يعتبر قرار إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري سابقة في منطقة الشرق الأوسط المضطربة التي عانت طويلاً من الاغتيالات السياسية. وأبصرت المحكمة الدولية النور الأربعاء الماضي بعدما صوّت مجلس الأمن الدولي على قرار إنشائها بعد أكثر من سنتين وثلاثة أشهر على اغتيال الحريري من خلال تفجير ضخم استهدف موكبه في بيروت في 14 فبراير 2005.

وقال مدير مركز كارنيجي الشرق الأوسط في بيروت بول سالم إن «المحكمة خطوة كبيرة، نحن بالتأكيد في عصر جديد، في مرحلة جديدة. لقد أصبحت المحكمة واقعاً». وقال إن على «سوريا أن تتعامل مع هذا الواقع وعليها إيجاد طريقة للحديث مع الولايات المتحدة والغرب والسعودية من أجل استقرار لبنان، وتمهيد الطريق لتأليف حكومة جديدة وانتخاب رئيس جديد إلى جانب البحث في مصير سلاح (حزب الله).

ومن المبكر التنبؤ ما إذا كان قرار مجلس الأمن الدولي الجديد رقم 1757 الذي ينص على إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان سيعمّق الخلافات فيه أم أنه سيمهّد الطريق لحوار بين الفرقاء المعنيين، متشجعين بالحوار الأميركي- الإيراني الذي استضافته العاصمة العراقية بغداد في وقت سابق من الأسبوع الحالي. وبالنسبة للنائب في البرلمان اللبناني بطرس حرب الذي ينتمي أيضاً إلى قوى «14 مارس» المؤيدة للحكومة اللبنانية، فإن المحكمة «سابقة»، وهي «الأولى التي يتم إنشاؤها في منطقة تملؤها الاضطرابات والأحداث».

وقال إنها «تنشئ واقعاً نوعياً جديداً يساهم بشكل غير مباشر في جعل الأنظمة (في المنطقة) تلتزم بحقوق الإنسان وحماية حقوق المواطنين بشكل أكبر». وأضاف انه «يؤشر إلى اتجاه لدى المجموعة الدولية والأمم المتحدة لمؤازرة شعوب العالم في حل مشاكلها وإن كان ذلك عبر توسع دور الأمم المتحدة في حلّ الصراعات». وشددّ على «أهمية القرار لأنه يحل قضية خطيرة عرّضت لبنان واستقراره ومستقبله للخطر».

وصدر القرار، الذي سيدخل حيّز التنفيذ في 10 يونيو الحالي، بموافقة عشرة أصوات وعدم معارضة أي من الأعضاء الـ 51 في مجلس الأمن الدولي. وامتنعت الصين وروسيا وقطر وإندونيسيا وجنوب افريقيا عن التصويت على القرار قائلة إنه تجاوز لدور مجلس النواب اللبناني في الموافقة على الاتفاقيات الدولية وسيزيد من عمق الانقسامات في لبنان ويهدد استقراره الهش.

وأوضح «عبّرت الصين وروسيا عن خوفهما لكنهما لم تستخدما حق النقض». والآن، وبعد أن أصبحت المحكمة واقعاً يعتقد حرب أن «الفرقاء المعنيين سيتعاملون مع هذا الوضع بواقعية». وأضاف «الواقعية تفرض على هذه الدول أن تتعامل مع المحكمة بطريقة تؤدي إلى تجنّب تعقيد الأمور والتوجه نحو ما يمكن أن يساهم في حلحلة الصراع القائم». ويبدو أن حرب كان يشير بشكل رئيسي إلى سوريا التي اتهمها العديد من اللبنانيين بوقوفها خلف اغتيال الحريري والعديد من الاغتيالات والتفجيرات الأخرى في لبنان - التهمة التي تنفيها دمشق باستمرار.

ولمح التحقيق الدولي في اغتيال الحريري إلى تورط محتمل لبعض الضباط السوريين واللبنانيين في العملية التي وقعت أثناء خضوع لبنان لسيطرة سوريا وقبل أن تجبر دمشق على سحب قواتها منه. وقال الخبير القانوني وأستاذ القانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور شفيق المصري إن المحكمة الدولية هي «الآلية القضائية التي يمكن أن تكشف حقيقة المجرمين الذين نفذّوا هذا العمل الإرهابي ضد الحريري وتكشف كذلك مرتكبي الجرائم الأخرى». وأوضح أن «المحكمة أنشئت استناداً إلى الفصل السابع (من ميثاق الأمم المتحدة) الملزم والذي لا يسمح لأي دولة التملّص منه. ما يعني أن على كافة الدول القريبة والبعيدة أن تمتثل لمتطلباتها».

وفي إشارة إلى أن التحقيق الدولي الذي أجراه القاضي البلجيكي سيرج براميرتز ألمح إلى أن اغتيال الحريري كان عملاً إرهابياً بدافع سياسي، قال المصري إن «المحكمة أنشئت لمعاقبة أولئك الذين ارتكبوا جرائم إرهابية بناء على أن الإرهاب يشكّل تهديداً للسلام والأمن الدوليين».

وقال إنها «المحكمة الأولى التي ستحاكم وتعاقب مرتكبي جرائم إرهابية على المستوى العدلي. إنها الآلية القضائية الأولى ذات طابع دولي التي تنشأ في منطقة الشرق الأوسط حيث الاغتيالات السياسية والقمع والسجن الجماعي ومخالفة الحقوق الأساسية للمواطن العربي منتشرة». وأصبحت المحكمة بالتالي «خطاً أحمر» وكانت «الورقة الأخيرة»، للمساومة. ويبقى السؤال الملح: هل ستردع مثل هذه المحكمة مستقبلاً، أي اغتيال سياسي في الشرق الأوسط؟