شهد لبنان أمس أعنف معارك منذ العام 2000 يخوضها الجيش اللبناني مع مسلحين من تنظيم «فتح الإسلام»، متحصنين داخل مخيم نهر البارد (طرابلس) أسفرت عن مقتل 11 عسكريا وثمانية من التنظيم، وجاءت المواجهات بالتزامن مع مشاورات في مجلس الأمن بشأن إقرار المحكمة الدولية لمحاسبة قتلة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، ما دفع رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى اتهام أطراف لم يسمها، بزعزعة استقرار البلاد، ونأت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح» بنفسيهما عن الأحداث مؤكدتين دعم الشرعية الوطنية، في وقت أغلقت سوريا عددا من النقاط الحدودية مع لبنان.
وأكد مصدر عسكري لبناني على أن «11 عسكريا لبنانيا وثمانية مسلحين قتلوا وأصيب 19 آخرون بعضهم في حالة خطرة في الاشتباكات التي اندلعت بين القوى الأمنية اللبنانية وعناصر (فتح الإسلام) المتحصنة داخل مخيم نهر البارد شمال طرابلس».وقال إن «هذه الحصيلة غير نهائية، لأن الاشتباكات لا تزال مستمرة في محيط المخيم وفي بعض أحياء كبرى مدن شمال لبنان ذات الغالبية السنية».
وأوضح بيان للجيش اللبناني أن «سبعة عسكريين قتلوا قبل ظهر الأحد في كمين نصبته عناصر (فتح الإسلام) على طريق بلدة القلمون الساحلية (10 كلم جنوب طرابلس)، كما لقي أربعة عسكريين آخرين مصرعهم في الاشتباكات التي دارت في محيط المخيم». وأشار إلى أن «19 عسكرياً ادخلوا إلى المستشفيات بعضهم في حال الخطر».
وأفاد شهود بأن «تعزيزات كثيفة للجيش اللبناني متوجهة من بيروت إلى شمال لبنان قدرها مصدر عسكري بنحو لواء (ما بين 800 وألف عنصر) إضافة إلى قوة من المغاوير، كما ألغيت عدة نشاطات كان من المقرر ان تجري في المنطقة أبرزها انتخابات نقابة الأطباء في مدينة طرابلس التي خلت شوارعها من السيارات والمارة فيما تتردد من حين لحين أصداء الطلقات النارية في أرجائها، بعدما اقتحمت القوى الأمنية مبنى تحصن فيه مقاتلون من التنظيم، وقتلوا ثلاثة منهم.
وقال مراقبون إن «معارك شمال لبنان الأعنف منذ العام 2000 بين الجيش اللبناني و(فتح الإسلام) وهو وليد انشقاق من تنظيم فلسطيني متواجد في سوريا».
وتزامنت المواجهات العنيفة الدائرة بين القوى الأمنية اللبنانية وهذا التنظيم مع مشاورات بدأت الخميس في نيويورك بشأن مشروع لإقرار المحكمة تحت الفصل السابع بعد مطالبة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة المنظمة الدولية بذلك بعد ان عجز عن انجازه وفق الأصول الدستورية بسبب امتناع رئيس مجلس النواب نبيه بري، احد قادة المعارضة، عن دعوة المجلس لإبرامه. وتفجرت المواجهات في طرابلس إثر تعرض فرع أحد المصارف اللبنانية لعملية سلب من قبل ستة مسلحين واستولوا على 152 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 100 ألف دولار أميركي.
وقالت مصادر أمنية إن «فرع بنك البحر المتوسط في بلدة أميون، شمال لبنان، تعرض لعملية سطو من قبل ستة مسلحين مقنعين، دخل أربعة منهم إلى المصرف، وبقي اثنان في الخارج».وفور نشوب المواجهات، اعتبر السنيورة أن «استهداف الجيش اللبناني من قبل (فتح الإسلام) هو بمثابة جريمة مبيتة ومحاولة خطيرة لضرب الاستقرار».
