شدد الدكتور عبد الحسين شعبان المفكر الاستراتيجي العربي المعروف على ضرورة تخلص المشهد العربي الحاضر من مظاهر التبعية والتخلف والديكتاتوية التي يمر بها حالياً، وأوضح أن عناصر المشروع الحضاري العربي النهضوي والحداثي يجب أن ترتكز على الحداثة والتجديد الحضاري وإعلاء قيم الديمقراطية والمساواة والحرية والمواطنة للخروج من الأزمة التي يعيشها الشعب العربي والأمة الإسلامية مع التشديد على ضرورة الاستقلال السياسي والاقتصادي وإحداث التنمية المستدامة باعتبارها الطريق المثلى للخلاص من الكبوة واللحاق بركب الأمم المتقدمة والمتحضرة تماماً كما كانت في عصور زاهية كثيرة.
وفيما يلي استكمال حوارنا في جزئه الأخير مع الدكتور شعبان والذي عقدته وحدة الدراسات في «البيان»:«البيان»: نعيش نحن العرب اليوم كأمة ما يمكن تسميته أزمة داخلية أو أزمة هوية أو فلتان أمن في أقطار كثيرة وانعدام وزن بين الأمم والتعاسة والسوداوية منتشرة بين قطاعات كثيرة في المجتمع العربي وخاصة الفئة المثقفة وصراعات ومعارك داخلية سياسية ومسلحة أحياناً بين السلطة الحاكمة وتحالفات التيار الديني مع العسكر ثم الارتداد والانشقاق ومسائل أخرى كثيرة. فكيف يمكن توصيف المشهد العربي الراهن والخروج منه؟ـ د. عبد الحسين شعبان: يعاني المشهد العربي من العديد من التحديات والإشكاليات ولتفصيل هذه التحديات دعنا نذكرها وهي:
ـ الحداثة: ولعل هذا التحدي هو أهمها فكيف يمكن الحديث عن أركان المشروع النهضوي العربي دون التطرق للحداثة؟ ومسألة الحداثة تكون بإعادة قراءة التاريخ العربي والإسلامي المعاصر بما فيها أفكار المصلحين العرب في القرن التاسع عشر من رفاعة الطهطاوي وخاصة في كتابه الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» وعبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني والتونسي، فرح أنطوان، شبلي شميل، وغيرهم. حيث بدأت معهم بوادر النهضة الفكرية الاجتماعية الإصلاحية للمجتمعات العربية والإسلامية من أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وما حصل في البلدان العربية خاصة بعد مرحلة الاستقلال حدث فيها عملية انكفاء والتي تعود أسبابها لقيام عدد من الانقلابات العسكرية حيث جرت عسكرة المجتمع بالإضافة للسبب الموضوعي وهو قيام «إسرائيل» عام 1948 حيث كان الاتجاه السائد نحو التسلح على حساب التنمية والديمقراطية وتمت عملية مقايضة بين الحكام العرب أحياناً للتنمية والديمقراطية بحجة أن العدو «الإسرائيلي» يدق على الأبواب، ولكن بعد ستين عاما من المراجعة لهذه الحقبة لم نستطع تحرير الأرض ولا تحرير الإنسان، لذلك فإن التحدي الثاني بعد الحداثة هو الديمقراطية.
ـ الديمقراطية: وهي ركن أساسي في المشروع النهضوي الجديد لا يمكن المرور للإصلاح والتنمية والوحدة والاستقلال الاقتصادي دون المرور بها فهي الخيط الرابط بين هذه المحاور المختلفة.
ـ التنمية: فلا يمكن الحديث اليوم عن تطور ما بعد الحداثة وما بعد الديمقراطية بدون التنمية بمفهومها الشامل والتي تسمى التنمية المستدامة والتي تشمل التنمية البشرية الشاملة ذات الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والسياسية وباختصار بكل ما تعنيه كلمة التنمية.
