أي كيمياء للعنف باتت تتفاعل في المجتمع الأردني؟ هل يمكن الإشارة إلى الفقر كمعادلة تجمع أسباب العنف. هل هما وحدهما؟! لم يكونا يوما وحدهما قطبي المعادلة.. وإلا تحول أكثر من نصف المجتمع الأردني إلى قتلة والنصف الآخر إلى مغدورين. ولكن لماذا زادت أرقام حوادث القتل في فترة ما بعد الشتاء تحديدا؟ وما هي علاقة كثافة الازدحام السكاني بالمعادلة.

يقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية الدكتور مجدالدين خمش لـ «البيان» إن الازدحام السكاني بحد ذاته يقلل من تأثير العادات والتقاليد في المجتمع ويضع الناس في توتر مستمر، وهو ما يساعد على «الانفلات» من الشخصية العقلانية الهادئة أو المسيطرة على نفسها وقت الغضب.

الترجمة السياسية لما يقوله د. خمش هو: إن احتلال أميركا للعراق زاد من العنف في الأردن بفعل لجوء ما يزيد على الـ 700 ألف عراقي إلى المملكة.. هل يمكن أن يكون ذلك صحيحاً.

ولكن وبمناسبة الحديث عن القتل والعراق.. هل لعملية الإيحاء النفسية دور بذلك، .وهل بات على الأردنيين القلق من تحول معالجة البعض منا لمشاكله وانفعالاته النفسية عبر العنف؟ إذن أي معالجة هي ستكون؟

تخيلوا معنا هذا المشهد: عائلتان أردنيتان ومأذون يريد عقد قران فتاة هذه العائلة بشاب تلك العائلة. الجميع يجلسون في بيت العروس. يهم والد العروس باستدعاء العريس وعروسه من الغرفة المجاورة. فيقول والد العريس «بسرعة خلونا نخلص من هذا الطابق».

جملة بريئة قالها الرجل ضاحكا. ولكنها كانت كفيلة ليغيّر والد العروس خُطُواته إلى حيث مسدسه، ثم يدخل به إلى العروسين ويقتلهما لغسل عاره لأنه اعتقد أن جملة والد العريس تنمّ عن فضيحة ما تريد عائلة العريس «الطبطبة» عليها. ولكنا لسنا بصدد الحديث عن العنف بعامة، بل في الملاحظة التي بدأت يشعر بها قراء الصحف في ازدحام أخبار «العثور على جثث مجهولة الهوية» في مناطق مختلفة من المملكة.

لنعترف بداية ان المجتمع الأردني مسالم .. رغم كل ما يقال عن الشخصية الأردنية ، فهذه الشخصية وان كانت قاسية هي أيضا تتسم بالبعد عن العنف. كما علينا أيضاً الإشارة إلى القدرة الهائلة التي يتمتع بها جهاز الأمن العام في اكتشاف الجرائم. ولكن هل نطمئن لذلك؟

جاء في الخبر رقم 53 الذي بثته وكالة الانباء الأردنية يوم 19 مايو تحت عنوان: «العثور على جثة في منطقة ماركا الشمالية»: إن أجهزة الأمن في مديرية شرطة شمال عمان عثرت في منطقة ماركا الشمالية ـ حي المزارع على جثة لسيدة المدعوة (ص.ع.س) عمرها (55) عاماً كان عثر عليها مقيدة داخل إحدى العمارات.

ولكن لم يكن على «بترا» الانتظار سوى يوم واحد فقط حتى يعلن الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام بشير الدعجة لها في خبرها رقم 76 في 20 مايو بأن رجال البحث الجنائي في مديرية شرطة شمال عمان تمكنوا من حل لغز الجريمة. كانت الجانية سيدة تبلغ من العمر 27 عاما اعترفت بارتكابها للجريمة على خلفية مطالبتها باسترداد 5 دنانير كدين على القتيلة. ما يلفت النظر هنا، ليس تزايد أعداد الإعلانات بالعثور على جثث مجهولة فقط، بل أيضا تلك الطريقة التي تتم فيها عملية القتل.

ففي جريمة قتل السيدة كانت العملية بشعة للغاية، ووفق التصريحات التي أدلى الدعجة فان القاتلة اعترفت بما يلي: إنها طلبت حضور القتيلة إلى منزلها لتعطيها مبلغا كانت تدين به لها والبالغ 5 دنانير، ووقع خلاف بينهما قامت على أثره بدفع المغدورة وضرب رأسها عدة مرات على الأرض ومن ثم خنقها واخذ المصاغ الذي كانت ترتديه وبيعه لأحد الصاغة بقيمة 150 ديناراً.

وحسب الاعترافات أيضاً فإن القاتلة انتظرت إلى اليوم التالي لتقوم بإلقاء الجثة على درج العمارة وغادرت المنزل إلى بيت ذويها .. هكذا ببساطة. وفي «بترا» دائماً يعلن الدعجة يوم 16 مايو في الخبر رقم 74 «العثور على جثة ملقاة في منطقة البادية الشمالية» حيث صرح انه بتاريخ 13مايو الماضي وجدت جثة ملقاة في منطقة البادية الشمالية وتبين بأنها تعود للمدعو «ف خ ا» مصابه بعيارين ناريين في منطقة الظهر.

وفي ذات التصريحات قال الناطق إن المعلومات الواردة لقسم بحث جنائي البادية الشمالية قادت الفريق المتخصص للبحث والتحري للاشتباه بالمدعو «ع ع أ» تمكن مواجهته بالأدلة فاعترف بجريمته «لوجود خلافات عائلية بينهما».

وفي مطلع مايو يُعثر على جثة شاب يبلغ من العمر 24 عاما في أحد مختبرات الأسنان في الوسط التجاري في المفرق.

وفي منتصف مايو يعثر في منطقة الزهور على جثة لرجل في العقد الرابع من العمر في منطقة الزهور إسكان«ريفكو». وفي الخبر طالبت مديرية الأمن العام من يتعرف على «صاحب صورة هذه الجثة» إلى الاتصال بها.

ويبدأ أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية الدكتور مجدالدين خمش حديثه بالتأكيد على انه ورغم هذه الأحداث المأساوية في المجتمع الأردني إلا أن هذا المجتمع ما زال متماسكاً ومحافظاً ويتميز باحترامه للقانون وللعادات والتقاليد الأصيلة. ويقول لأننا نريد أن يبقى كذلك فإن مثل هذه الحالات تستحق منا المتابعة والدراسة والاهتمام الأمني.

يؤكد د. خمش وجود زيادة في أرقام حوادث القتل ولكنه يردها إلى العديد من العوامل منها «الازدحام السكاني» وبخاصة في المناطق الشعبية في المدن. ويقول: هناك تزايد سكاني كبير وازدحام في مناطق السكن للفئات الشعبية، وهو ما يفرز نوعاً من الثقافة والمفاهيم والمشاعر العدوانية إلى حد ما، إضافة إلى ما تعانيه أصلاً هذه الشرائح الاجتماعية من قلة الموارد والدخل والتعليم، وجهل بالقانون ونتائج الأفعال.

أما في البيئات الريفية ـ والقول للدكتور خمش ـ فمن الناحية الاجتماعية هناك يقسّم الناس أنفسهم إلى «أقارب وغير أقارب» وهذا التقسيم يستتبع لقيم تعمل على إلزام الفرد بأن يكون طيب القلب وودوداً ومتعاوناً مع الأقارب. فيما يختلف ـ على أقل الأقوال ـ هذا المزاج مع غير الأقارب.

عمان ـ لقمان اسكندر