«تعددت الأسباب والموت واحد». مثل يملأ السمع في كثير من المناطق في أفغانستان.. تلك الدولة التي تعايش الكوارث والمصائب والمحن فيموت البعض جوعا والآخر يفتك به البرد القارس شتاء والبعض تعصف به الحروب والنزاعات وآخرون تفتك بهم الأمراض والأوبئة المنتشرة. لم يقف الأمر في هذا البلد عند هذا الحد حتى أصبحت ندرة المياه واحدة من أعقد القضايا التي يواجهها فراح ضحيتها كثير من الناس .
وبينما تبدو أفغانستان للناظر قاحلة فإن هناك وفرة في مياهها حيث إن بها العديد من الأنهار.. لكن المشكلة تكمن في افتقارها إلى وسائل نقل مياه الأنهار إلى الحقول أو البلدات.. فقد كانت أفغانستان قبل الاحتلال السوفييتي عام 1979 تمتلك أحد أكثر أنظمة الري تطورا في العالم.
وبينما تأتي أفغانستان على رأس قائمة أكثر خمس دول متأثرة بثنائي الجفاف والحرب يليها الصومال فأثيوبيا ثم الفلبين يزداد الأمر تعقيدا حينما تغلق الدول المجاورة لهذا البلد حدودها في وجه أبنائه حتى أصبح الأفغاني يدور في دائرة مغلقة لاجئا من مكان إلى مكان آخر في بلاده باحثا عما يقيم أوده حتى تفشت ظاهرة «نازحي الداخل». بينما الكثيرون لا يجدون ما يعينهم على التنقل فيقبعون في أماكنهم يأسا وحسرة. ومنذ حوالي عقدين يمثل لاجئو الشعب الأفغاني النسبة الأكبر في العالم من شعب واحد على مدى التاريخ حيث بلغ تعدادهم نحو ستة ملايين و200 ألف لاجئ بجانب مليون مرحل داخلي من بين 27 مليون تعداد سكانه.
وبجانب الأوضاع الداخلية المتردية إنسانيا صاحبها بنية تحتية محطمة وجفاف عصف بالبلاد منذ سنوات عديدة حتى أجهز على ما تبقى منذ خمس سنوات مخلفا المزيد من الفقر والجوع والمرض مما اضطر الكثيرين إلى اللجوء إلى البلاد المجاورة بعد أن فقدوا الأمل في تأمين الحد الأدنى من أسباب الحياة.
وتحذر تقارير الأمم المتحدة من تردي الأوضاع المعيشية التي تزداد تدهورا في البلاد نتيجة الحروب الطاحنة التي مزقت أوصالها وشردت أبناءها، مخلفة فقرا مدقعا وتدهورا لحق بالرعاية الصحية التي انعدمت مسببا انتشار العديد من الأمراض والأوبئة التي تفتك بالسكان ناهيك عن المياه الملوثة التي خلفت العديد من الأمراض القاتلة.
وتشير تقارير المنظمات الإنسانية إلى أن معاناة هذا الشعب ستستمر حيث تتزايد معدلات الإصابة بالأمراض وخاصة المعدية التي استشرت بين السكان فمعدل الإصابة بمرض السل مثلا يصل إلى 15% لكل 100 ألف شخص بجانب زهاء مليوني شخص يصابون كل عام بمرض الملاريا الذي استوطن البلاد.
وزاد ضعف البنية التحتية لقطاع المياه من خطورة الأوضاع الصحية داخل أفغانستان حيث لا تصل المياه النظيفة إلا إلى 19% من الأفغان داخل المدن و11% داخل الريف بينما لا توفر خدمة الصرف الصحي إلا ل25% من الأفغان داخل المدن و8% داخل الريف، وهو ما يتسبب في ارتفاع نسبة الوفيات لا سيما بين الأطفال.
وكشفت نتائج دراسة عن آثار الحرب وعوامل أخرى كالكوارث الطبيعية والجهل أجراها نحو 20 خبيرا جمعوا نحو 60 عينة من الماء والهواء والتربة لتحليلها ان نسبة تتراوح ما بين 12 و24% فقط من الأفغان هم الذين يستطيعون الحصول على مياه نظيفة وشروط صحية ويعيش معظمهم في المناطق الريفية حيث إنها كانت أكثر أمنا لعمل منظمات المجتمع المدني وغير الحكومية.
وأشارت الدراسة إلى عدد من المشاكل البيئية الرئيسية في أفغانستان والتي تضمنت افتقارها للرقابة على جودة وكمية المياه والتخلص غير السليم من نفايات المستشفيات السامة وتسرب المواد الملوثة والفضلات إلى البحيرات وتجمعات المياه والجفاف بالإضافة لانعدام الحياة البرية واقتلاع الغابات في مختلف مناطق البلاد. ويؤدي غياب الأمن وانتشار الاضطراب في أفغانستان إلى عرقلة جهود ومهام الكثير من برامج المساعدة التابعة للأمم المتحدة ومنها برنامج «اليونيسيف» المتعلق بتوفير المياه وخدمات الصرف الصحي.
ودعت منظمة «اليونيسيف» في تقرير احتياجاتها لعام 2007 إلى جمع أكثر من مليوني دولار لإنفاقها على برامج ومشاريع توفير مياه الشرب وتجهيزات الصرف الصحي اللازمة للأطفال في أفغانستان الذين يعيشون ظروفا قاسية جدا في ظل تردي الظروف الأمنية والأوضاع المعيشية في البلاد مما يجعلهم عرضة للإصابة بأمراض الإسهال والكوليرا والملاريا لا سيما مع حلول موسم الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
وتشير التقارير إلى أن سوء التغذية وقصور خدمات الرعاية المناسبة وعدم توفر المياه النقية والصرف الصحي من العوامل الرئيسية المسببة لارتفاع نسبة الوفيات وانتشار الأمراض عند الأطفال وتتضمن الحصبة والإسهال والالتهابات التنفسية الحادة والملاريا وسوء التغذية الذي ترتفع نسبته لتطال ما يتراوح بين 40 و60% من أطفال أفغانستان.
وحسب وثيقة برنامج تنمية البلاد 2008/2006 فإن أكثر من 75% من المدارس لا يتوفر فيها المياه النظيفة كما أن 80% منها لا تتوفر فيها دورات المياه الصحية وهذا ما يؤدي إلى انخفاض نسبة إقبال الفتيات عليها. كما تشير تقارير أخرى إلى أن 82% من سكان المناطق الريفية و57% من سكان المدن لا تتوفر لهم المياه النظيفة في حين أن 92% من سكان الريف و72% من سكان المدن لا يستخدمون دورات مياه صحية.
وذكرت تقارير منظمة الصحة العالمية أن 24% فقط من سكان أفغانستان البالغ عددهم 27 مليونا تقريبا يحصلون على مياه صالحة للشرب، بينما يستخدم 76% مياها غير صالحة لأغراض الشرب والطهي وهو ما يتسبب في ارتفاع نسبة الوفيات لا سيما بين الأطفال حيث تشكل أمراض الإسهال والسل تهديدات مزمنة للصحة العامة.