ـ الاستقلال الاقتصادي والسياسي: وهو أحد أركان المشروع النهضوي الحداثي الجديد وهذا الركن لا يمكن أن يمر إلا عبر الديمقراطية ، لأننا جربنا ووصلت التجربة إلى طريق مسدود وليس فقط في البلدان العربية وإنما في بلدان الأصل وبلدان الفرع واقصد بالأصل البلدان الاشتراكية والفرع بلدان التحرر الوطني.
وكل هذه المشاريع أخفقت إخفاقاً كبيراً، فالمشروع القومي العربي التقليدي اخفق إخفاقاً كبيراً لعدم احترامه الديمقراطية وآخذه بعين الاعتبار التعددية والتناوبية والتداولية واحترام إرادة السكان عبر إجراء انتخابات دورية واحترام حقوق الإنسان.
فالمشروع الماركسي التقليدي فشل فشلاً ذريعاً أيضاً ووصلت التجارب الأم والفرع لاحقاً إلى طريق مسدود وبالتالي بعد مرور سبعين سنة من التجربة في الاتحاد السوفييتي حصلت انقلابات دراماتيكية هائلة هناك وفي بلدان شرقية أخرى بسبب غياب الديمقراطية.
أما المشروع الإسلامي أو الإسلاموي.
ـ البيان: قبل الحديث عن هذا المشروع نرجو التفريق بينهما
ـ د. شعبان: الإسلامي هو الذي يدعو لنشر تعاليم الإسلام بصورة تقترب من هذه المفاهيم والأركان التي تحدثنا عنها في البداية ، أما الإسلاموي فهو الذي يستخدم الاسلامولوجيا أي يحول الإسلام وتعاليمه إلى نوع من الايدولوجيا السرمدية الثابتة غير القابلة للتغيير بمعنى استخدام هذه التعاليم ضد الإسلام أحياناً فأطلق عليها اسلامولوجيا وأطلق على الناشطين في هذا المجال الاسلامويون.
وبالقدر الذي توجد هناك نوع من الاسلامولوجيا لدى البعض من الحركات السياسية هناك نوع من الاسلامافوبيا وجدت عند الغرب بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية الإجرامية. ومقابل الاسلامافوبيا نشأت لدينا في بلداننا نوع من الوسيتفوفيا أو الغربفوبيا تلك التي تأخذ الغرب ككل واحد مثلما تحاول الدعاية الغربية أن تأخذ العرب والمسلمين كل ككل واحد، فكل العرب والمسلمين بالنسبة لهم بن لادن وتنظيم القاعدة وأبو مصعب الزرقاوي .
وأناس يركبون على البعير حتى هذه اللحظة لدى البعض ودينهم يحث على الإرهاب ويأخذ بعضنا على الغرب انه كله شر مطلق وهيمنة واستبداد دون أن يعووا أن هناك غربا ثقافيا وقف إلى جانبنا ويقف إلى جانب قضايا حقوق الإنسان والقضية الفلسطينية وهو غرب تعلمنا ودرسنا فيه واستفدنا منه وأنتج قيما حضارية وفضلا عن ذلك أن الغرب هو مستودع كبير للعلم والتكنولوجيا علينا الاستفادة منه.
أما الحديث عن أن الإسلام هو الحل فهذا محض هراء وهو دعوة إلى تأثيم وتحريم وتجريم الآخر بمعنى فرض حلول فوقية لم تثبت حتى الآن وجود تجربة إسلامية ناجزة ناجحة لنستطيع القول إن هذا هو الذي يتصورونه وليس هذا هو الإسلام بل هو الذي يدعونه حلا باسم الإسلام ويريدون العودة 1400 سنة إلى الوراء بحجة الأصولية ولا يعرفون أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان متطورا وكان ابن عصره وينبغي أن يقرأ في سياقه وكذلك كان الإمام علي كرّم الله وجهه كان يقول «لا تعلموا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم».
والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو القائل قبل أكثر من 1400 سنة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا» وهذه الفقرة هي نفسها التي صدرت عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. فهذا هو الإسلام بصورته السمحاء وهو إسلام حلف الفضول الذي اجتمع فقهاء مكة في دار عبد الله بن جدعان واتفقوا على أن لا يدعوا شخصا من سكان مكة مواطنا كان أم أجنبيا إلا ونصروه على الظالم.