وقال «إزاء هذه المحاولة المكشوفة التي تستهدف امن لبنان وامن اللبنانيين من قبل مجموعة مضللة، أدعو الشعب اللبناني لكي يتنبه إلى خطورة ما يحاك ضده والى الوقوف صفا واحدا خلف الدولة اللبنانية وقواها الشرعية وتحديدا الجيش وقوى الأمن الداخلي لمواجهة هذه الجريمة التي تستهدف السلم الأهلي والتي لن تزيد اللبنانيين إلا تصميما على التمسك بالشرعية والحفاظ على الأمن والنظام والإسهام الجدي والايجابي في تعزيز دور الدولة وأجهزتها».
ودعا زعيم تيار «المستقبل» سعد الحريري أنصاره إلى «التعاون مع القوى الأمنية الشرعية وتسهيل عملها»، مؤكداً على أن «التستر تحت أسماء تنظيمات إسلامية مزعومة لن ينطلي على احد». واستنكر «الاعتداء على مراكز الجيش، مؤكدا على تأييده التام للعملية التي أطلقتها قوى الأمن الداخلي بمؤازرة الجيش في طرابلس للقبض على عدد من المطلوبين».
وقال «إنني متأكد من أن الجميع في لبنان يعلم مسيحيين ومسلمين وأهل مدينة طرابلس الشرفاء خصوصا، أن ديننا الحنيف هو دين الاعتدال واحترام القوانين وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، ولن نسمح لأحد أن يستخدم اسم الإسلام ومبادئه السامية غطاء لأعمال السطو والنهب والقتل والترويع والإرهاب».
وأكد ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عباس زكي على أن «هذه الجماعة المتطرفة لا علاقة لها بالساحة أو الأجندة الفلسطينية»، كما أكد أمين سر حركة «فتح» في لبنان سلطان أبو العينين «ارتباط (فتح الإسلام) بمخابرات ودول إقليمية لم يحددها». وأعرب أبو العنين في تصريح تلفزيوني عن دعمه للجيش، داعيا إلى «عدم تحميل الفلسطينيين مسؤولية أعمال المجموعة التي تقر بانتمائها أيديولوجيا لتنظيم (القاعدة) الإرهابي».
وقال «نتفهم موقف الجيش اللبناني ونقف إلى جانبه. ونطالب أشقاءنا اللبنانيين تجنيب المخيمات وزر أعمالهم». وأضاف «هؤلاء استخدموا مخيم نهر البارد رهينة لأهداف سياسية إقليمية ليس للفلسطينيين علاقة بها». وأعلنت دمشق عن أنها «أغلقت بعض منافذها الحدودية مع لبنان في ظل الاضطرابات الراهنة في شماله في ضوء الاشتباكات بين الجيش اللبناني ومسلحين».
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن مصدر مسؤول في وزارة الداخلية السورية، لم تنشر اسمه، قوله «نظرا للظروف الأمنية في منطقة شمال لبنان وحرصا على أمن المواطنين من الجانبين السوري واللبناني، قررت وزارة الداخلية إغلاق المنافذ الحدودية في كل من العريضة والدبوسية ريثما تستقر الأوضاع الأمنية في شمال لبنان».قلقها العميق
أفاد بيان صدر عن وزارة الخارجية الروسية أمس أن موسكو أعربت عن قلقها العميق من المواجهات في شمال لبنان ودعت الجميع إلى احترام سيادة هذا البلد وسلامة أراضيه. وأعلن البيان أن «اندلاع أعمال عنف بهذه الحدة في لبنان الذي يشهد وضعا متوتراً أصلاً، يثير قلقا عميقا». وشدد على ان «هذه الأحداث المأساوية تؤكد ضرورة احترام جميع الأطراف سيادة لبنان وسلامة أراضيه ووحدته واستقلاله السياسي».
بيروت ـ علي بردى
