سخريته المعهودة من شخص الرئيس الأميركي جورج بوش أينما يحل ويرتحل، وتندره بأن كل يوم يمضي من فترة بقاء رجل البيت الأبيض (عام ونصف تقريباً) هي النصر الحقيقي للشعب الأميركي، تخفي وراءها شخصية تحليلية معمقة تبحث عن الحقيقة لما هو أبعد من دور صحافي محترف على الطريقة الغربية.
فالكاتب والمحقق الأميركي سيمور هيرش، والذي قضى جلّ حياته تقريبا في نقد سياسة القوة، ودخل في مواجهة شرسة مع هنري كيسنجر بعد نشره كتاب «قيمة القوة» في العام 1983 وكشف خلاله عن أسرار الإطاحة بالزعيم الاشتراكي المنتخب ديمقراطيا في شيلي سلفادور الليندي، وتجسس كيسنجر على موظفي وزارة الخارجية في السبعينات، يفتخر بأنه الليبرالي الذي يعبر عن رأيه، ويقول بكل ما يعتقد بأمانة من دون ادعاء المعرفة الكاملة.
ولعل إخفاقه في دراسة القانون وتحوله إلى الصحافة من باب الهواة، كان حافزا قويا لديه لتعقب القضايا الحساسة والمعقدة والكشف عن أسرارها، والتي تزخر بها المنطقة العربية بطبيعة الحال. وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان العام 1982، تحولت قضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى صلب اهتمامات هذا الصحافي.
ويؤكد هيرش أنه بعد 11 سبتمبر2001 أصبحت المنطقة بالنسبة له «مادة مهمة للدرس والتمحيص». وفي خضم الجدالات والنقاش داخل أميركا عن ثمن الحرب على العراق واستمرار خطر «القاعدة»، فضح وبشكل شجاع وحشية جنود بلاده في معتقل أبو غريب العراقي، لينتقل بعد ذلك لزيارة أكثر من عاصمة في الشرق الأوسط، كاشفا عن أن المواجهة الأميركية الإيرانية لن تكون وشيكة،
وجازما بان الديمقراطيين في واشنطن عاجزون على فرض الانسحاب من العراق، ولفت إلى أن الدور الإسرائيلي الذي كان في الحرب على العراق، يتكرر مرة أخرى بما أسماه مسلسل الاختراق الأمني الإسرائيلي لطهران ودمشق وبيروت وغزة،
وتأليب واشنطن على إيران وسوريا، إلا أنه لا ينفي أن ضجيج المدافع في الشرق الأوسط لم يخف كم المحادثات السرية التي تقوم بين العرب وإسرائيل بعيد الحرب على لبنان. «البيان» التقت هيرش قبل أيام خلال زيارة إلى دبي، وكان هذا الحوار:
ـ تُغضب الرئيس الأميركي جورج بوش دائما في مقالاتك وتحقيقاتك، ونجدك دائما تقتنص كل مناسبة لتناصبه العداء وتعبر عن كراهيتك الشديدة له، لدرجة أنك أصبحت تصنف أصدقاءك بناء على عدائهم للادارة الأميركية، لماذا؟
ـ إنني أقوم بذلك دائما وليست هذه المرة الأولى، أنا معارض للرئيس بوش هذه حقيقة واقعة، لكنني أيضا انتقد الديمقراطيين (الحزب الديمقراطي).
كتبت تقارير عديدة انتقدت فيها الرئيس السابق بيل كلينتون، كما انتقدت الرئيس جون كينيدي، المسألة ليست في إغضاب الرؤساء أو قض مضاجع السلم الأهلي الأميركي الهش، هناك تجاوزات خطيرة تقوم بها الإدارات الحاكمة في بلدي ليس في الشرق الأوسط وحسب، وبل حتى في كثير من القضايا داخل الولايات المتحدة.
