بدأ نهار مخيم نهر البارد ساخناً لليوم الثالث على التوالي لكن انتصاف النهر حمل معه أخباراً عن هدنة مشروطة بدت مترنحة، فيما بدت مخاوف من اتساع رقعة العنف مع ظهور حالة استياء وتضامن في المخيمات الفلسطينية الأخرى ما هدد باتساع رقعة المواجهات.

وفي ضوء الدعوات المتزايدة من قبل المنظمات الإنسانية إلى هدنة تسمح بإخراج القتلى والجرحى من المخيم، توصل وفد فلسطيني مسؤول مع القيادات الحكومية إلى وقف إطلاق النار لإنهاء القتال وهو ما دخل حيز التنفيذ في الساعة الثانية والنصف ظهراً (30:11 بتوقيت غرينتش) وإن بشروط، ففيما التزمت السلطات اللبنانية بالهدوء لإتاحة الفرصة أمام دخول قوافل إغاثة.. قالت جماعة «فتح الإسلام» إنها ستلتزم بوقف النار «إذا ما أوقف الجيش هجماته».

وقال الناطق باسم الجماعة أبوسليم مع وكالة «رويترز»: «إننا نعطي فرصة للتهدئة ووقف إطلاق النار»، وعندما سئل عن المدة التي سيستمر خلالها وقف إطلاق النار قال: «هو مفتوح إذا التزم الجيش اللبناني». وفال إن الهدنة تمت بمبادرة من جماعته. وأوضح انه لن يرد على الفور في حال عدم التزام الجيش اللبناني بوقف إطلاق النار بدون ان يحدد مهلة زمنية معينة، وقال: «إذا أصر الجيش على إطلاق النار في البداية سنصبر لإثبات حسن النية ولكننا سنرد لاحقا اذا استمر».

وكان رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة التقى أمس قادة الفصائل الفلسطينية وممثل منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت عباس زكي لبحث الأوضاع في نهر البارد، اتفق عقبه على الهدنة التي كانت مترنحة، وسط حالة تململ في المخيمات. وكان أمين سر حركة فتح في لبنان سلطان أبو العينين قال ان المخيمات الفلسطينية في لبنان ستنتفض اذا لم يتوقف «القصف العشوائي» للجيش اللبناني على مخيم نهر البارد.

وقال أبو العينين لوكالة «فرانس برس» في مخيم البداوي للاجئين الذي يقع على بعد حوالي سبعة كيلومترات جنوب نهر البارد ان موافقة الفصائل الفلسطينية على ضرورة التخلص من مجموعة فتح الإسلام لا يعني موافقتها على قصف المدنيين. وأضاف ان «أي فلسطيني أو أي تنظيم فلسطيني لن يقبل ان يذبح الشعب الفلسطيني ويعاقب عقابا جماعيا كما يحصل في مخيم نهر البارد»، وطالب أبوالعينين بإعطاء الفصائل الفلسطينية فرصة لتحاول حل قضية فتح الإسلام.

وشدد على ان دخول الجيش اللبناني إلى مخيم نهر البارد «يحتاج أولاً إلى قرار سياسي لبناني فلسطيني مشترك».

إلى ذلك، خرج المئات من الشبان والنساء من داخل مخيم البداوي، وهم يهتفون ويطلقون شعارات معادية للحكومة اللبنانية، وارتفعت ألسنة النيران من إطارات السيارات التي احرقوها على الطريق المؤدية إلى المخيم. وتجمع عدد من مناصري حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عند مدخل مخيم الرشيدية في جنوب لبنان واشعلوا الإطارات احتجاجاً على ما يجري في مخيم نهر البارد. وقامت عناصر من حركة «فتح» بإطفاء الإطارات وإنهاء حالة الاحتجاج من دون تسجيل إشكالات أمنية.

ولاحقاً أشعلت الإطارات في مخيم عين الحلوة قرب صيدا احتجاجاً، وأطلقت هتافات مؤيدة لـ «فتح الإسلام»®. فيما نشر «الكفاح المسلح» الفلسطيني عددا كبيرا من عناصره في مختلف شوارع المخيم ولاسيما لجهة المداخل الرئيسية منعا لأي احتكاك مع الجيش اللبناني. على الجانب العسكري الذي سبق الهدنة، خاض الجيش اللبناني مواجهات ضارية على أطراف مخيم نهر البارد، محاولاً لليوم الثالث على التوالي القضاء على جماعة فتح الإسلام، فيما سعت السلطات اللبنانية والفصائل الفلسطينية إلى تجنيب مواطني المنطقة من المدنيين الفلسطينيين عواقب المعارك المحتدمة هناك حيث استخدم الجيش اللبناني الدبابات والمدفعية في قصف بعض المناطق.

فبعد ليلة اقتصرت على تبادل الرشقات النارية واستخدم فيها الجيش القنابل المضيئة لاستكشاف تحركات عناصر حاولوا ليلاً الالتفاف عبر زوارق مطاطية انطلاقاً من مواقعهم على الشاطئ لتوجيه القذائف الصاروخية في اتجاه مواقع القوى الأمنية اللبنانية، شنت قوات من المغاوير والعناصر المجوقلة التابعة للجيش هجوماً واسعاً بدأ قرابة الرابعة فجراً على معظم المحاور المحيطة بالمخيم عند بلدات العبدة والمحمرة وبحنين وتلة حكمون في اتجاه مواقع جديدة لـ «فتح الإسلام» كانت تراجعت إليها بعد تقدم للجيش على هذه المحاور.

