على ارض فلسطين العربية تتصدى الجغرافيا ويصمد التاريخ لكل محاولات إسرائيل طمس الهوية أو تزييف الحاضر. ففي كل ركن من أركانها يكمن قبس من نور الأنبياء والرسل. وعلى كل شبر من أرضها تنطبع آثار أقدام رواد الحضارة ومبعوثي السماء.

ورغم ستة عقود من اغتصاب الأرض ونكبة ضياع فلسطين لاتزال المواسم التراثية حاضرة في الذاكرة الشعبية. ويضبط الفلسطيني مواقيت يومه على مواعيد الاحتفال بموالد الأنبياء والرسل مثل موسم النبي روبين والنبي صالح والنبي موسى.

ويقام احتفال النبي روبين بالقرب من نهر روبين غرب مدينة الرملة على مسافة 16 كيلومترأً وهو اقرب إلى جنوب مدينة يافا. والثابت تاريخيا أن روبين المقصود هنا هو بكر بن يعقوب من زوجته لينا. والضريح شيد على بعد ثلاثة كيلومترات من ساحل البحر، على الشاطئ الجنوبي.

وتبدأ الاحتفالات السنوية في أول شهر سبتمبر أيلول من كل عام ويقيم الزائرون في الخيام، وتشارك في هذا الاحتفال فرق الكشافه والجماعات الصوفية ويجري سباق يومي للخيل، وتفتح المقاهي والمطاعم. ويبدأ الاحتفال الشعبي الذي يشارك فيه العلماء والمشايخ مع الطبول والأعلام الدينية وعلى رأسها علم النبي روبين وهو أبيض ناصع وعليه هذه الكلمات: «لا إله إلا الله وروبين نبي الله».

وكان آخر احتفال بموسم النبي روبين في العام 1946، إذ ان العام الذي تلاه كانت البلاد في حالة متوترة من جراء قرار التقسيم الذي أدى إلى الثورة، وأعلنت انجلترا انسحابها من فلسطين العرب، وعملت على تسليحهم وانتهت بنكبة العام 1948.

وإبان النكبة هدمت المنظمات الصهيونية المسلحة القرية وشردت أهلها الذي وصل عددهم عام 1998 حوالي (10116) نسمة. وأقام الصهاينة بعض المستعمرات على أراضي روبين الوقفية، منها مستعمرة «بالماهيم» العام 1949 ومستعمرة «غان سوريك» العام 1950.

وحولت سلطات الاحتلال المكان إلى موقع عسكري للجيش، وخلال التدريبات تم قصف المئذنة، وقد طمر المقام بالرمال نتيجة لإهمال الموقع الذي حوّله اليهود في السنوات الأخيرة إلى مكان مقدس لهم وتم إطلاق اسم عبري على القبر.

وقامت مؤسسة من داخل الخط الأخضر «عرب 48» بتنظيم يوم في المقام حيث قام الشباب بمحو ما كتب على القبر بالعبرية وقاموا بكتابة لافتة تقول بأن المكان مقدس للمسلمين إلا ان الأمر تكرر مرة أخرى. وها هم الفلسطينيون يعودون اليوم لإحياء هذا الموسم بكثير من الاهتمام والجهود للحفاظ عليه وإنقاذه من الاندثار.

وفى مكان آخر يقام موسم النبي صالح في قرية سميت ب«قرية النبي صالح » برام الله والموسم عرف نسبة إلى النبي العربي صالح من قبيلة ثمود، ويقال إنه نزح إلى فلسطين بعد هلاك قومه، وأكثر أشجارها قرية النبي صالح الزيتون ومساحتها نحو 735 دونما وقد بلغ عدد سكانها سنة 1961 ما يناهز الـ 337 نسمة. وتقع القرية جنوب أريحا وعلى مسيرة 32 كيلومتراً من القدس وتنخفض 64 متراً عن سطح البحر.

وتحتفظ الذاكرة الشعبية بحكايات موسم النبي موسى، عن وفود الشمال يتقدمها بيرق نابلس، ووفود الجنوب يتقدمهم بيرق الخليل وبيرق شباب القدس، وكيف كانت عائلات القدس تتناوب سقاية وإطعام الوافدين، ويجرى عرض أشكال وألوان وأصناف من الحلويات المصنوعة يدويا وخصيصاً لهذه المناسبة تعرف باسم «حلاوة النبي موسى».

ويبعد مقام النبي موسى عن طريق القدس ـ أريحا التاريخي الذي تستعد سلطات الاحتلال الإسرائيلي لإغلاقه في وجه الفلسطينيين كيلومترا واحدا، ويبعد نحو 200 متر عن المنطقة العسكرية الاحتلالية المغلقة منذ العام 1967 والتي تمتد من شمال البحر الميت إلى جنوبه على حدود الخط الأخضر وبعمق يتراوح ما بين 10 و15 كيلومتراً.

وعندما مر صلاح الدين الأيوبي في هذا المكان لم يكن المقام موجودا، وحسب الروايات التاريخية وجد في المكان بعض الأعراب يقيمون حول قبر، فسألهم عن هوية صاحبه، فقالوا له بأنه لكليم الله موسى، فشرع ببناء المقام. وأتم القائد المملوكي الظاهر بيبرس المهمة ببناء المسجد والأروقة في العام 1265، وأوقف عليه الكثير من العقارات والأراضي، ولم تتوقف عمليات إعماره والإضافة إليه حتى العهد العثماني.

وفي التاريخ الفلسطيني المعاصر، ارتبط مقام النبي موسى بالزعيم الحاج أمين الحسيني الذي كان يقود المواكب الوافدة للموسم. ومنذ العام 1919 قررت قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية استثمار الاحتفالات للتحريض ضد الاحتلال البريطاني. وفي العام 1920 خطب في الوفود القادمة من مختلف المناطق كل من موسى كاظم وأمين الحسيني، وفي ذلك العام انطلقت شرارة ثورة العشرين.

وبعد قدوم السلطة الفلسطينية تداعت مؤسسات أهلية ورسمية لإحياء الموسم ولكنها بقيت احتفالات متواضعة، تخلو من المسيرات بسبب إجراءات الاحتلال الإسرائيلي المقيدة لحركة الفلسطينيين فمثلا قبل موعد بدء الموسم بيوم، قتلت قوات الاحتلال عزيز حامد المطور (29 عاماً) بالقرب من المنطقة، ورغم تأثير هذا الحادث على أجواء الموسم لكنها لم تؤد إلى إلغائه كما يرغب الصهاينة.

غزة ـ ماهر إبراهيم