تعكف قيادات الطبقة السياسية الجزائرية سواء في السلطة أو المعارضة على دراسة أسباب نفور المواطنين من المشاركة في العملية السياسية، بعد الانهيار الجديد لمستوى المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 17 مايو، إذ يبدو أن تعدد الأحزاب كان سبباً في تشتيت الأصوات وبالتالي تشويش الرأي العام الجزائري، فضلاً عن ما اعتبره معلقون، من فقد البرلمان الجزائري السابق لفعاليته وأهميته في التعامل مع معاناة المواطنين.
وظهر رئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم الذي حصل حزبه «جبهة التحرير الوطني» على أغلبية مقاعد البرلمان بأقل من 3 ,1 مليون ناخب، من لائحة تضم قرابة 19 مليونا، في وضع غير مريح تماماً، خلال بث تلفزيوني جزائري حول نتائج الانتخابات.
وحرص على التأكيد بأمرين، أولهما كون المقاطعة لا تحمل دلالات موقف سياسي، بمعنى أنها ليست استجابة لمن دعوا إليها من الإسلاميين المتشددين في «جبهة الإنقاذ» و«تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وعبدالله جاب الله الزعيم المخلوع لحركة الإصلاح الوطني وجبهة القوى الاشتراكية.
وثانيهما كون المقاطعة لا تعني معارضة الاتجاه العام للدولة بقدر ما هي نتاج تشويش على الرأي العام، بسبب كثرة القوائم وكثرة البرامج المطروحة على الناخب لمشاركة 24 حزباً في السباق. ودعا بلخادم بالمناسبة إلى إعادة النظر في قانون الانتخاب وإلى إقصاء الأحزاب الصغيرة التي لا تحصل على 5% كحد أدنى من مجموع أصوات الناخبين.
لكن رئيس الحكومة السابق وزعيم التجمع الديمقراطي أحمد أويحيى رد عليه في اللقاء التلفزيوني نفسه بالتذكير أن نحو مليون ناخب ألغيت أصواتهم لأنهم كتبوا عبارات تدين التسيير، ومنهم من وضع في صندوق الاقتراع فاتورة كهرباء أو فاتورة ماء أو قطعة من علبة حليب، وهو دليل على عدم رضا الناس عن التسيير.
ويحتمل أن تقدم جبهة التحرير التي يحتل نوابها 136 مقعداً في البرلمان وتشكل أغلبية مطلقة حين تتوحد مع حليفيها التجمع الديمقراطي وحركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمون) مشروع قانون يعيد النظر في تشكيل القوى السياسية المنظمة في البلاد، بمنع عشرات من الأحزاب من النشاط السياسي.
إذ إن طرح بلخادم لهذا الموضوع يعني أن المسألة حسمت على مستوى قيادة حزبه بهذا الاتجاه، ويبقى فقط أن الرئيس بوتفليقة الذي يحرص على عدم إغضاب أي طرف في المجتمع والذي يعرف أيضاً أسباب انحدار جبهة التحرير الوطني إلى الحضيض، قد يقف في وجه مسعى حزب بلخادم ويجهضه ويمنع تنفيذ ما سماه رئيس حزب صغير «مشروع القهر السياسي» الذي كانت جبهة الإنقاذ ستطبقه لو وصلت للحكم.
في إشارة إلى المساعي التي كان يقوم بها بلخادم قبل تعيينه في الحكومة من أجل احترام نتائج انتخابات 1991 التي كانت ستعطي الأغلبية لجبهة الإنقاذ، ثم مشاركته في مسيرات تدعو إلى إعادة الإنقاذ للساحة السياسية. ولا يستبعد أن تشهد البلاد حركة احتجاج ضد هذا المسار في حال أرادت جبهة التحرير تقليص حرية العمل والتنظيم السياسي.
من جهة أخرى، ذكر تقرير حول الشباب وعزوفهم عن العملية الانتخابية، أن واحداً من كل ثلاثة جزائريين شاركوا في الانتخابات التي جرت مؤخراً، ما جعل الكثير من المعلقين يلقون بالمسؤولية على عاتق البرلمان، قائلين إنه «فقد فعاليته وأهميته في التعامل مع معاناة المواطنين». وتابعوا أن «الحكومة بحاجة ماسة للتواصل مع الجماهير من جديد».
وهناك جيل كبير من الشباب الجزائري يعاني من حالة «الاغتراب» في بلاده، لأسباب اقتصادية في الأساس، بالإضافة إلى مشاكل سياسية واضطرابات سابقة ألقت بظلالها على الحالة الجزائرية الحالية. إذ يقول الشاب بركات (26 عاماً): إنه «ليس لديه أمل يذكر في العمل كحارس أمن». ويضيف: «ينبغي أن تكون لديك معارف حتى تجد شيئاً». وحين سئل إن كان اقترع في الانتخابات ضحك قائلاً: «لا أعتقد أنها ستغير شيئاً».