لقي جنديان من الجيش اللبناني حتفيهما أمس، خلال الاشتباكات التي تواصلت فيها قوات الجيش لإحكام سيطرتها على مواقع المسلحين المتحصنين في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان، في أعقاب أنباء عن إعلان رجل دين فلسطيني موافقة «فتح الإسلام» على مبادرة لإنهاء القتال بينها وبين الجيش اللبناني، وجاءت هذه الأنباء مع تصريحات باريسية تفيد تواصل المشاورات الفرنسية لتحديد موعد لعقد اجتماع للقوى اللبنانية كان مقرراً أن يجري في محيط باريس.

وأعلن مصدر عسكري لم يكشف عن اسمه لوكالة «فرانس برس» أن «جنديين استشهدا أمس في الاشتباكات». وأكد المصدر أن قوات الجيش «مستمرة بإنجاز مهماتها لإحكام سيطرتها الكاملة على مراكز المسلحين» في المخيم الجديد المكتظ بأبنية مرتفعة شيدت عشوائياً لتشكل امتداداً عمرانياً للمخيم القديم الذي أقامته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في 1949.

ومنح الجيش اللبناني فرصة أخيرة لاستسلام عناصر «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد، من خلال الوساطة التي تقوم بها «رابطة علماء فلسطين»، بعدما سيطر على مواقعهم الرئيسية وشارف على الإجهاز عليهم بعد أربعة أسابيع من القتال الضاري معهم.

وبدا أن «رابطة علماء فلسطين» أحرزت تقدماً أساسياً في وساطتها، بعد الاجتماع مع القائد العسكري ل«فتح الإسلام» شاهين شاهين، إذ تحدث رئيس الرابطة الشيخ داوود مصطفى عن تقدم حصل بعد الاجتماع مع شاهين، موضحاً أنه طلب موعداً من قائد الجيش العماد ميشال سليمان لوضعه في صورة ما سماه «ايجابيات كبيرة» طرأت.

وكذلك أعلن عضو الرابطة المكلف بملف التفاوض الشيخ محمد الحاج أنه «أخذ موافقة نهائية من فتح الإسلام على البنود التي اقترحتها الرابطة». وأضاف أنه «وضع برامج تفصيلية لهذه الحلول ستبحث في لقاء مع قيادة الجيش لوضعها في نتائج الاتصالات. كما سيكون لقاء مع قيادة الفصائل الفلسطينية لتشكيل اللجنة الأمنية الفلسطينية»، موضحاً أنه «سيتم الإعلان عن وقف النار».

وأفاد مصدر فلسطيني أن الوساطات الفعلية تتولاها «حركة الجهاد الإسلامي»، قائلاً إن هناك احتمالاً قوياً لتوافر حل في غضون ساعات، إذا وافقت قيادة الجيش على مشروع الحل المقترح، الذي يتضمن إعلان حل فتح الإسلام ووقف النار من جانبها، وتسليم ما لديها من سلاح ثقيل، وتأليف قوة أمنية مشتركة من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية تتولى الأمن في المخيم، ونزع الألغام، على أن يبقى الجيش متمركزاً في المخيم الجديد إلى حين زوال كل المظاهر والأسباب التي كانت وراء الاقتتال.

وأكدت مصادر أخرى أن الحل يتضمن أيضاً تسليم المطلوبين من «فتح الإسلام» إلى الجيش اللبناني، فضلاً عن تسليم جميع جرحى هذه الجماعة إلى الجيش، وعددهم نحو 60 شخصاً. ورغم ذلك، استمرت الاشتباكات بشكل متقطع، ودارت مواجهات بالأسلحة الرشاشة والمتوسطة في محيط التعاونية وناجي العلي ومدارس الأونروا التي صارت وحدات الجيش على مسافة أمتار قليلة منها.

وأكدت مصادر عسكرية أن مبنيي التعاونية وناجي العلي على مدخل المخيم القديم قد سقطا عسكرياً، علماً أن قسماً من مباني الأونروا قد دمرت وهي تحتوي على مخابئ يتواجد فيها العديد من عناصر الجماعة التي يتزعمها شاكر العبسي.

وأضافت تلك المصادر «أن ساعات تفصل الجيش عن إحكام سيطرته الميدانية شبه التامة على كل المعاقل الأساسية لفتح الإسلام، لتتمكن بعدها وحدات الجيش من متابعة أعمال التمشيط لبقايا جيوب المسلحين الذين تراجعوا إلى مواقع خلفية في المخيم القديم». وقدر عدد المسلحين الذين قتلوا في الساعات ال72 الأخيرة بنحو 45 شخصاً.

إلى ذلك، أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى، أن الجامعة منشغلة بالموقف في لبنان منذ بداية الأزمة في العام الماضي، وأكد أن وفد الجامعة الذي يزور لبنان برئاسته جاء تلبية لعرض حكومة فؤاد السنيورة الأوضاع في لبنان على الجامعة وسيطرح على الأطراف السياسية مشروعاً جديداً لحل الأزمة.

وقال موسى في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أمس، إن وفد الجامعة «سيلتقي خلال زيارته إلى لبنان برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وبرئيس مجلس النواب وبالزعامات المختلفة ورؤساء الكتل السياسية»، مؤكداً أن النقاشات التي سيجريها الوفد «لن تقتصر على ملف واحد وهو اغتيال النائب وليد عيدو».

وأضاف «هناك ملفات كثيرة متداخلة ومعقدة في المشكلة اللبنانية، ونحن سنتناول الموقف برمته على الساحة اللبنانية. فهناك توتر كبير في لبنان وتوتر بين لبنان وسوريا كما أن هناك مشاكل تتعلق بالحال والمستقبل في لبنان، وسنتعرض لذلك كله، لكن ما سنتعرض له أولاً سيكون في الإطار اللبناني ثم بعد ذلك يمكن أن يكون هناك تواصل إقليمي أيضاً في الشأن اللبناني».

وذكر أن الجامعة ستطرح على الأطراف اللبنانية المختلفة «مشروعاً وتصوراً لبعض النقاط المحددة لكنه يخضع للطرح والاستماع والنقاش، وسنستمع إلى آراء هذه الأطراف أولاً قبل أن نتوقع ردوداً إيجابية منها».

هذا وأفادت وزارة الخارجية الفرنسية أمس، أن باريس تواصل مشاوراتها لتحديد موعد لعقد اجتماع للقوى اللبنانية كان مقرراً أن يجري في محيط باريس. غير أنها لم تتخذ «أي قرار» بهذا الصدد حتى الآن. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية والشؤون الأوروبية جان باتيست ماتي، رداً على سؤال حول احتمال تأجيل اللقاء المقرر أساساً في نهاية يونيو «لم يتخذ أي قرار ونواصل مشاوراتنا».

بيروت ـ علي بردى والوكالات