ـ كانت ولا تزال الحرب على العراق من العلامات البارزة التي أججت الجدل داخل الرأي العام الأميركي، والنقاش تحول مع نهاية العام الماضي إلى تحد بين الكونغرس والبيت الأبيض، فهل سيستمع بوش إلى صوت العقل وينسحب من هذا البلد؟
ـ لا مكان للعقل في إدارة هذا الرجل، وأنا لا أتوقع أي انفراج، الحل الوحيد هو انتظار رحيله (بوش) من المكتب البيضاوي، إلا أنني اعبر وبصدق عن إعجابي بأداء الديمقراطيين في الكونغرس إلا أنهم لن يكونوا قادرين على إجباره على سحب القوات من العراق، وسيكون علينا انتظار يناير 2009 (نهاية الفترة القانونية للرئيس بوش في الحكم).
ـ إذن، هناك إصرار في واشنطن على المضي قدما بالإستراتيجية الجديدة، رغم أن الفشل واضح للعيان، والمسألة بانتظار شخص الرئيس المقبل؟
ـ المشكلة تتلخص في أن بوش يصر على النصر في العراق، إنه يرفض التراجع ويعمي نفسه عن الحقائق في ذلك البلد الذي تحول إلى خراب، وأكثر من ذلك فإن هذه الإدارة تتجاهل النصائح، كتقرير مجموعة دراسة العراق، والأخطر في الأمر أنها لا تزال تستغل هجمات 11 سبتمبر 2001
وتنظيم «القاعدة» بشكل غير أخلاقي كلما يبدأ الحديث عن الانسحاب من العراق، وتعرف حتى في داخل الولايات المتحدة كانت هذه الهجمات مبررا كافيا لدى المحافظين الجدد للتجسس على الشعب الأميركي وتعطيل الدستور بالتعدي على الحقوق المدنية، وسمح بنهاية الأمر بتعذيب المعتقلين في العراق وغوانتانامو وأفغانستان.
ـ بذكرك الحقائق المفجعة في العراق، نسأل أين دور المؤسسات المدنية والإعلام في أميركا؟ لماذا هذا التجاهل في مواجهة هذه الإدارة أمام جميع الجرائم والتجاوزات التي ترتكبها؟
ـ هناك محاولات، نجحنا في فضح بعض الجرائم ونجح العراقيون في كشف تجاوزات خطيرة، لكن في النهاية لم يحدث شيء سوى محاكمات لبعض الجنود من هنا أوهناك ولم تتوقف الجرائم بحق المدنيين في العراق، فبعد أبو غريب تكشفت مجزرة حديثة.
أما الإعلام في أميركا، وهو غير قاصر عن صناعة الرأي، فنحن نملك أضخم آلة إعلامية في العالم، لكن المشكلة في الإعلاميين الأميركيين أن الكثير منهم في المعسكر الآخر والقلة القليلة فقط هي التي تنادي بوقف هذا النزيف في العراق.والصحافيون في الولايات المتحدة على كل الأحوال هم جزء من طبقة تتعاطى الحرية والحلم الأميركي بلا تمحيص أو نقد.
ـ لنكن منصفين لبوش، ألم يجر بعض التغيرات في إدارته وامتثل للجان الاستماع في الكونغرس للرد على استفسارات بشأن هجمات 11 سبتمبر والعراق، بمعنى أن الصورة ليست بهذه القتامة؟
ـ بوش استبدل الجمهوريين على سبيل تحسين موقفه الشخصي وصورته في العراق وليس لأجل العراقيين، كما لا أحد من هؤلاء الموجودين في الإدارة أو خارجها خضع للحساب الحقيقي. وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد خرج من الإدارة وكأن شيئا لم يكن، أما عراب الحرب الخفي بول وولفويتز فتحول إلى منصب رفيع (رئيس البنك الدولي)
وهو يواجه فضائح فساد وسرقات لأموال العراق تحولت الأنظار عنها إلى مجرد تسهيلات لصديقته، وكذلك زلماي خليل زاده رحل عن أفغانستان ومن ثم العراق ليجد منصبا رفيعا في مجلس الأمن، أما رئيس الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.أي.إيه) السابق جورج تينيت
فتحول إلى الدفاع عن نفسه لكي لا يكون كبش فداء، وقبلهم مسؤول السياسات الدفاعية ريتشارد بيرل الذي يعمل الآن لحسابه الخاص.. هذه مهزلة، وتعود جذورها إلى ماقبل هجوم الطائرات على نيويورك وواشنطن، وأعتقد أن المستقبل سيكشف المزيد من التلاعب والخداع الذي ارتكبته هذه الإدارة.