ـ البيان: لكن حلف الفضول كان قبل الإسلام بقليل.
ـ د. شعبان: نعم لكنه الحلف الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لو سئلت عنه في الإسلام لاجبت وهو من الأحلاف القليلة التي أبقى عليها نبينا عليه السلام. وهذا اعتبره شخصيا أول رابطة لحقوق الإنسان في العالم وهو شكل من أشكال رفع الظلم بهذه الصيغة البسيطة والمختصرة لكنه تعبير عن فكر يقف خلفه.
ـ «البيان»: وكذلك وثيقة المدينة.
ـ د. شعبان: بالإضافة لدستور المدينة هناك الموقف من الأسرى وما أعلنه الرسول عليه السلام أثناء فتح مكة مخاطبا قريش «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ووثيقة صلح الحديبية والعهدة العمرية عند فتح القدس ووثيقة القسطنطينية أيضاً.
التجدد الحضاري والديمقراطية
ـ البيان: نرجو استكمال عناصر المشروع النهضوي العربي.
ـ د. شعبان: نعم دعنا نكمل عناصر المشروع الحضاري والتي من أهمها كذلك:
ـ الانبعاث الحضاري: ويمكن أن نطلق عليه أيضاً التجديد الحضاري أو مواكبة التطور الحضاري وهذا عنصر رئيسي من عناصر مشروعنا النهضوي العربي فلا بد من الدخول في حلبة العولمة بوجهها الآخر وليس الوجه المتوحش وإنما من موضوع عولمة حقوق الإنسان وعولمة الثقافة والعلم والتكنولوجيا .
وهذا بحاجة لإعادة قراءة لتاريخ الأمة وحاضرها لوضع الأسس واللبنات للمشروع الحداثي النهضوي العربي فحتى فكرة الوحدة وهي ركن أساسي للمشروع العربي فهي لا تمر إلا عبر الديمقراطية بحيث تكون ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون وليست وحدة قسرية أو فوقية أو الحاقية وإنما وحدة تدرجية طويلة الأمد ذات تقارب في المناهج والتعليم والصحة والبيئة والعمالة وانتقال البشر والسكان والحدود والجوازات والهويات والاقتصاد والسوق العربية المشتركة..
وأريد القول عند الحديث عن الإصلاح انه يجري حديث عن إصلاح طوعي وآخر قسري بمعنى إصلاح بالقوة وآخر باللين وإصلاح من الداخل وإصلاح من الخارج وإصلاح ناعم وآخر صلب. وهذه المعادلة متداخلة ومرتبط بعضها بعضا ، فأي إصلاح لابد أن يكون لمصلحة الشعب والأمة من أي مكان أتى، فإذا كان كذلك فأهلا وسهلا به بالإضافة لاختيار الوسائل التدرجية السلمية طويلة الأجل أي أن يكون هناك نوع من التراكم. كما أن هذا الإصلاح هو جزء من صيرورة بمعنى انه مسار شامل وكوني ومتواصل يمكن أخذه كوصفة من الصيدلية لنشفي أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو عملية مستمرة ومتراكمة طويلة الأمد لأنها تحدث تغييرا نوعيا مطلوبا لاحقا ولكن وفق مسارات وأطر.
الإرهاب والمقاومة
ـ «البيان»: تداخلت المفاهيم والمصطلحات مثل موضوع الإرهاب والمقاومة، نرجو تحديد الفرق بينهما؟
ـ د. شعبان: هناك إرهاب مذموم وآخر محمود وإرهاب أخيار وإرهاب أشرار وإرهاب فقراء وآخر للأغنياء وإرهاب ضعفاء وأقوياء لكن الإرهاب هو الإرهاب طالما استهدف السكان المدنيين الأبرياء العزل ولكن دعني أقول إن هناك فرقا كبيرا بين الإرهاب والمقاومة، فالمقاومة حق مشروع تقره جميع الشرائع السماوية والوضعية وتقره قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقها لعام 1977 خصوصا بروتوكول جنيف الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة،.
