تاركين خلفهم عشرات الجثث تحت الأنقاض وأخرى في العراء تنهشها القطط والكلاب، واصل المئات من سكان مخيم نهر البارد أمس نزوحهم تحت إشراف المؤسسة العسكرية اللبنانية، مستغلين استمرار سريان الهدنة الإنسانية في المخيم بعد ثلاثة أيام من المعارك بين الجيش اللبناني وتنظيم «فتح الإسلام».
ولم يسمع أي طلق ناري منذ الصباح من الصحافيين الذين طلب منهم الجيش اللبناني التواجد على بعد كيلومتر واحد من المخيم. وتضاربت التقديرات بشأن أعداد سكان المخيم الذين نجحوا في مغادرته إلى مخيم البداوي القريب وإلى بلدة المنية،
وأشار مسؤول الطوارئ في المخيم جميل جبلاوي إلى أن «عددهم وصل إلى عشرة آلاف»، في حين قال عضو «هيئة علماء فلسطين» الشيخ وليد أبو حيط إن «عددهم لم يتجاوز الثلاثة آلاف»، مضيفاً أن «الغالبية فضلت البقاء في المخيم وتجمعوا تجمعوا في المباني القائمة في وسطه في مساحة لا تتجاوز نصف الكيلومتر المربع».
وحذر من أن «تغري المعلومات عن خروج الآلاف من سكان المخيم بأي عمل عسكري»، مؤكدا على أن «كثيرين من سكان المخيم متمسكون بالبقاء فيه». ودعا إلى «تثبيت الهدوء للنظر في وضع النساء والعجائز حتى لا يكن ضحية المواجهة».
وقال شهود إن «الآلاف من سكان المخيم غادروه إما بشاحنات أو سيرا على الأقدام خلال الساعات الماضية». وأضاف أن «السلطة السياسية في لبنان دعت هيئة الإغاثة إلى استقبال النازحين وإيوائهم في طرابلس».
وأوضح مسؤول من حركة «فتح» في المخيم الحاج رفعت أن «آلاف اللاجئين من رجال ونساء وأطفال واصلوا نزوحهم»، مشيرا إلى أن «الحركة تستضيفهم في مدارس مخيم البداوي (16 ألف نسمة) لكنها لن تتسع لهم لأنهم يصلون في أعداد كبيرة».
وتحدث أهالي المخيم المحاصرون لـ «البيان» عن أيام الرعب المتواصلة التي يعيشونها، وقالت سلام موسى وهي أم لثلاثة أطفال إن السكان لم يعرفوا معارك أقسى من التي شهدوها على مرّ اليومين الماضيين»، وأكدت على أن «المدنيين مسكونون بالخوف والجوع والقلق، فمشاهد الجثث المنتشرة أينما كان أعادت إلينا صور المجازر الإسرائيلية بحق شعبنا و الإرهاب الذي نكل بنا».
وأشارت إلى «وجود حالات تسمم كثيرة في المخيم ومعظمهم لا ينالون العلاج المطلوب لأننا غير قادرين على الوصول إلى أي مستشفى أو مركز طبي ولا أحد يجرؤ على الخروج من باب منزله أصلا، لقد أصيبت ابنتي مي بإسهال حاد وصرت أغلي لها المياه ثم أبردها كي تصبح قابلة للشرب ووفر لي بعض شباب حركة (فتح) الذين خاطروا بحياتهم أدوية مضادة للإسهال.
وتجمع لاجئون فلسطينيون حول جثتي صبيين قتلا خلال قصف الجيش اللبناني لمخيم نهر البارد للاجئين في شمال لبنان وسادهم شعور بالغضب العارم. ومع مرور يومين على هدنة هشة في المخيم بدأ يظهر عدد من مقاتلي «فتح الإسلام» في الأزقة المظلمة وقد حملوا بنادق آلية.
وكان عدد من الجثث ملقى في الشوارع التي تناثرت فيها الأنقاض. وقال محيي الدين اللبواني، وهو ضابط في المخيم مع وكالة الأمم المتحدة التي ترعى الفلسطينيين أن «20 شخصا قتلوا كما أصيب 70 في حي الدامون وحده».
وقدرت مصادر فلسطينية عدد القتلى من المدنيين في المخيم بنحو 27. وذكر سكان أن «هناك عددا من الجثث لا تزال تحت أنقاض المباني التي دمرت خلال القتال، وبعضها بدأت بنهشها القطط».
وقال سكان المخيم ومن بينهم لبنانيون فقراء إن «الجيش ربما يكون مبررا في ملاحقته مقاتلي (فتح الإسلام)، الذين يعتبرونهم سكان المخيم دخلاء». لكنهم قالوا إن «القصف العشوائي الذي قام به الجيش للمخيم نزع الشرعية عن العملية.
بيروت ـ ثناء عطوي