ـ لكن الحرب أصبحت واقعا والعراق بات تحت الاحتلال، ألا يجدي التفكير في خطة جديدة لترضية جميع الأطراف؟ إذ نلاحظ أن بوش رغم رفضه التعاطي مع لجنة دراسات العراق، لكنه استعان ببنودها من الباب الخلفي، أي أنه يرغب في الحل، دعا شركائه في المنطقة للجلوس والتحاور، ويتحدث عن الإعمار ومراجعة السجلات المالية زمن إدارة الحاكم المدني بول بريمر، إذن هناك نية للتغيير؟
ـ المسألة ليست في النوايا أو اختلاق حلول، علينا العودة إلى الجذور، أصل المشكلة لا يزال باقيا، أنتم في الشرق الأوسط تتحدثون عن احتلال العراق، هذه هي المسألة، لماذا هاجمت أميركا العراق، وليس كيف نخرج منها، لأننا إذا عرفنا أصل الحكاية عندها ستكون الحلول أكثر نجاعة،
وأقول لك المسألة لم تكن في النفط، هذا غير صحيح، هذا الإدارة لم تذهب إلى العراق من أجل النفط وليس من أجل الديمقراطية بالطبع، إنها إسرائيل.. الإدارة الأميركية والبنتاغون (وزارة الدفاع) متخمين بأنصار إسرائيل، والفكرة ببساطة في واشنطن حلوا مشكلة إسرائيل وساعتها ستحل مشكلة العراق والدول الأخرى الموضوعة على قائمة التهديد الأميركي.
ـ تقصد سوريا وإيران؟
ـ إدارة بوش تستهدف أصلاً إيران وليس سوريا، وبرأيي فإن الخطط التي وضعتها هذه الإدارة تجاوزت المرحلة الافتراضية، هناك جهد دبلوماسي من جهة، وتهديد بالعقوبات من جهة أخرى، وإدارة بوش ترسل الوسطاء الأوروبيين بل أحيانا تبدي استعدادها للاتقاء المباشر مع الإيرانيين، ولا تنسى أن تحركات هذه الإدارة تصاغ وفق الأحداث في العراق والنفوذ الإيراني هناك،
إلا أنه في الخفاء تدرس واشنطن احتمالات الحرب على طهران، وهناك سيناريوهات عدة وضعت أقلها حدة استهداف البنية التحتية، ولا يجري هذا التخطيط فقط في واشنطن بل أيضا في إسرائيل، الأكثر تحمسا بالطبع لمنع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية.
وعلمت من مصادري الخاصة أن المسألة مجرد وقت، والهدف النهائي هو منع الحكومة الإيرانية من امتلاك القنبلة النووية بأي حال من الأحوال، إلا أنني لا أستطيع أن أقول ان الحرب باتت وشيكة وليس لدي معلومات دقيقة بهذا الشأن.
ـ في مسألة الاستعداد لمهاجمة إيران، ذكرت في الماضي أن الخطوات العملية بدأت بالفعل بإرسال الجواسيس ورصد الأهداف في ناتانز وأصفهان وبوشهر، فهل هذا النشاط أميركي بحت أم تشاركها به إسرائيل؟
ـ نعم هناك نشاط استخباري كبير، وفي الأغلب «الموساد» الإسرائيلي وليس الأميركيين حاليا، من يجند العشرات للدخول إلى إيران تحت مسميات عدة، ويرصدون النشاطات العسكرية ويتقربون من الإصلاحيين وما يسمى بأعداء الثورة الإسلامية،
سمعتم عن اختفاء مسؤول نووي إيراني كبير في تركيا (علي رضا أصغري)، وهناك أيضا شخصيات إيرانية من المعارضة ومن الداخل تذهب إلى إسرائيل باطراد، والسلطات الإيرانية تحتجز حاليا أشخاصا تسللوا عبر دول المنطقة إلى إيران وعلى ما يبدو أنهم عملاء للمخابرات.