ولا يمكن تحت أي حجة من الحجج إنكار حق المقاومة خصوصا البلدان التي تعاني شعوبها من الاحتلال ومن التبعية ومحاولات الضم أو الإلحاق أو الاجتياح. وهذا الحق يكفله القانون الدولي والولايات المتحدة الأميركية حاولت أن توظف موضوع مكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية الإجرامية بالتأثير على الأمم المتحدة بإصدار ثلاثة قرارات خطيرة هي:
1ـ القرار 1368.
2ـ القرار 1373 وهو اخطر قرار تصدره الأمم المتحدة على الإطلاق وقد صدر يوم 28 سبتمبر 2001 وقد أعطى الحق ليس فقط لأميركا وإنما لغيرها أيضاً بحق بشن حرب استباقية، والحرب الاستباقية أصلا لا أساس لها في القانون الدولي المعاصر أو ميثاق الأمم المتحدة وصدور هذا القرار يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة نفسها.
والذي يقر حق الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 فيما إذا تعرضت دولة للاحتلال أو العدوان أو حق هذه الدولة في التحرر الوطني أو إذا كانت من دول المحورـ والتي انتهت في وقتها - إلى حين يتخذ مجلس الأمن التدابير المناسبة. والعدوان حصل على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر وانتهى ولا وجود لدولة ولا وجود لحق الدفاع عن النفس.
فكيف ستشن الولايات المتحدة حربا قالت إنها ستصل إلى أربعين بلدا وتستمر لمدة 10 سنوات وتشمل 60 حركة وتيارا سياسيا؟ وذلك لمجرد وجود أمواس الحلاقة وبعض السكاكين كانت قد أثرت على خطف طائرات وبالتالي نسف برجي التجارة في نيويورك ومحاولة نسف البنتاغون في واشنطن وغيرها ، ومثل هذه الحرب لا وجود لها في القانون الدولي.
والمصيبة أن القرار لا يتحدث فقط عن الحرب الاستباقية وإنما إذا اعتقدت الدولة المعنية أن خطرا ما وشيك الوقوع فيمكنها شن الحرب. فمن سيتأكد من كل ذلك خصوصا لعدم وجود جهة تحاربها الولايات المتحدة.
3ـ القرار 1390 والذي صدر في يناير 2002. فخلال أربعة أشهر صدرت اخطر قوانين دولية لمكافحة الإرهاب. ورأينا كيف جرى التطبيق العملي لمكافحة الإرهاب والذي تضمن احتلال أفغانستان ثم احتلال العراق خارج إطار الشرعية الدولية ودون تفويض حتى من جانب الأمم المتحدة التي حاولت أميركا توظيفها بالشكل الذي تريد.
تدجين المثقفين
ـ شاكر المنذري: هل تسمحوا لي بأن أوجه سؤالا عن تأثير هذه التداخلات على طريقة تفكير الرجل البسيط والعادي.
ـ «البيان»: بشكل أوسع هل يمكن أن تحدثنا عن دور المثقف وعلاقته بالسلطة؟.
ـ د. شعبان:لأن المثقف شديد الحساسية خصوصا من يشتغل بالحرف والكلمة والقصيدة واللوحة فهو شديد التأثر وحساس وحساسيته أكثر من غيره من الإنسان العادي ولذلك انتبهت قوتان رئيسيتان هم الحكومات من جهة والقوى المتنفذة والمتسيدة في العلاقات الدولية لاستدراج المثقف وتطويعه وترويضه وجره لتطويع وسيلته الإبداعية ضد القيم النبيلة الضميرية التي يدعو لها المثقفون.
وتدجين المثقف وترويضه سواء عبر مقص الرقيب أو كاتم الصوت أو السجن أو المنفى وهذه تعتبر ظاهرة عربية ربما بامتياز وترى المثقفين العرب ينتشرون في مختلف مناحي الدنيا بسبب سلطات القمع والاستبداد والهيمنة واعتقد أن كثيرا من الحكومات في بلدان اليسر والعسر وربما بلدان اليسر أو المحافظة أكثر رحمة من غيرها.
