيعية، بالإضافة إلى استقالة وزير من الطائفة الأرثوذكسية. فيما لم يتم تعيين بديل عنهم، وبالتالي أصبحت الحكومة غير ممثلة للبنانيين كافة».

وقال: «إن الحكومة قانونية (دستورية)، وإنما ليست شرعية، أي أنها تشكو من خلل سياسي وتمثيلي»، واصفاً هذه الحالة بأنها «غريبة على الصعيد القانوني والدستوري». ولفت إلى أنه لو لم يكن المجلس الدستوري معطلاً لأمكن عرض مشكلة الحكومة عليه لكي يفصل فيها، علماً أنه يمكن عرض المراسيم التي تصدر عن الحكومة، والتي تشكك المعارضة في صحتها، على مجلس شورى الدولة ليبدي رأيه فيها.

وأشار إلى أن الرئيس لحود، المطعون في شرعية التمديد له بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559، يعتبر نفسه شرعياً، في حين يرى أن الحكومة غير موجودة لأنها خالفت الميثاق الوطني ومقدمة الدستور، وهو يصر على اعتبار القرارات والمراسيم التي تصدر عنها غير موجودة، ويهدد باتخاذ خطوة لتصحيح الوضع. ويجزم كثيرون أن الخطوة التي يهدد لحود باتخاذها تتمثل بتشكيل حكومة ثانية، رغم وجود حكومة السنيورة.

واعتبر شعيب أن رئيس الجمهورية «لا يستطيع أن يشكل حكومة جديدة إلا بعد استشارات نيابية لا بد أن يصطدم خلالها بعدم تعاون الأكثرية النيابية (قوى 14 آذار) فيها». لكنه رجح أن يعمد لحود إلى حل مجلس النواب لأنه لم يعقد أي جلسة بعد حلول موعد فتح الدورة العادية للمجلس. وأوضح أن الدستور يعطي لرئيس الجمهورية صلاحية حل البرلمان في حال لم يعقد جلسة خلال شهر من تاريخ بدء الدورة العادية، التي بدأت منذ مارس الماضي، محذراً من أنه في حال شكل لحود حكومة ثانية فإنها لن تحظى بالاعتراف الدولي وستتسبب بحالة من عدم الاستقرار على كثير من الأصعدة.

وأضاف أنه لا يكمن تصور وجود حكومتين تحكمان لبنان، بنوع من التعايش كما حصل في العام 1989، عندما كانت هناك حكومتان، واحدة على رأسها العماد ميشال عون، والأخرى يرأسها الرئيس سليم الحص، «فالانقسام هذه المرة سيكون عمودياً وليس أفقياً كما كان في السابق، وسيطال الإدارات والمناطق والطوائف، وسيؤدي إلى وضع مشابه لما هو حاصل في الضفة الغربية وقطاع غزة هذا الشهر، ولربما نشهد وضعاً أشد خطورة منه».

ولفت إلى أن مصرف لبنان يدرس حالياً صيغة قانونية لمواجهة احتمال قيام حكومتين، مستفيداً من تجربة الحاكم السابق للمصرف، الراحل د. إدمون نعيم، بحيث يتولى دفع الديون المترتبة على لبنان للخارج وراتب الموظفين ونفقات مؤسسة كهرباء لبنان ويقف عند هذا الحد.

بيروت ـ سهيل شهاب