تواصلت المعارك الضارية أمس بين الجيش اللبناني ومقاتلي جماعة «فتح الإسلام» في الأحياء الشمالية والشرقية لمخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان، بعدما تقدمت خلالها وحدات من الجيش اللبناني على ثلاثة محاور في محاولة لمحاصرة عناصر «فتح الإسلام» في بقعة صغيرة داخل المخيم.

بينما أعلنت الجماعة القتال «حتى آخر قطرة دم»، مع هدوء حذر ساد مخيم عين الحلوة للاجئين في جنوب لبنان عقب استنفار جماعة «جند الشام». وبعد ليلة شهدت هدوءاً نسبياً بعد اشتباكات أول من أمس، شاركت مروحية للجيش اللبناني بالمعركة الدائرة منذ 14 يوما، وعادت المعارك لتحتدم داخل المخيم، الذي اقتحم الجيش عدداً من أحيائه الجديدة وخصوصاً على الأطراف الشمالية والشرقية.

وأعلن الناطق باسم «فتح الإسلام» أبو سليم طه، أن مقاتلي التنظيم يرفضون الاستسلام وسيقاتلون «حتى آخر قطرة دم». وقال «لن نستسلم وسنقاتل حتى آخر قطرة دم». وأضاف «لن يسقط المخيم على الرغم من القصف التدميري ولن يتمكن الجيش من دخوله».

وأدى القصف العنيف من المدفعية الثقيلة، إلى انهيار تام لعدد من البنايات العالية التي كان يتحصن فيها مقاتلون من «فتح الإسلام» ويمارسون منها أعمال القنص ضد وحدات المشاة، مما أدى إلى سقوط عدد من الجنود اللبنانيين قتلى. وأعلن الجيش مقتل جنديين لبنانيين ليل الجمعة السبت في الاشتباكات. وقال مصدر في الجيش إن الجنديين قتلا مما يرفع إلى أربعين الخسائر البشرية في صفوف الجيش اللبناني خلال أسبوعين.

وانهارت ظهر أمس بناية السموعي في جنوب المخيم وكذلك مبنى «جامع الثورة» في غربه. وكذلك انهار البناء الأعلى في حي المهجرين، حيث كان يتحصن عناصر يمارسون القنص على وحدات الجيش والطريق العام الدولية، وهو يقع على مسافة 500 متر من منطقة العبدة عند المدخل الشمالي للمخيم.

وأكدت مصادر عسكرية أن الجيش بات يسيطر على ثلث المخيم ويتحكم بالثلث الثاني بالنار، فيما يتحصن أفراد «فتح الإسلام» في الثلث الأخير، ملاحظة فرار بالعشرات للمسلحين، خلال تقدم مغاوير الجيش من الناحية الشمالية المحيطة بموقع الخان. كما تقدموا على الطريق في الجزء الشمالي من المخيم وسيطر الجيش بالنار على مركزي صامد والتعاونية والمواقع على طريق المحمرة.

وتحدثت معلومات من داخل المخيم أن عناصر «فتح الإسلام» تراجعوا إلى عمق المخيم متحصنين بالأبنية والأزقة الداخلية بعدما تمكن الجيش، خلال مواجهات أول من أمس من الإمساك بمفاصل المداخل الرئيسية للمخيم القديم، بعد السيطرة الميدانية وبالنار على الأحياء الجديدة على مداخله الثلاثة في المحمرة والعبدة وبحنين ـ المنية.

وأفاد مصدر عسكري بأن وحدات الجيش واصلت عملية تطهير للأبنية التي سيطرت عليها، مشيراً إلى أن أكثرها ملغوم. وأشار إلى تطهير موقع «التعاونية» والأبنية المجاورة له بعدما أحكم سيطرته على موقع الخان الاستراتيجي، مضيقاً الخناق على عناصر «فتح الإسلام» الذين تراجعوا من مواقعهم الأساسية. وأفادت المعلومات القليلة الواردة من المنطقة عن مقتل عدد كبير من المسلحين شوهدت جثثهم في أحياء المخيم وشوارعه.