وحاولت هذه البلدان تطويع المثقف بوسيلتين: القمع البوليسي من جهة وبالقمع الايديولوجي من جهة أخرى وأرادت له أن يحرق البخور للسلطة وان يزين مشروعها السياسي ويدافع عنها ويؤدلج لها ما تقوم به من أعمال بالضد من قيم المثقف وقيم الثقافة نفسها في كثير من الأحيان أو يضطر للعزل أو المنفى أو التهميش.
من جهة أخرى فإن المثقف يعاني ومعاناته مزدوجة فهو ليس فقط يعاني من انعدام الحريات والنقص الفادح في فسح الحرية وإنما يعاني أيضاً من ضائقة اقتصادية ومن الحصول على لقمة الخبز والعيش الشريفة ولا يمكن للكرامة أن تمر بلقمة خبز غير شريفة فمع الكرامة المثقف بحاجة للقمة خبز شريفة كما هو بحاجة مع لقمة الخبز الشريفة للكرامة.
لذلك حتى بعض المشاريع الخارجية استهدفت المثقفين. ويؤسفني أن أقول إن هناك عشرات المثقفين ممن وقعوا على عقود مع البنتاغون عشية العدوان على العراق مثلما هناك عشرات من المثقفين طوعوا وساءلهم الإبداعية للدفاع عن الديكتاتورية والاستبداد.
وهذه ظاهرة محزنة في كلا الأمرين.لأننا نكون قد خسرنا هؤلاء وخسرنا ما يمثلونه من عمران وجمال وفن وأدب وقيم وبالتالي انعكس هذا سلبا على المثقفين وعلى الجمهور لأن الجمهور يحصي عليّ وعلى غيري من المثقفين أخطاءهم وعيوبهم لأنهم مكشوفون نظرا لتأثيرهم القوي في الناس فهم يبقون يتذكرون ما يقولون.
وحتى في التجارب الثورية عانى المثقفون معاناة شديدة وان تماهوا مع هذه الأنظمة الثورية أحيانا ونذكر هنا معاناة المثقفين الروس زمن ستالين ونتذكر معاناة اراجون وبريخت ولوكاش وتولياتي. وفي بلدنا العربية هناك العشرات من نصر حامد أبو زيد الذي لوحق بالحسبة ومنهم من تعرض للاغتيال مثل حسين مروة إلى ملاحقة غيرهما ممن عاشوا في المنافي مثل الجواهري وأبو كاطع وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وظفر النواب.
والمشهد الثقافي محزن فلدينا إحباط ونكوص ولكن لدينا في الوقت نفسه نماذج ايجابية من المثقفين والتي ظلت متمسكة بالقيم ولم تتراجع وتشبثت بمعايير الفن والجمال والعمران وظلت مخاصة للمثل التي آمنت بها وان كان بعضها بحاجة للنقد والمراجعة فالمثقف بحاجة للنقد الذاتي وعليه مصارحة الناس أين اخطأ أيضاً خاصة بعد أن وصلت التجربة إلى طريق مسدود.
لقد كان المثقف بين مطرقة الأنظمة وسندان الخارج ، فالغرب حاول استدراجه والموازنة كانت عنصرا صعبا دائما وأحيانا يعاني المثقفون المستقلون من طرفين هما أنصار المشروع الغربي الذين يتهمونهم بالدفاع عن الوطن والوطنية وكأنها نوع من الدفاع عن الاستبداد والديكتاتوريات وأنصار الديكتاتوريات والحكام يعتبرون دفاعهم عن مثل الحرية والثقافة وكل هذه القيم كأنها دفاع عن الغرب وعن المشروع الخارجي، لذلك فإن الاستقامة والنزاهة والخلقية والمعيارية الضميرية والوجدانية ينبغي أن تبقى متقدة وان تشتعل جذوتها باستمرار لأنها هي التي تؤشر لاستمرار المثقف ودوره التاريخ.
حوار: موسى أبوعيد - وحدة الدراسات

