كشفت ناشطة بريطانية عادت مؤخرا من الأراضي الفلسطينية المعاناة والأوضاع المزرية التي يعيشها الشعب الفلسطيني نتيجة الممارسات الإسرائيلية غير الإنسانية، وكذلك عاشت مع الفلسطينيين أجواء الفرح والتفاؤل الذي يتحدى الموت.
وتحدثت الشابة البريطانية كيت (23 عاما) لـ «البيان» عن رحلتها إلى مدينة نابلس والتي قضت فيها شهراً. وذلك على خلفية زيارة قامت بها ضمن مجموعة من الناشطين في مجال حقوق الإنسان في إطار مشروع تطوعي (غير ربحي)، حمل عنوان «الأمل».
وتقول كيت التي طلبت عدم التعريف بها بأكثر من اسمها الأول خشية تعرضها للمضايقات في حال السفر مجددا إلى فلسطين من قبل السلطات الإسرائيلية: «إن زيارتي تأتي انسجاما مع اهتماماتي السياسية، خاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.
وتضيف: «لقد درست تاريخ الشرق الأوسط وسياسته في جامعة لندن. وفي سنتي الدراسية الأخيرة، كان مشروع التخرج قد ركزت فيه على (الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي)، وقررت لا حقا الذهاب إلى فلسطين للاطلاع على القضية من أرض الواقع.
لأنني أدركت بأنني لا استطيع معرفة الثقافة العربية والسياسية بمجرد قراءة الكتب... سياسيا دوما كنت داعمة للشعب الفلسطيني. لكن طالما لم أزر فلسطين لن افهم تماما معاناة هذا الشعب وصراعه مع الاحتلال».
وتشير إلى أن التحدي الرئيسي الذي واجهته خلال رحلتها كان الغموض وعدم إدراكها ماهية الأمور التي قد تواجهها. «كانت أسرتي وأصدقائي قلقين علي من خوض هذه التجربة، خاصة وأن الإعلام الغربي طالما صور مدينة نابلس الفلسطينية على أنها مدينة خطرة جدا.
بالإضافة إلى أن وزارة الخارجية البريطانية نصحت بعدم زيارة هذه المدينة بسبب المخاطر التي قد يتعرض لها الزوار الغربيون هناك». وتفيد كيت بأنه كان من الصعوبة بمكان العثور على معلومات موثوق بها عن الوضع في فلسطين يوميا مما زاد من صعوبة الأمر في طمأنة الأهل والأصدقاء بأنها ستكون بمأمن.
«التحديات التي واجهتني خلال رحلتي تضمنت مروري عبر أمن المطار، وسفري وحيدة جعلني محل اشتباه، كذلك إبقاء الهدف من الرحلة سريا عن السلطات الإسرائيلية. بالإضافة إلى أن موقف الكثيرين تغير نحوي عندما علموا أنني ذاهبة إلى زيارة الضفة الغربية، ولكن بمجرد وصولي إلى رام الله أصبح كل شيء أسهل وبدأت استمتع بوقتي».
وتروي أنها قضت وقتا ممتعا في فلسطين، قابلت خلاله عددا من الشخصيات الرائعة. «اندهشت لكرم الضيافة ومساحة التفاؤل عند الشعب الفلسطيني. الشيء الذي كان مفاجئا لي في نابلس أن الحياة كانت عادية، الأمر الذي هو ابعد مما يصوره ويروج له الإعلام الغربي وعلى ما اعتقد الحكومة الإسرائيلية».
وتقول: «الأمر الآخر الذي فاجأني خلال الرحلة هو شح المعلومات والتقارير الإخبارية عن المدينة، مما جعلها تظهر بصورة معزولة عن العالم ولهذا السبب الشعب الفلسطيني في نابلس يبدو وحيدا في نضاله، إلى جانب ذلك فلقد اندهشت مرة أخرى لقلة الجهد المبذول من الآخرين لدعم هذا الشعب في نضاله ضد الاحتلال.
وتتابع: «قبل زيارة نابلس لم يكن لدي أدنى فكرة بمقدار عزل السكان هناك عن بقية العالم، ومدى المضايقات التي يتعرضون لها على يد الجيش الإسرائيلي. كما تعلمت أشياء جديدة عن المسجد الأقصى، وأدركت مدى محدودية المعلومات التي تصلنا من المراسلين الصحافيين.