وأفاد شهود بأن جثثاً لعناصر «فتح الإسلام» موجودة في الشوارع لكنها ملغومة، كما تم تلغيم حيوانات أليفة مثل الأبقار والأغنام النافقة بسبب المعارك. وقدرت معلومات أمنية خسائر «فتح الإسلام» في مواجهات اليوم الأول بين ستة وثمانية قتلى. وأفيد أن زعيم «فتح الإسلام» شاكر العبسي حوصر بالنار في أحد المراكز الأساسية المتقدمة. لكن هذا الأمر لم يتأكد. وأدت الاشتباكات حتى قبل ظهر أمس حسب مصادر لبنانية إلى مقتل 14 عسكرياً والى 50 من «فتح الإسلام» حسب مصادر فلسطينية بينهم أربعة سعوديين وأربعة سوريين إلى جانب 20 إصابة خطرة بين صفوف المنظمة الأصولية.

وناشد عضو «رابطة علماء فلسطين» الشيخ محمد الحاج المسؤولين «الإفساح في المجال أمام قيام هدنة» في نهر البارد من اجل «إدخال المؤن وإجلاء الجرحى والمدنيين ودفن القتلى، وتقديم الخدمات الطبية والإنسانية العاجلة في المخيم».

وكانت الزوارق الحربية التابعة للجيش اللبناني فرضت حصاراً ومراقبة دقيقة على شاطئ المخيم منعاً لأي محاولة هروب المسلحين الذين أطلقوا نيران مدافعها الرشاشة في اتجاه هذه الزوارق. وفي الوقت نفسه، نفذ الجيش اللبناني سلسلة إجراءات عسكرية مشددة في مدينة طرابلس وعلى طول الخط بينها وبين المخيم، فيما كانت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني وفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، يشنان حملة مداهمات في أحياء الزاهرية، أبي سمراء، باب الرمل، محرم، البحصاص، الأسواق والقبة، حيث أوقفت شقيقة المسؤول العسكري في «فتح الإسلام» شهاب قدور الملقب ب«أبو هريرة» وكذلك أحد الموقوفين السابقين في قضية تفجير مطعم «ماكدونالدز» في الدورة ببيروت.

وأصدرت قيادة الجيش اللبناني بيانات وبلاغات عدة جاء في أحدها أن «عصابة ما يسمى فتح الإسلام تعمد إلى اتخاذ المساجد وبعض المؤسسات الإنسانية داخل المخيم منطلقاً لشن هجماتها وتخزين الأسلحة في داخلها وتفخيخها بالمتفجرات، إضافة إلى التعرض للمدنيين، بعدما استخدمتهم كدروع بشرية بغرض استثارة الرأي العام وخصوصاً المسلم منه». وأكدت قيادة الجيش «أنها تحرص كل الحرص على حماية أماكن العبادة والمراكز الإنسانية وأرواح المواطنين الأبرياء وأملاكهم»، مشددة على أن قوى الجيش «لا تستهدف سوى مراكز المسلحين الضالين عن مسيرة الإجماع اللبناني والفلسطيني».

كذلك وجهت قيادة الجيش نداء إلى «أهلنا في مخيم نهر البارد» عبرت فيه عن «ألمنا للاضطرار إلى توجيه سلاحنا نحو المخيم» بسبب «العصابة المجرمة». وإذ ناشدت الأهالي «التحلي بالصبر»، دعتهم إلى «طرد الدخلاء المجرمين من بينكم». وطلبت من «اللبنانيين والفلسطينيين المنتمين لفتح الإسلام، العودة السريعة إلى صوابهم». ودعتهم إلى «إلقاء السلاح وتسليم أنفسهم للجيش الذي سوف يسعى جاهداً كي ينالوا محاكمة عادلة أمام القضاء».

بيروت ـ علي بردى