ـ لكن النشاط الإسرائيلي الأمني لا بد وأنه تعبير عن قلق بالغ من أنشطة إيران النووية، خاصة وأن الرئيس محمود أحمدي نجاد عبر أكثر من مرة عن رغبته في إبادة إسرائيل؟
ـ كلمة قلق غير كافية، هناك رعب، لقد قال لي نائب وزير الدفاع في الحكومة الحالية افرايم سنيه إذا نجحت طهران في امتلاك القنبلة النووية ستتداعى الصهيونية إلى حد كبير وسيهرب الكثير من اليهود ويغادرون إسرائيل التي لن تعود ساعتها مكانا آمناً، وبالنسبة لي فإن هجوما عسكريا أميركيا على إيران لن يفيد إسرائيل إلا مؤقتا، فهذا الأمر لن يجعل هذه الدول طبيعية أقلها بالنسبة لشعوب المنطقة.
ـ على ذكر الدولة الطبيعية، متى تستطيع إسرائيل أن تتقبل السلام، سمعت عن المبادرة العربية بالتأكيد، ولديك علاقات كثيرة مع الإسرائيليين فما الذي يدور في تل أبيب برأيك حاليا؟
ـ التفاصيل معروفة، فشل عملية السلام تحدث عنه كثيرون، وإسرائيل تتمسك بأمنها أولا وهناك مسائل أخرى كثيرة معروفة. وأما عن المبادرة العربية فهي لن تعني الكثير ما لم تكن هناك إرادة لتطبيقها، ومشكلتها في التوقيت،
فإسرائيل الآن مرتبكة بسبب تداعيات فينوغراد (تقرير القاضي إلياهو فينوغراد عن الفشل في الحرب على لبنان)، وعلى ما يبدو لم يعد أولمرت رجل المرحلة، ولذا على ما يبدو قررت الوزيرة كوندوليزا رايس إرجاء زيارتها إلى المنطقة إلى أجل غير مسمى.
واعتقد أنهم في واشنطن يعدون لاستبدال أولمرت، لديهم مرشح العمل القوي إيهود باراك ضالع في صفقات السلام وفي المقابل ذو خبرة عسكرية كبيرة للتعامل مع الملفات النووية كما فعل مع العراق قبل 26 سنة. وعلى أي حال المشكلة الحقيقة في عدم استطاعة لإسرائيل لتكون دولة طبيعية،
يعود إلى الأزمات داخل الصهيونية نفسها كفكرة ودولة، وأنا كيهودي أميركي أعرف هؤلاء الناس جيداً، العنصرية والتطرف مستشريان، وعقدة الخوف لم يتم انتزاعها بقيام الدولة الإسرائيلية العام 1948.
ـ تقصد حملة الترانسفير التي يشنها الوزير الإسرائيلي افيغدور ليبرمان ضد فلسطينيي 1948، والحملة على عضو الكنيست المستقيل عزمي بشارة؟
ـ بالطبع هذا مثال، أنا لا أعرف بشارة شخصيا ولكني أرغب في التعرف أكثر عليه، وقصة اتهامه بالتخابر مع حزب الله وسوريا تبدو لي مفبركة.
ـ على ذكر حزب الله، وأنا اعرف أنك على علاقة قوية مع زعيمهم حسن نصرالله، فما حقيقة ما حدث في الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006؟
ـ أنا التقيت نصرالله، وكما قلت أنت، أنا أعرف هذا الشخص جيداً، لقد سدد لإسرائيل ضربة قوية في الصيف الماضي رغم انقسام اللبنانيين على نتائج الحرب، المهم في المسألة الآن أن تداعيات الحرب لم تنته لا في إسرائيل ولا حتى في أميركا، والإدارة الأميركية صدمت ربما أكثر من الإسرائيليين من النتيجة، فمن المعروف أن الهجوم كان اختباراً أوسع للحرب ضد إيران،
والآن تجد تعتيما كاملا في الإعلام الأميركي، بسبب ضغوط كبيرة تمارس لجهة حجب المعلومات عن الرأي العام، بشان كل الذي يدور في لبنان وتداعيات الحرب والمجازر الإسرائيلية خلالها وحتى بما يتصل بخطابات نصر الله.
