بدأت المدارس في العراق في عرض مدرسي يهدف الى التلطيف من مصاعب الحياة في بلد مزقته أربعة أعوام من الحرب.. بلد يشهد انقطاعا في الكهرباء ونقصا في الوقود بشكل مستمر وتخيم عليه سحابة الموت بشكل دائم، ويعتقد المعلمون في المدرسة ببغداد أنه بدلا من عزل الاطفال بعيدا عن واقع الحياة في العراق ينبغي عليهم مساعدتهم في التعامل مع صدمة العنف اليومي.
فقد كشفت الاحصائيات ان غالبية الاطفال في العراق مصدومين من العنف الاعمى في بلدهم واستنشاقهم يوميا رائحة الجثث التي تجوب شوارع العاصمة واماكن اخرى واصوات الانفجارات التي تهز مناطقهم كل ساعة.
وتنفجر السيارات الملغومة بشكل شبه يومي في بغداد وتنهال قذائف الهاون على بعض الاحياء ويتم العثور على عشرات الجثث في الشوارع وتستشري ظاهرة الخطف وهو الامرالذي زاد من هلع الاطفال الذي فقدوا اولياءهم.
سعد طفل يمثل شريحة من الاطفال المصدومين من العنف اليومي في العراق، يطرق سعد (10 أعوام) برأسه مفكرا في السؤال الذي طرح عليه معلمه عن مصدر ثروة العراق. وقال سعد وسط ضحكات من زملائه وأهاليهم والمعلمين »العراق غني بالنفط لكن أمس كنت أبحث عن زجاجة زيت لاعيد ملء المصباح ولم أعثر علي واحدة»، مشيرا الى انه اصبح يخاف مغادرة البيت خوفا من سماع ذوي الانفجارات او رؤيته جثة في الشارع.
ويعتقد المعلمون في المدرسة الخاصة ببغداد أنه بدلا من عزل الاطفال بعيدا عن واقع الحياة في العراق ينبغي عليهم مساعدتهم في التعامل مع صدمة العنف اليومي الذي أجبر نحو مليوني شخص على النزوح من البلاد وأودى بحياة عشرات الالاف.
وينتزع سعد الضحكات ثانية من الجمهور الذي يجلس على مقاعد بلاستيكية في الحديقة الخلفية للمدرسة عندما يسأل عن عدد سكان العراق. وقال «كنا نعلم أن العدد 27 مليون عراقي لكن الان لا نستطيع تحديد العدد الفعلي، في ظل مقتل مئات العراقيين يوميا» وقال معلم الموسيقى الذي نظم العرض «الاطفال يعانون في هذا البلد. لا يمكن أن نقدم عرضا يصور الحياة بأنها طبيعية وهي في الحقيقة ليست كذلك». وأضاف «قدمت كوميديا سوداء لاظهر واقعنا المؤلم. الاطفال جزء من هذا الواقع ويعلمون جيدا ما يحدث«.
وفي الاعوام السابقة قدم المعلمون في المدرسة الابتدائية باليه (بحيرة البجع)، لكنهم قرروا هذا العام تنظيم عرض يحمل عنوان «أطفال العراق» وهو كوميديا سوداء خالصة لمساعدة الاطفال على التكيف مع واقع العنف اليومي في المنطقة.
وقالت نائبة مدير المدرسة التي طلبت عدم نشر اسمها «ان المدرسة تأثرت بأعمال العنف المستمر رغم حملة أمنية كبيرة تنفذها القوات الاميركية والعراقية»، وقالت «ذات يوم سألت تلميذا عن سبب غيابه في اليوم السابق فقال لي لان والدي خطف».
وقدمت المدرسة أيضا علاجا نفسيا لطفل اخر قتل والده أمام عينيه، ورغم أن المعلمين دافعوا عن محتوى العرض فقد حذر حيدر عبد المحسن وهو طبيب نفسي بمستشفى ابن رشد ببغداد من أن ضرره قد يفوق نفعه. وقال عبد المحسن الذي يعالج الاطفال الذين أصابتهم الحرب بصدمة انه ينبغي تسلية الاطفال بعروض أكثر تعليمية. وقال :ينبغي عزل الاطفال بقدر الامكان عن الواقع لان هذا الواقع خطأ ولابد من ابلاغهم أنه واقع مؤقت وسوف يزول.
وحذر صندوق الامم المتحدة لرعاية الطفولة (يونيسيف) الاسبوع الماضي من أن عددا قليلا من الاطفال يتلقون المساعدة التي يحتاجونها للتكيف مع الحياة في العراق بعد أربعة أعوام من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للاطاحة بالرئيس السابق صدام حسين.