ورافق الهجوم قصف مدفعي مركز من مرابض المدفعية والدبابات ضد المواقع الرئيسية للجماعة، ولا سيما في مركزي «صامد» و«التعاونية» ومنطقة الخان على الشاطئ الشمالي حيث حصلت مواجهات ضارية وجهاً لوجه بين الجنود اللبنانيين وعناصر فتح الإسلام وخصوصاً في المحمرة وعلى طول مجرى نهر البارد المحاذي للمخيم. وتقدمت قوات الجيش على ثلاثة محاور من المدخل الجنوبي للمخيم ومن مفرق المحمرة والمدخل الشمالي حيث توغل في محاولة لمحاصرة العناصر المسلحة.

واشتدت حدة الاشتباكات قبل الظهر واستعملت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة في مواجهة العناصر الذين يتحصنون في شقق سكنية وخنادق داخل أزقة المخيم. وفيما لم تعرف على الفور حصيلة الضحايا بين الطرفين، عملت طائرات هليكوبتر تابعة للجيش اللبناني على نقل ثلاثة جنود قتلوا في المعركة، فضلاً عن إصابة 20 جندياً آخرين بجروح. وأجلى الجيش جثتي عنصرين من فتح الإسلام من داخل المخيم حيث تولت سيارتان تابعتان للدفاع المدني نقلهما إلى أحد المستشفيات في عكار.

وحتى العصر كان الطريق العام الذي يصل بين مدينة طرابلس ومنطقة عكار عبر أوتوستراد المنية المحاذي لمخيم نهر البارد، شبه مقطوع نظراً إلى عمليات القنص في المكان. وعلى رغم سيطرة القوى الأمنية قبل أيام على بناية عبدو داخل مدينة طرابلس، حيث كان يوجد أحد مراكز الجماعة، عاودت عناصر من فوج «الفهود» التابع لقوى الأمن الداخلي اقتحام شقة في الطابق الخامس من البناء، وسمع دوي إطلاق نار في داخله.

وأصدرت قيادة الجيش اللبناني بياناً قال فيه إنه يضطر للرد بسبب «تمادي المجموعات المسلحة المتمركزة داخل مخيم نهر البارد باستهداف قوى الجيش المنتشرة في محيط المخيم، والتي أوقعت العديد من الشهداء والجرحى في صفوف العسكريين».

وأضاف البيان: إن «قيادة الجيش اذ تكرر التزامها الحرص الشديد على أرواح المدنيين، لبنانيين وفلسطينيين على حد سواء، تنفي الادعاءات التي تروجها بعض الجهات حول استهداف منازل المدنيين أو أماكن العبادة، وهذه الادعاءات انما تندرج في إطار تعمية الحقائق، والخداع الذي تستخدمه هذه المجموعات المتنكرة لكل القيم الأخلاقية والدينية، بهدف التأثير على الرأي العام وتحويله عن موقفه الملتف حول الجيش، سيما وانها تعرضت لقوافل الصليب الأحمر».

في موازاة ذلك، أكد مجلس الوزراء اللبناني ضرورة «إنهاء حالة فتح الإسلام الإرهابية»، ودعم الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية وتلبية كل ما تحتاجه من إمكانات وعتاد وعديد وتجهيزات لهذه الغاية. وأعلن وزير الإعلام غازي العريضي اثر جلسة طويلة لمجلس الوزراء مساء الاثنين انه تقرر «التأكيد على ضرورة إنهاء هذه الحالة الإرهابية الغريبة عن طبيعة وقيم الشعب الفلسطيني». وأضاف ان هذا يستوجب «موقفا حازما في مواجهتها بكل الوسائل والأساليب والإمكانات لتثبيت مرجعية الدولة».

وزير لبناني يطلب مساعدة الجيش

طلب وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني سامي حداد في مقابلة مع شبكة «سي.إن.إن» الإخبارية دعم الحكومة اللبنانية بالمال والمصادر من أجل مساعدة قوات الجيش اللبناني.وأوضح حداد إن مجموعة فتح الإسلام ممولة جيداً ومزودة بأسلحة ومعدات عسكرية ثقيلة، غير أن معنويات الجيش اللبناني مرتفعة ويقف الرأي العام اللبناني إلى جانب حكومته. وقال: «أغتنم هذه الفرصة لأطلب من أصدقائنا في جميع أنحاء العالم الحكومات العربية والحكومات الغربية الصديقة مساعدتنا لوجيستياً وتزويدنا بالمعدات العسكرية».

وأضاف: «يمكننا الصمود لكن المساعدة التي أطلبها ستكون مهمة جداً لتسريع انتصارنا في نهاية الأمر». وأصر على أن القوات الحكومية اللبنانية في نهاية الأمر ستفوز في معركتها في مخيم نهر البارد.

بيروت ـ علي بردى، والوكالات