ـ الاستياء الأميركي من النتيجة، يعني أن الموجود ليس مجرد دعم بل تخطيط مشترك لذلك العدوان؟
ـ نعم، التنسيق قائم ولا يزال يتم بين الطرفين على المستويات الأمنية وذلك قبل مارس 2006 وبعده، وأنا ذكرت ذلك لنصر الله، والأخطر في الموضوع هو نائب الرئيس ديك تشيني، فهو الذي يشرف على عملية التنسيق، وعندما يأتي إلى الشرق الأوسط، فهو لا يقوم برأي بتسويق بضاعة أمن العراق، وإنما لتغذية النزاع السني الشيعي وتأليب المنطقة على حزب الله وإيران.
ـ لكن حزب الله وإيران يجاهران بالعداء لإسرائيل، والمقاومة في لبنان لم تتوقف نشاطاتها على الحدود مع إسرائيل بعد انسحاب الأخيرة صيف العام 2000، وتعرف أن الورطة الأميركية في العراق أيضاً بسبب التدخلات الإيرانية، خلقت أرضية طبيعية للتخطيط المشترك بين واشنطن وإسرائيل لمهاجمة حزب الله خاصة بعد خطف الجنديين الإسرائيليين؟
ـ الإسرائيليون هم من بدأوا بافتعال الأزمة، كان رئيس الحكومة السابق آرييل شارون وراء كل شيء تقريبا، كان معسكر اليمين الاسرائيلي يرفض بشدة الانسحاب من جنوب لبنان العام 2000، وبدأ حتى قبل الحرب على العراق بالحديث عن تطوير حزب الله لقدراته العسكرية،
وتقديم الدعم إلى حركة «حماس» في غزة، بل وزعم الإسرائيليون أن الحزب بدأ يتسلل إلى الساحة الأردنية، وربما يكون هذا صحيحا، لكن المهم أن أميركا المنهكة في العراق والغاضبة من إيران لعدم اسهامها باستقرار العراق بعد تولي الشيعة السلطة، التقطت الطعم الإسرائيلي وبدأ العمل على تسديد ضربة قوية وحاسمة ضد حزب الله.
وكان هناك وحدة الإشارات الاستخبارية في الجيش الإسرائيلي والمعروفة باسم «الوحدة 8200» والتي زعمت أنها التقطت في فبراير ومارس إشارات فُسرت بأنها ذات طابع عدائي من جانب خالد مشعل (رئيس المكتب السياسي لحركة حماس المقيم في دمشق). وفي تنصت آخر كشف عن اجتماع عقدته قيادة حماس في أواخر مايو من نفس العام عن طريق الهاتف.
وزعمت إسرائيل أن المكالمة المشفرة بين قيادات الحركة هدفت إلى بدء توسيع نطاق العمليات العسكرية ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وغزة والأردن (التي اعتقلت عناصر من حماس)، وكان ساعتها بالطبع الذي يتولى القيادة ايهود أولمرت، والذي خلص كل من مشعل ونصرالله أنه شخص ضعيف والفرصة مؤاتية لتوجيه مزيد من الضربات عبر الحدود.
ـ إذ كانت الادعاءات الإسرائيلية صحيحة، فكيف تطورت الأمور باتجاه تنسيق إسرائيلي أميركي للهجوم على لبنان؟
ـ الذي حصل، حسبما علمت من مصادري ومن بينهم عوزي آراد، الذي عمل في «الموساد» لمدة تزيد على العقدين، بأن عددا من المسؤولين الإسرائيليين قاموا منفردين بزيارات لواشنطن في مايو ويونيو 2006 وكان الغرض الحصول على الضوء الأخضر لعملية القصف، وهذا ما كان في أقرب فرصة، ولك أن تسميها ذريعة خطف الجنديين،
وبالمناسبة شارك نائب الرئيس ديك تشيني في المشاورات وكانت الخطة التي اقترحها الإسرائيليون تقوم على قصف جوي على غرار الحرب التي شنها حلف شمال الأطلسي «الناتو» على صربيا العام 1999، ولم يكون الهجوم البري وارداً.
ـ عودة إلى إيران، قلت أن تشيني يزور المنطقة من فترة إلى أخرى لتأليب العرب على إيران، ولكن وبما أنك تحب التمحيص والتعرف على جذور المشكلات، فإن مسألة النزاع المذهبي والقومي بين العرب وإيران قديمة، كما أن للإيرانيين نفوذا قويا في بعض دول المنطقة، فماذا تقول؟
ـ إيران لها نفوذ في المنطقة، هذا لم يعد سراً... النظام الإيراني له مجاله الحيوي في المنطقة إما بسبب التبعية للمذهب أو المصالح المشتركة.
ـ تقصد المصالح المشتركة مع سوريا؟
ـ نعم سوريا و«حماس» أيضا، وجميعهم مشتركون في العداء للولايات المتحدة وإسرائيل، إلى أن تغير سوريا وإيران من سياستيهما. ودعني أعود إلى النقطة الرئيسية، خارطة الصراع تتغير في الشرق الأوسط، إسرائيل تنفرد في التعامل مع الفلسطينيين، بينما المنطقة تغوص في صراعاتها البينية، وأقول لك أمرا آخر بعد أن ارتكبت أميركا حماقة غزو العراق، وعليك أن تتخيل ما سارت عليه الأحداث، لقد دفع العراق ولاحقاً لبنان الثمن.
ـ وسط كل هذا للسعودية دورها المحوري، نحن نجد أن الرياض تسعى إلى لملمة الصف في لبنان وفلسطين، كما أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ووزير خارجيته سعود الفيصل في مؤتمر القمة العربية الأخير واجهوا أميركا وأكدوا أن ما يحدث في العراق احتلال وهو الوحيد المسؤول عما يحدث في العراق.؟
ـ دعني أقول لك شيئا تتحدث عن تغيير هذا ليس صحيح، نشبت صراعات داخلية فلسطينية، جانب من القصة معروف، ولكن كانت هناك ضغوط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أميركا أجبرته على إجراء الانتخابات العام الماضي،
وعندما فازت حماس عوقب الطرفان، أقصد عباس و«حماس»، في بداية الأمر طبعا كان حصار الرئيس ياسر عرفات، واستخدمت ذريعة عدم وجود شريك للسلام، والآن استبدلت الحجة بوجود حماس في الحكم ورفضها الاعتراف بإسرائيل.
وأقول لك صراحة حتى عندما تم التدخل لإعادة الوئام الداخلي الفلسطيني كانت هناك ضغوط كبيرة على خالد مشعل، وهذا الشخص الحاد في مواقفه، المسيطر بقوة على الحركة الإسلامية بجناحيها المدني والعسكري، كان المطلوب منه أن ينهي تحالفه مع إيران وحزب الله والثمن كان المال ورئاسة حكومة الوحدة الفلسطينية،
وقدم على ما يبدو تنازلات، إلا أنه اضطر للتراجع،عندما لاحظ أن الأبواب في دمشق ستغلق في وجهه، وفي النهاية استمر الحصار المالي ولم تف الدول العربية بتعهداتها حتى بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية.
ـ صحيح أن حماس في السلطة الآن، لكن لا أحد يجبرها على البقاء، لماذا لا تنسحب، لتسقط ذرائع الحصار، وينتهي الصراع داخل الشارع الفلسطيني، كما أنك تحدثت عن اختراق أمني إسرائيلي كبير لمشعل في دمشق، فهل اقترحت عليه شيئا بهذا الصدد؟
ـ التقيت مع مشعل في دمشق، وقلت له الإسرائيليون يتجسسون عليه، ويلتقطون مكالماتك، وهذا ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على وقف الصواريخ من غزة، هم يعلمون أن هناك أوامر باستمرار إطلاق الصواريخ، وعندما سألت مشعل، هل هناك إمكانية لوقفها،
قال لي صراحة وأنا اقتبس منه: «لا أستطيع وقف الصواريخ، وإذا أصدرت أوامر بذلك فإنني أحكم على الحركة بالزوال». واعتقد أن الحركة في موقف صعب، فهي محاصرة من الجميع حتى من حلفائها الذين يضغطون عليها لمواجهة الرئيس عباس، إلا أن ذلك لم يمنع مشعل من تخفيف لهجته فبدأ الحديث مؤخراً عن الاعتراف غير المباشر بإسرائيل مثل اقتراح الهدنة ودولة في حدود 1967.
ـ إلى ماذا تفسر هذا التحول، هل وجود قادة حماس في الخارج يضعهم بين فكي كماشة الدول العربية المعتدلة والدول المعادية لإسرائيل؟
ـ ليس هذا فقط، دعني أقول لك، ولا تسألني من هي مصادري (يضحك) استطيع أن أؤكد لك أن هناك لقاءات، أقصد وفود إسرائيلية أو مقربة من إسرائيل تذهب بانتظام إلى دمشق، تلتقي مع مشعل وأكثر من ذلك مع الرئيس السوري بشار الأسد نفسه.
ـ لكن سوريا نفت وتنفي وجود مفاوضات سرية مع إسرائيل؟
ـ دمشق نفت المفاوضات السرية هذا صحيح، وكل ما يجري هو تحت هذا المستوى هناك أفكار، مجرد أفكار لاستئناف المفاوضات على قاعدة شروط مسبقة تضع ملامح اتفاقية سلام.
ـ الاتصالات مع نصر الله ليست سرا، هناك الألمان والايطاليون ودبلوماسيون بريطانيون ومن الأمم المتحدة ينقلون رسائل لحزب الله بشأن الأسرى؟
ـ لا، ليس مسألة الجنديين المختطفين، الأمور تعدت إلى أكثر من ذلك، نصرالله الشخص الأقوى في لبنان، ولم يستخدم كل قوته لا في لبنان ولا مع إسرائيل، وهو يستعد أيضا للحرب المقبلة، وإسرائيل تعرف ذلك جيداً، يقولون انه من يحكم لبنان فعليا. إذن لم لا تحاول (إسرائيل) استعراض فرص السلام معه وهذا ما يفعلونه مع سوريا أيضا، خيار الحرب ليس مطلقا دائما لكنه قائم.
ـ دعنا نعرج إلى الأزمة الداخلية في لبنان، أقصد محاكمة قتلة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وانتخابات رئيس الجمهورية، أي الصراع بين الأكثرية والمعارضة بشكل عام؟
ـ في لبنان المسائل معقدة كما تعرف، وقاعدة التحالفات ليست دائمة، فمثلا عون ( زعيم التيار الوطني الحر) حليف للمعارضة ولكنه معارض لسوريا، ويبحث عن استعادة مكانة المقعد المسيحي من خلال الرئاسة، أما حليفه نصر الله فالمسألة مختلفة، هناك من يريدون تجريده من سلاح المقاومة بلا ثمن، وأعتقد أن الأوضاع في لبنان تقترب من ساعة الانفجار.
ـ وماذا عن المحكمة الدولية؟
ـ محاكمة قتلة الحريري، مسألة سياسية بالأساس، ولقد قال لي نصر الله انه لا يخشى المحكمة، إلا أنه في البداية كانت هناك شكوك كثيرة حيال شخص القاضي الألماني ديتليف ميليس الذي أودع أربعة مسؤولين لبنانيين في السجن من دون تحقيق،
والآن الأمور تغيرت مع مجيء القاضي البلجيكي سيرج بريمرتز، وأبدى حزب الله استعداده للتعاطي مع المحكمة بشرط ألا تمس السيادة اللبنانية، كما هو الحال في سوريا التي كررت مرارا شرط التعامل مع المحكمة بألا تمس السيادة السورية.
ـ جزء من اللبنانيين يتهمون سوريا بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وفي الغرب يقولون ان هذا النظام شمولي وينتهك السيادة اللبنانية، فما تقول؟
ـ لن أجيب ولا تستبق الأمور، ولكنك أثرت انتباهي بخصوص الأنظمة الشمولية في الشرق الأوسط، أنا زرت مصر مؤخرا، والحال مختلفة هناك عن الماضي، والتقيت مؤخرا مع الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل وكان بصحبته 17 صحافيا مصريا وذهلت مما رأيت، إنهم أناس مثقفون وواثقون من أنفسهم.
ـ وماذا عن سوريا؟
ـ في سوريا لا اعرف إذا كان الأمر مثل مصر أو لا، فعودة إلى الأوضاع في القاهرة هناك ملاحقة لأصحاب الرأي وكتاب المدونات ودعاة التغيير فضلا عن فضائح التعذيب في أقسام الشرطة، ما دعاني للعمل حاليا على إنشاء موقع داخل الشبكة العنكبوتية (الانترنت) يساهم به جميع دعاة التغيير بكل اللغات، ويشاركني في هذا الأمر هيكل بكل حماسة من أجل فضح كل التجاوزات.
أما عن سوريا، حسنا أنا أعرف أن هذا البلد غير ديمقراطي بالكامل، ولكن دعني أقص عليك ما حدث مؤخراً، عندما زارت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي دمشق، دعاها الأسد وزوجته بصحبة زوجها إلى جولة في السيارة داخل دمشق
وتوجهوا إلى ما كان يعرف بالحي اليهودي داخل العاصمة، ونزلوا إلى مطعم لكي يتناولوا العشاء بلا حراس ولا رجال أمن، هذا يعني لي أن هذا الرئيس الشاب لا يخشى شعبه، أي أنه محبوب، وانه مستعد للتغيير،
ـ تقصد اتهام واشنطن لدمشق بدعم الإرهابيين في العراق، ومن ثم سحب السفير الأميركي بعد اغتيال الحريري، وأخيرا قانون محاسبة سوريا؟
ـ قانون محاسبة سوريا مهزلة، ويعكس الفشل الأميركي في العراق، وعلى أي حال كلما تزيد الضغوط على سوريا فإن الأمور تجري بما لا تشتهي واشنطن، فالحقيقة السابقة عن اتصالات بين دمشق وإسرائيل لا تنفيها حقيقة أخرى،
وهي أن دمشق تتسلح باطراد من روسيا وإيران، ونقلت ألوية عسكرية كبيرة مؤخراً قبالة هضبة الجولان، هذا حقهم الطبيعي فلا أحد يعرف كيف سيتصرف البيت الأبيض المشبع بأنصار الحرب من المحافظين الجدد.
فرض العقوبات على بريطانيا
سخر مُحاورنا من مقولة انتهاك إيران لاتفاقية الحد من الانتشار النووي، لدى سؤاله عن تركيب طهران سلاسل جديدة من أجهزة الطرد المركزي، مشيرا إلى أن لا يوجد ما يثبت لغاية الآن لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الإيرانيين الذي يخضع برنامجهم للرقابة لأي تجاوز للحدود المسموح بها في تخصيب اليورانيوم،
ومع ذلك تصر واشنطن على فرض العقوبات والمزيد منها في حين أن بريطانيا أقرت علنا قبل شهور قليلة تطوير منظمتها النووية، وأكثر من ذلك نشر مؤخرا غواصات تعمل بالمحركات النووية خارج مياهها الإقليمية وهي تعمل بطاقة تخصيب أكثر من الحد المسموح به، متسائلا من الذي ينتهك اذا الحد من الانتشار النووي؟، وقال (ضاحكا) كان على مجلس الأمن أن يفرض عقوبات على بريطانيا وليس ايران.
حوار ـ رامي سلامة

