الدبلوماسية عالم خصب مليء بالحكايات والخبرات والمواقف الجادة والحساسة والمهمة والمؤثرة في حياة الشعوب والأفراد، مثلما هي مليئة بالطرائف والعجائب والغرائب وهو ما يجعل منها مادة خصبة للحوار والنقاش للوقوف على أهم المحطات في حياة الشعوب من مذكرات واعترافات للدبلوماسيين.
السفير محمد بسيوني واحد من أكثر الدبلوماسيين المصريين تعرضا للمواقف المثيرة ويمتلك خبرات متعددة فهو خريج الكلية الحربية عام 1956 وشارك في حروب 1956 و1967 والاستنزاف وحرب أكتوبر1973 وعمل بسيوني مدرسا في الكلية الحربية من عام 1956 وحتى عام 1966، ثم انتقل للعمل بالمخابرات الحربية قسم إسرائيل من عام 1967 وحتى عام 1980.
وشغل بسيوني خلال حرب أكتوبر المجيدة منصب ضابط اتصال بين الجيشين المصري والسوري عمل بالسفارة المصرية في العاصمة الإيرانية طهران، من عام 1978 وحتى عام 1980 ثم انتقل للعمل بالسفارة المصرية في تل أبيب، في أول بعثة دبلوماسية مصرية في إسرائيل عام 1980 حتى عين سفيرا لمصر بإسرائيل من عام 1986 وحتى عام 2000عندما تم استدعاؤه للتشاور احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية في فلسطين.
وعين مساعدا أول لوزير الخارجية ثم شغل منصب رئيس لجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي في مجلس «الشورى المصري». عن تجربته في طهران خاصة أنها أول مهمة دبلوماسية له بعد مشوار طويل في السلك العسكري، ووجود خلاف كبير بين السلكين الدبلوماسي والعسكري.
قال بسيوني : أهمية هذه التجربة يرجع إلى أنها جاءت في بداية الثورة الخمينية في إيران، والتي تواكبت أيضا مع زيارة الرئيس السادات للقدس في نوفمبر 1977وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978 ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26مارس 1979.
وهو الأمر الذي أدى إلى حدوث نوع من سوء الفهم لدى القيادة الإيرانية، وعدم إدراكها أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ليست اتفاقية سلام منفردة، وإنما هي خطوة أولى على طريق تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في المنطقة، وهو الأمر الذي ثبت بالفعل بعد ذلك وقد حاولنا إقناع القيادة الإيرانية به خلال تلك المرحلة ولكنها لم تقتنع.
وعن اغرب وأطرف المواقف التي تعرض لها خلال تلك الفترة، قال بسيوني: في الحقيقة أنا عاصرت خروج الشاه من طهران وعودة الخميني. ومن الطرائف التي حدثت أنه ترددت شائعة في الفترة الأولي للثورة الإيرانية، بأن صورة الخميني ستظهر علي وجه القمر، باعتبارها رسالة من الله للعالم ومباركة للثورة الإسلامية الخمينية.
وبالفعل صعد سكان إيران إلى الأسطح لمشاهدة المعجزة الإلهية وهم لا يعلمون أنه عندما تنظر إلى القمر فيمكنك تخيل أي شيء تريده، فتخيل الناس أن صورة الخميني قد ظهرت بالفعل على القمر فأخذوا يصيحون: «الله أكبر الخميني رهبر»، أي الخميني قائدنا.
أما عن تجربته في تل أبيب وتقييمه لها فيقول: عندما توجهت إلى إسرائيل كانت لدي مهمة أساسية وهي السعي لتحقيق السلام الشامل والعادل في المنطقة، وكانت أهم المحطات هي توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وكذلك اتفاقيات أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل كاتفاقية تسبق التوصل لمعاهدة سلام تنهي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من جميع جوانبه .
وكنت في إسرائيل على اتصال دائم ووثيق مع كل الأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، علاوة على الأحزاب الدينية بالإضافة إلى كل العناصر المكونة للمجتمع الإسرائيلي من اليهود الاشكناز «الغربيين»، واليهود السفرديم «الشرقيين» والصبرا «المولودين في إسرائيل».
والمهاجرين الروس الجدد والفلاشا والعبرانيين والسود القادمين من الولايات المتحدة (شيكاغو)، وعرب إسرائيل أو ما تطلق عليهم إسرائيل «الأغيار» أي غير اليهود ويضمون مسلمين بنسبة 81% ومسحيين بنسبة 10% والدروز بنسبة 9%.
وعن تأثير تلك الفترة على شخصيته، قال بسيوني: أنا لم أتأثر ولكنني استطعت أن أوثر فيهم لأنني أولا شاركت في أربع حروب ضدهم وعملت في المخابرات الحربية لمدة 14 عاماً، خلقت لدي خلفية ومرجعية قوية وكبيرة عن كل صغيرة وكبيرة في الشخصية والقيادة الإسرائيلية .
كما أنني قمت بالتدريس في الكلية الحربية مادة فن القتال، وبها جزء مهم عن إسرائيل لذلك عند توجهي إليها كنت مزودا بالخبرات العسكرية والأمنية والأكاديمية مما سهل مهمتي، عندما انتقلت للعمل في الخارجية لأستزيد من الخبرة الدبلوماسية قبل السفر لتل أبيب ...
ولقد كان لهذا التأثير دور كبير في إقناع الفلسطينيين بدعم مصر لقضيتهم وأننا لم نوقع سلاما منفردا ولكن هدفنا الحقيقي هو تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم في المنطقة وخاصة بالنسبة للفلسطينيين. وعن أصعب المواقف والصعوبات التي تعرض لها خلال تواجده بإسرائيل.
قال بسيوني : صعوبات كثيرة واجهتني خاصة أثناء مفاوضات السلام التي دارت في أعقاب مؤتمر مدريد للسلام خاصة على المسار الفلسطيني والسوري واللبناني علاوة على بعض المشاكل على الحدود المصرية الإسرائيلية إلا أن سرعة التحرك كانت كثيرا ما تساهم في السيطرة علي هذه المشاكل وحلها .
فنحن نسعى إلى تحقيق السلام والاستقرار على جميع المسارات ومن أصعب المشاكل التي واجهتني هناك، حادث رأس برقة عندما قام أحد الجنود المصريين بإطلاق النار على مجموعة من السائحين الإسرائيليين، وقتل وجرح العديد منهم.
وكانوا جميعا للأسف من حركة «السلام الآن» الإسرائيلية والتي تطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والتوصل لاتفاق سلام مع جميع الدول العربية بما في ذلك فلسطين. وفي أعقاب الحادث قامت أعداد كبيرة من الإسرائيليين بالتظاهر أمام منزلي بتل أبيب .
القاهرة ـ سباعي إبراهيم