رحلتي أيضاً ساعدتني على التفريق بين السياسة والناس، فبالرغم أن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مشهور دولياً، نجد حجم الدعم الدولي للشعب الفلسطيني محدودا جداً». وتؤكد «رحلتي جعلتني أكثر وعيا الآن بأن إجراءات وقرارات الساسة والدبلوماسيين الدوليين، لها تأثر كبير على حياة الإنسان الفرد».
وفي ردها على سؤال عن مدى مهنية الجيش الإسرائيلي واحترام حقوق الإنسان الدولية في تعامله مع الشعب الفلسطيني. تجيب كيت: سمعت العديد من الأحاديث من قبل الكثير من الأسر هناك (نابلس) عن الحوادث والحالات التي تبدو لي خرقا لقوانين حقوق الإنسان.
الشيء اللافت للانتباه في نابلس هو عدم وجود وساطة دولية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بالإضافة إلى الغياب الواضح لأي اهتمام بالمنطقة من قبل أي طرف، عدا إسرائيل. وتوضح: هذا يعني خاصة في مدينة مثل نابلس هو أن الجيش الإسرائيلي له أن يفعل ما يشاء في تعامله مع الشعب الفلسطيني.
حتى في المرات القليلة التي حاولت فيها بعض المنظمات الإنسانية كالأمم المتحدة دخول نابلس، إلا أنها تقابل عادة بالحضر من جانب الجيش الإسرائيلي. هذا الافتقار إلى التعامل مع القوات الدولية كثير ما يتم ملاحظته، ولكن نادرا ما يتخذ إجراء بشأنه. يجب أن يكون هناك التزام أكبر من منظمات مثل الأمم المتحدة حتى يكون هناك تغيير.
وفي وصفها للحياة اليومية للشعب الفلسطيني في نابلس، تقول: «الحياة اليومية وسط نابلس كانت عادية جدا: السكان يذهبون إلى أعمالهم، والى الأسواق، والطلاب يذهبون إلى مدارسهم... إلى آخره. ولكن في حوالي الساعة التاسعة أو العاشرة مساء من كل ليلة يبدو أن هناك اتفاقاً غير مكتوب لحظر التجوال، حيث يدخل الجيش الإسرائيلي للمدينة بالدبابات والبنادق والقنابل والكلاب».
وتشير إلى أن الجيش يدخل بيوت الأسر في المدينة القديمة بالقوة من أجل استخدام المباني كقواعد أو مواقع للقناصة. «بالإضافة إلى اعتقال واحتجاز وضرب الشبان لأيام متتالية، غالبا من دون سبب». كما تروي عن فترات كان يدخل بها الجيش الإسرائيلي نابلس قبل حلول الظلام والنزول إلى مخيمات اللاجئين وإطلاق النار وقتل الناس، بذريعة البحث عن ناشطين وكثيرا ما يمنع الجيش ضحاياه من تلقي العلاج في المستشفى.
وتنوه كيت إلى أن الشبان الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي عادة ما يطلقون النار على الأطفال والقطط، وبازدراء يشوهون قبور وصور الشهداء، مما يعطي انطباعا بأن هؤلاء الشبان يلعبون لعبة فيديو، بدلا من تمثيل حكومة تدعي العدالة.
وتعرج الناشطة البريطانية إلى قضية مهمة يواجهها الشعب الفلسطيني. «الغالبية العظمى من المياه الفلسطينية يتم إنفاقها على المستعمرات الإسرائيلية القريبة مما يعني أن هناك نقصاً مستمراً في المياه داخل نابلس».
وتقول: «شاهدت مثل هذا الظلم على أساس يومي. الرسالة التي أريد توجيهها للعالم هي أن الوضع في فلسطين يختلف كثيراً عن الوضع الذي تتناقله وسائل الإعلام الغربية: نظرا لعدم دقة وسائل الإعلام الغربية وميلها إلى تصنيف الإرهاب، والقاعدة، والفلسطينيين في خانة واحدة، الملايين من الناس يجبرون على قضاء كل يوم بقدر قليل جدا من الحرية، وهم يشهدون مقتل أحد أفراد أسرهم بدون مبرر على أيدي حكومة تدعي المدنية والتمدن، غير قادرين على فعل شيء لفقدهم الدعم الكافي.
وتشير كيت إلى «أن الناس في نابلس هم ابعد ما يكونون عن أنهم شبكة للجريمة المنظمة، التي قد تهدد بقية العالم، لكن حتى يدرك الناس هذا ويبدأوا يلاحظوا قوة الآلة الإعلامية الموجهة الإسرائيلية ـ الأميركية فإن الشعب الفلسطيني سيستمر يواجه حياة القهر والحرمان من الحقوق الأساسية».
لندن ـ راشد العيد
