يخيم هاجس السيناريو العراقي على لبنان بعد ان بددت التفجيرات المتنقلة هدوءاً يميز بلداً اشتهر تاريخيا بأنه قلب الليبرالية في العالم العربي. وعاد اللبنانيون مجدداً للعيش في دوامة العنف وعلى وقع التفجيرات المتنقلة، ففيما يراقب البعض منهم التطورات الجارية بقلة اكتراث ويواصلون حياتهم اليومية، يعيش غالبيتهم شللاً جراء الخوف من الآتي.
فالسيارات والعبوات المفخخة تباغتهم تارة في منطقة الأشرفية، ذات الغالبية المسيحية في الشطر الشرقي للعاصمة بيروت، وتارة في شطرها الغربي، في شارع فردان الراقي ذي الغالبية السنية، وأخرى منطقة عاليه في الجبل، التي يطغى عليها الوجود الدرزي.
ويتزامن ذلك، مع استمرار التأزم في شمال لبنان حيث يتحصن عناصر تنظيم «فتح الإسلام» الأصولية المنشقة عن حركة «فتح الانتفاضة»، في مواجهة الجيش والقوى الأمنية التي تحاصرها من كل جانب، منذ الأحد الماضي، وسط أجواء مشحونة بالتوتر والخوف.
كما تسري شائعات عن أهداف محتملة للتفجيرات، التي تكاد تحصل كل يوم، وتشعر اللبناني بأنه قد يذهب ضحية تواجده في المكان والزمان الخطأ. مرة أخرى، ورغم محاولات المسؤولين طمأنة المواطنين والزوار، يضع العاملون في القطاع التجاري والسياحي، أيديهم على قلوبهم، وهم يراقبون موسم السياحة يتبخر من أمامهم، بعدما وعدوا أنفسهم به لتعويض ما خسروه خلال الحرب الإسرائيلية على بلدهم في الصيف الماضي.
وقال شربل باسيل الذي يدير مطعم «لو شيف» في بيروت لوكالة رويترز: «كنا نعتقد أننا شهدنا كل شيء لكن هذا النوع من التطرف الذي يدمر العراق جديد علينا». وأضاف إن «هذه الجماعات سوف تتكاثر مابقي السعوديون والإيرانيون والسوريون والإسرائيليون وآخرون يعلمهم الله يستخدمون لبنان ساحة لتصفية الحسابات».
وكان مطعم باسيل عامراً برواده عادة لكنه خلا من الرواد في ظل تضرر الأعمال في أنحاء العاصمة بيروت بسبب أعمال العنف التي وقعت خلال هذا الأسبوع منها انفجار قنبلتين في العاصمة وانفجار قنبلة ثالثة إلى الشرق مباشرة من بيروت.
وأثار سفك الدماء اليومي في العراق حيث يلعب الإسلاميون دوراً محوريا في القتال مخاوف من احتمال تحول لبنان إلى عراق آخر. وقال رجل أعمال يدعى جورج بولس: «رأينا ما تستطيع هذه الجماعات فعله في العراق. انتظرت حكومتنا أطول من اللازم لاتخاذ إجراءات حاسمة ضدهم».
وأضاف «المتشددون يعملون في الشمال منذ سنين. كل اللبنانيين الذين اعرفهم مسيحيين ومسلمين يفهمون انهم لا يمثلون الإسلام». وقالت هالة محمود وهي أم لطفلين إن «تخويف اللبنانيين من النزول إلى الشوارع يتطلب الكثير لكن الخوف من تفجيرات على غرار ما يجري في العراق فعل ذلك».
وقالت تالين كانلجيان التي تدير متجرا للعطور في حي الحمراء بالعاصمة «هذه الجماعات ستتكاثر وسيكون لدينا نسختنا مما يجري في العراق». وقالت منى حيدر(39 عاماً) ل«يونايتد برس إنترناشونال» إن الظروف الأمنية التي يعيشها البلد أجبرتها على تغيير نمط حياتها.
فمنذ وقوع موجة التفجيرات الجديدة، تحرص على حصر تنقلاتها بين البيت والعمل «فعندما نعود إلى المنزل نبقى فيه كسجناء، ونعزف عن التخطيط للسهر خارجه ليلاً». وتحدثت عن الشائعات التي يسمعها اللبنانيون عن تفجيرات محتملة في مراكز تسوق وأماكن سهر وجامعات ومدارس وغيرها.
في المقابل، يبدو أن بعض اللبنانيين، وإن بدوا قلة، يتعاملون مع الوضع الراهن بتوتر أقل، ويعتبرون أنهم صاروا شبه محصنين تجاه المفاجآت «غير السارة» التي لا تنفك تنهمر على رؤوسهم. وقالت منى حريري (24 عاماً) التي تعمل أيضاً في الحجوزات في مكتب الخطوط الجوية لإحدى الشركات الخليجية الكبرى في بيروت إن الأجواء السائدة دفعتها فقط إلى التجول بوتيرة أقل في المساء، ليس بسبب خوفها، إنما نظراً إلى عزوف معارفها عن الخروج من المنزل.