سقوط غزة بيد «حماس» لم يكن مفاجئاً للولايات المتحدة، طيلة عام ونصف ضغطت واشنطن على الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» من أجل حلّ حكومة «حماس»، الأمر الذي رفضه وقاومه بشدة لكي لا يجرّ الشعب الفلسطيني إلى الحرب الأهلية، فعاقبه «الكونغرس» الأميركي بالتلكؤ في تقديم المساعدات، في وقت كانت «حماس» تزداد قوة وتجلب السلاح من حلفائها.
بعد ان أعلن «أبو مازن» متأخراً جداً حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية وعين سلام فياض مكان رئيس الوزراء «المقال» إسماعيل هنية يتساءل المراقبون من يسعى للإطاحة بمن؟ تقول إسرائيل إن الهجوم على حركة «حماس» لم يكن مجرد رد على انقلاب غزة، بل جاء تتويجا لشهور من المشاورات والتخطيط وراء الستار وبتحريض من الولايات المتحدة.
وفي نهاية الأمر كان الضغط على «أبو مازن» للعمل ضد «حماس» بنفس القدر من داخل حركة «فتح» التي يتزعمها ان لم يكن أكبر من ضغط واشنطن التي تحاول التقليل من أهمية دورها. ولا يمكن أن يقال أن أمرا كان بمثابة مفاجأة سيئة للأميركيين، الا أن الأحداث الأخيرة التي أسفرت عن سيطرة «حماس» على كامل القطاع ذهبت أدراج الرياح بخطط واشنطن وحلفائها لتعزيز الخط المعتدل في فلسطين.
ويرى كثير من المسؤولين والمحللين الغربيين أن الهجوم كان ضربة وقائية وجهتها «حماس» قبل أن تتمكن واشنطن من بناء «فتح». وتقول «حماس» إنها «تحركت لمواجهة انقلاب تسانده الولايات المتحدة، ويعلق دبلوماسي غربي بالقول إن (زعماء الحركة الإسلامية) كانوا يعرفون ما يجري. كانوا يعرفون أن (أبو مازن) سيحاول بناء سلطته. قرأوه في الصحيفة مثل كل الاخرين».
وذكر المحلل في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات معين رباني أن «التساؤل عمن كان يسعى للاطاحة بمن في محله». وقال «ستجادل (حماس) بأنها لم تكن تسعى الا للدفاع عن فوزها في الانتخابات بينما سيرد الرئيس الفلسطيني أنه يدافع عن شرعية المؤسسات الفلسطينية. إلا أن هناك عناصر قوية داخل (حماس) رأت أن الوقت ليس في صالحهم».
وقال ادوارد أبينغتون، الذي يقدم المشورة لـ «أبو مازن» منذ وقت طويل والعضو في جماعات للضغط في واشنطن إن «إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش أبلغت الرئيس الفلسطيني بنواياها بعد قليل من فوز (حماس) في الانتخابات في مطلع العام 2006». وأضاف أنه «جرى ابلاغ (أبو مازن) بأن (حماس) منظمة غير مشروعة وأنهم يفعلون كل ما يستطيعونه لاجبارها على ترك السلطة».
ويكشف ابينغتون عن «اجتماع عقد في يوليو العام الماضي قائلا «ذكر لي الرئيس الفلسطيني أن الأميركيين يضغطون من أجل حل الحكومة وتشكيل حكومة طوارئ، إلا أن (أبو مازن) رفض أن يفعل ذلك لأنه سيؤدي إلى حرب أهلية. لم يكن يريد الدخول في مواجهة لكنه قال في نهاية الأمر ان ذلك كان مفروضا عليه».
ويقول مسؤولون غربيون ان «(أبو مازن) استطاع أن يتحرك بسرعة الأسبوع الماضي لتشكيل حكومة جديدة لان جزءا كبيرا من العمل التحضيري كان قد أنجز بالفعل». وكان مسؤول أميركي كبير أبلغ عددا من المشرعين الأميركيين في جلسة مغلقة في وقت سابق هذا العام بأن «أبو مازن» يستطيع أن يحكم بمرسوم لمدة تتراوح بين ستة اشهر و12 شهرا قبل اجراء انتخابات.
وفي مواجهة مادة في الدستور تنص على موافقة البرلمان الفلسطيني الذي تتمتع فيه «حماس» بالأكثرية على أي حكومة جديدة أصدر الرئيس الفلسطيني مرسوما بتعطيل هذا البند. وينفي مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون أن «الإطاحة بالحكومة في حد ذاته كان هدفهم بقطع الأموال العام الماضي عن السلطة الفلسطينية التي تقودها (حماس) وبتحويل أموال لمحاولة إعادة بناء «فتح» والإعداد لانتخابات جديدة.
ويقولون أن «هدف واشنطن كان حرمان (حماس) من المساندة المالية والدبلوماسية لتسقط في نظر الناخبين. ويرجع دبلوماسيون ان «سوء تخطيط (فتح) وتأخير إسرائيل شحنات الاسلحة إلى غزة ساعدت (حماس) في السيطرة على القطاع. وعلق (الكونغرس) الأميركي أموالا وعرقل تدريب العديد من قوات الرئيس الفلسطيني».
وقال وزير الأمن العام الإسرائيلي افي ديختر إن «مشاكل (فتح) نجمت عن الافتقار إلى القيادة وسوء هيكل القيادة لا عن تأخر إسرائيل في الموافقة على شحنات الاسلحة». إلا أن آخرين يشيرون إلى أن «(حماس) رغم انتصارها أصبحت معزولة في شريط ساحلي مغلق مكتظ بالسكان. وربما يساعد استئناف تدفق الأموال على (أبو مازن) في الضفة الغربية الأكبر مساحة وحيث الاستقرار أكثر أهمية لإسرائيل في دق اسفين بين قيادة (حماس) وسكان غزة الذين يتزايد فقرهم».
ويجادل بعض المسؤولين الغربيين والفلسطينيين بأن «واشنطن أذكت النار بمجرد انتهاء (حماس) و(فتح) في مارس من تشكيل حكومة وحدة لم تستمر طويلا. وحض مسؤولون أميركيون «أبو مازن» على منح محمد دحلان خصم «حماس» اللدود السيطرة على الأمن ثم حضوه على نشر قوات «فتح» في غزة.
لكن ماثيو ليفيت، الذي كان مسؤولا عن مكافحة الإرهاب في وزارة الخزانة الأميركية حتى يناير الماضي برر موقف واشنطن قائلا «الناس يتساءلون كيف تستطيع الولايات المتحدة أن تدعو إلى الديمقراطية في المنطقة ثم لا تساند حكومة منتخبة؟». وأضاف «هناك عواقب لانتخاب إرهابيين. منها أنك لا تستطيع أن تتوقع من الغرب أن يوافق عليهم».