انحنى الطريق المسفلت في صعوده نحو قمة الجبل، وتناثرت قطع الطين والحجارة في كل الاتجاهات، فيما داعب أحد الهواة عدسته لالتقاط صور القرية الحالمة في سفح الجبل، أخذت بلدة انبيكه شكلها النهائي بعد أن استوت سيارة المرسيدس فوق قمة الخوف كما يسميها المرتادون، وتراءت للناظرين من بعيد بيوت وخيام وبقايا أشجار وجذوع نخل؛ انغرست في الحجارة.

وكأنها تحكي قصة البداية التي لانهاية لها. في ولاية تكانت شمال البلاد تتنوع المظاهر الطبيعية.. التي منحها الله منذ القدم، ويغني التيار المقبل من الشرق أنشودته كلما لامس البنايات الحجرية التي أخذت أشكالا مختلفة، ثم تقفز بين تلك القطع الداكنة الفراشات، وتحلق أسراب النحل هاربة من أصوات عجلات السيارات التي تتدحرج خفية وخوفا من المجهول.

ترفع قمة أشتف رأسها، فيعانق المزن لتبدو الكائنات في الأسفل مثل شطرنج، حينها يشعر ميشال المواطن الفرنسي الذي يدخل مغامرة اصطياد صور تذكارية في منطقة وصفها أحد الأجانب بـ «أنها من أجمل بلاد الدنيا»، ويمارس هواياته المفضلة في الاستكشاف والحيرة.

قبل سنوات كان على المسافرين الذين يقصدون تلك الولاية وعاصمتها تجكجة أن يمضوا أياما وليال لاجتياز تلك المسالك الوعرة، وانتظر السكان عشرات السنين لحين بناء طريق، وعوضا عن ذلك اختط الأهالي مسالك بينية بعيدة من الجبل، «وفي تلك الخطوات مخاطر جمة» .

كما يقول أحد السكان الأصليين، ولأن الحكومات المتعاقبة في نواكشوط خلال تلك الحقب ظلت تعد السكان بشق الطريق الحلم، إلا أنهم يئسوا من تحقيق الهدف، وبعد أن رصدت أموال طائلة ثم ذهبت أدراج الرياح نجح الوجهاء والأهالي في الضغط على الدولة حتى شيدت الطريق.

تتمتع ولاية تكانت بتنوع تضاريسي غني، حيث «المناجاة» بين الماء الزلال والحجارة الداكنة والرمال الذهبية والأشجار اليانعة، نخيل وعشب.. وحنين من قطعان الماشية إلى سفوح الجبال ومراتع العشب؛ تحت أشعة الشمس المتعامدة طول النهار، تلك التي لا تحجبها سوى غيوم وأتربة متصاعدة قادمة من الجوار الصحراوي؛ مشكلة روافد أعطت للمنطقة ثراءها وتنوعها.

مرت أفواج السيارات والوفود من تلك الطرق في المواسم الانتخابية، فيما لم تكن عناقيد البلح في أشجار النخيل الموجودة في المنطقة قد أحيت عهدها السنوي، فكان على السكان أن يقدموا إلى ضيوفهم من وفود الحملات الانتخابية أطباقا من التمور المعلبة المستوردة بماركات جزائرية وسعودية.

بينما أخذت خطابات السياسيين تدغدغ مشاعر الأهالي المتلهفين إلى سماع وعود قابلة للتجسيد على ارض الحجارة، ونقشت قرائح الشعراء أجمل ما لديها من صور على تلك اللوحات الصخرية، مطالبة بالماء الشروب واستصلاح الأراضي الزراعية، وتنمية السياحة، وتوفير الكهرباء والمستشفيات والمدارس.

ويعول شباب الولاية من الأطر والطلاب على الاستكشافات الواعدة في تخوم مقاطعاتهم، حيث الحديث عن مؤشرات لوجود النفط ومعادن أخرى، وهو حدث يفرح له السكان ويشيد أحدهم بـ «امتلاكهم لطبيعة جذابة تستهوي السياح»، مؤملا أن تستدرج كذلك المستثمرين في قطاع السياحة والخدمات.

وعدا ذلك فإن السكان يؤملون أن تتخذ الولاية الصدارة بين الولايات الأخرى، وذلك باستخدام الخامات الاقتصادية من زراعة وسياحة وتنوع بيئي وتضاريسي لمنطقتهم، وهم يتمنون أن يزول الفقر من تلك المناطق في اقرب الآجال.

ليل تكانت يغشاه ظلام دامس، ولولا صفاء الأفق الذي يضيئه البدر لما تسنى للراجلين أن يتبينوا معالم الطريق في عتمة الفجر، فالرمال النقية تتحرك بين الجبل والوادي والربوة، وعيون الأهالي ساهرة ترمق المستقبل بأحداق جريئة، الأطفال يرحلون إلى الكتاتيب المنتشرة في الولاية لـ «التزود بالمعارف والعلوم الأصلية من أفواه العلماء وبطون الكتب والمتون».

بحسب طالب محضري من أبناء البلدة، وللمدارس العصرية نصيب من الطلاب، بينما يمارس معظم البالغين التجارة والزراعة والتنمية الحيوانية، ورغم ذلك يقول أحد الشباب المنحدرين من الولاية لا تكاد تلاحظ ثمة فوارق كبيرة بين الناس، فـ «الكل في موسم الكيطنة ( قطف ثمار التمور) مسرورون وبتعهدات الحكومة والمنتخبين متفائلون».

نواكشوط ـ بشير ولد ببانه