تشهد المدن الجزائرية الكبيرة انتعاشا غير مسبوق لصناعة الطرز التقليدي للملابس وخاصة النسائي منها مثل «الكراكو» و«جبة الفرجاني» تبعا للارتفاع الملحوظ للقدرة الشرائية للمواطنين، حيث فتحت مئات الورش الجديدة واستعادت أخرى نشاطها بعد كساد دام سنوات.
وتصطف في العاصمة وقسنطينة كبرى مدن شرق البلاد وتلمسان الواقعة في أقصى الغرب كما في بجاية العاصمة القديمة للدولة الحمادية بمنطقة القبائل وحدات تصنيع يعمل فيها الآلاف من العمال من مختلف الأعمال ومن الإناث والذكور.
هذا الانتعاش حرك أيضا العمل في ورش صناعة الخيوط الذهبية والفضية والحريرية المستعملة في الطرز التقليدي وخلقت هي الأخرى عددا كبيرا من فرص العمل.
وتعرف العاصمة الجزائر ب« الكراكو» وهو أرقى لباس للمرأة في المناسبات ويتشكل من سروال تقليدي عريض مطرز بالخيوط الذهبية وصدرية بذات اللون وفي درجة عالية من الأناقة الذهبية وعادة ما يرفق « الكراكو» بـ «القفطان» وهو لباس طويل مرصع بالذهب أيضا.
وتصحب بنات العائلات الميسورة عند الزواج الكراكو والقفطان وفي معظم الأحيان يكون هذا اللباس الغالي هدية من الأهل. وتتباهى النساء وقت « التصدير » وهي طقوس تمارس عشية يوم الزفاف بحيث تجتمع النساء في صالة كبيرة وتقدم فيه العروس كل لباسها الفاخر بشكل حفلات عرض الأزياء.
وتشتهر قسنطينة من جهتها بـ « جبة الفرجاني» وهي عبارة عن لباس نسائي طويل يطرز بخيوط الذهب والحرير وتسمى محليا «الفتلة والمجبود» وقد توارثت هذه الصناعة عائلات عريقة من قسنطينة أبا عن جد وحافظت عليها منذ مئات السنين. وتعد جبة الفرجاني اللباس الفاخر الأهم في شرق الجزائر، وهي حلم الفتيات المقبلات على الزواج لجمالها وشهرتها لكن ثمنها مرتفع.
ويوجد منها أنواع تتفاوت أسعارها بحسب طريقة وكثافة الطرز ونوع الخيط المستخدم في تزيينها. ويشتغل في ورش المدينة مئات من الحرفيين من أعمار بين الثلاثين والسبعين كما تضم أيضا عددا كبيرا من الفتيان والفتيات يتعلمون الحرفة وسيرثونها ويبقونها حية لأجيال أخرى.
ويقول يزيد صاحب محل في حي «سيدي مبروك» بقسنطينة: «اعمل في الطرز منذ عشرين عاما بعدما تعلمت الأصول في مركز حكومي للتكوين المهني والتحقت بورش أصحاب الحرفة مدة قبل أن أفتح محجلا خاصا بي اصنع فيه جبة المخمل المطلوبة بكثرة». واضاف: «طول عملي لم أجد إقبال الشباب على المهن التقليدية مثلما يحدث هذه الأيام. وعندي الآن أربع بنات وشابين كلهم عازمون على التمكن من الحرفة وإتقانها، هم الآن في البداية ويمكن بعد خمسة أعوام أن يصبحوا قادرين على ولوج السوق». أما سيد أحمد فتخصص في صناعة «الكراكو» والقفطان منذ نحو ثلاثين عاما.
وحين زرناه بمحله في شارع يتفرع عن ساحة الشهداء بوسط مدينة الجزائر وجدنا عددا كبيرا من الزبائن في الانتظار منهم من جاء لاستلام طلباته ومنهم من حضر لتقديم الطلب. ووسط تلك الزحمة تحدث إلينا قائلا: « كما ترون الطلبات كثيرة وتلبيتها صارت صعبة خاصة في مثل هذا الوقت من العام حيث مواعيد الأعراس تضغط على العائلات وعلينا نحن أيضا».
وأضاف «العمل»في السنوات الأخيرة تحسن كثيرا والمادة الأولية متوفرة والحمد لله خاصة بعد انفتاح السوق على الانتاج الأجنبي في هذا المجال ... أنا على كل حال أفضل الخيوط المذهبة الجزائرية لأنها أجود لكن الاستيراد حل لنا مشكل الندرة... وفي هذه السنوات زاد إقبال الشباب كثيرا على الصنعة بسبب ما تدره من أرباح ولما صارت عليه السوق من سعة».
وقد أدى توسع مجال تسويق الملابس التقليدية الراقية في مختلف مناطق الجزائر الى فتح محلات تجارية متخصصة يمكن الاقتناء منها مباشرة كما يمكن طلب اللباس بالمقاييس التي يريدها الزبون. ولارتفاع الطلب على هذه الملابس لجأ أصحاب المحال والورش المختصة إلى تشغيل النساء العارفات بالمهنة في بيوتهن مقابل نسبة مئوية عن كل قطعة تنتج حيث ويوفر ارباب العمل المواد الأولية ويوزعونها على السيدات في البيوت لرفع وتيرة الانتاج ويحصد الجميع فوائدها.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي
