في كل عام يخرج سكان مدينة سطيف والمناطق المجاورة لها بمئات الآلاف إلى الحقول والمروج لاستقبال فصل الربيع في أبهى حلله، حتى قال أحدهم إن شاعر الوصف الكبير البحتري ربما يكون من أصول «سطايفية» من باب أن بلاغته في القول: «أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا... من الحسن حتى كاد أن يتكلما» استلهمها من طقوس أهل سطيف المتوارثة عبر القرون ابتهاجا بالربيع.
الكلام طبعا مجازي ولا يعني أن ثمة من يعتقد فعلا بأن شاعرنا من هذه المدينة أو أنه حتى زار المنطقة، لكن للتعبير ببلاغة أيضاً عن عشق ناس سطيف للربيع وترحيبهم به كل عام. ففي سطيف وهي أعلى المدن الكبيرة في الجزائر
حيث تقع على ارتفاع يزيد على ألف متر عن مستوى سطح البحر بسكان يربو عددهم عن 400 ألف نسمة، يحتل الربيع مكانة متميزة لدى الكبار والصغار، حيث يخرج الجميع في الأيام الأولى من الفصل الأجمل لاستقبال تباشيره بحفاوة بالغة تعبيرا عن عشقهم لزهو الطبيعة الخضراء وهي تبتسم للناس وتبعث فيهم روح التقارب والمودة.
القريصة والبراج
تخرج العائلات بكل أفرادها مع طلوع الشمس إلى غروبها ويختلط الجميع على البساط الأخضر الممتد على عشرات الكيلومترات. وتزول كل الحواجز الاجتماعية والنفسية. وفي هذه المناسبة توجه عناية خاصة للأطفال بتخصيص سلال صغيرة لكل واحد منهم تحتوي على كل ما يتناوله من طعام خلال اليوم وهو في العادة البيض المسلوق وأحسن أنواع البرتقال و«القريصة» و«البراج» والحلويات.
الأطفال يسعدون بـ «القريصة» لأنهم يتناولونها مرة في العام، بمناسبة استقبال الربيع فقط، وهي عبارة عن كسرة مصنوعة بأجود أنواع الدقيق المخلوط بصفار البيض، ويتم صنعها على نار هادئة في طاجن من الطين أو الفخار أو المعدن.
أما «البراج» فيتناوله جميع أفراد العائلة لعدة أيام في بداية الربيع. وهو قطع من العجين تحشى بتمر الغرس» قبل أن تطهى في أشكال مربعة أو معينة أو مستطيلة. ويصاحب البراج القهوة والحليب أو الشاي في الصباح أو في وجبة خفيفة بين الغداء والعشاء.
في «الموان» وهي منطقة واسعة من المروج الخضراء غرب مدينة سطيف على الطريق إلى مدينة بوقاعة ينافس الأطفال قطعان الأبقار المنتشرة بكثرة في المروج وهم يقطفون أزهار النرجس وتسمى بالعامية المحلية «البرللي»
وفي مناطق أخرى من الجزائر « البلارج» ذات اللون الأصفر الفاتح ويربطونها في شكل رزم يأخذونها معهم مساء وتوضع سيقانها في الماء والسكر لتبقى حية لأكثر من أسبوع حيث تبعث النشوة والرائحة الطيبة وتنقل الربيع إلى داخل البيوت.
أما في «بئر النساء» الواقعة شرقا على الطريق إلى قسنطينة أو «عين الطريق» الواقعة جنوبا على طريق مدينة باتنة وبلدة «لوريسية» شمالا على طريق بجاية فيلهو الأطفال ويلعبون «الغميضة» ويختبئون وسط الأعشاب التي تكون قد قاربت المتر بطولها.
وتنكب النساء خاصة المتقدمات في السن على البحث عن أعشاب برية تحضر بها وجبات خفيفة بالتوابل والفلفل الحار تؤكل عادة بالرغيف المصنوع في البيت ويسمى «الكسرة» في بعض المناطق و«الرخسيس» في بعضها الآخر.
بداية ربيع هذا العام لم تكن ككل الأعوام... كانت الثلوج فيها تغطي مساحات اللعب والفسحة ما عطل الاحتفال إلى ما بعد ذوبانها... لكن المهم أن الناس خرجوا وأدوا طقوسهم كما العادة. وقالت الحاجة «الياقوت» ذات الثمانين عاما في إحدى الحلقات العائلية إن تأخر موعد استقبال طلوع الربيع هذا العام ذكرها بما حدث منتصف الأربعينات من القرن الماضي
حين غاب الربيع بسبب تساقط الثلج بكميات قياسية وبقائه لاصقا على الأرض لأكثر من ثلاثة أشهر ما عطل الحياة ونتج عنه قحط كبير دفع الناس لإطلاق اسم «عام الشر» على ذلك العام كون الأرض «ماتت» بسبب الثلج ولم تعط شيئا فانتشرت المجاعة في جميع الأوساط.
لكن العجوز استدركت قائلة إن ثلج هذا العام فيه خير كبير فهو غني بالماء على عكس ثلج ذلك العام الذي كان عبارة عن رمل شديد البرودة حمل معه سموما تسببت في عقم الأرض مدة عام. أما الشيخ دوادي فتنبأ بوفرة قياسية لمنتوج الزيتون العام المقبل لأن أشجار الزيتون لا يرويها غير الثلج وهي تمتصه وتحفظه وتعيش به طويلا.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي

