تتطلع فرنسا إلى حقبة من التغيير والإصلاح الاقتصادي والسياسي، بعد الفوز الصريح لمرشح اليمين المحافظ نيكولا ساركوزي في انتخابات الرئاسة الفرنسية، الذي يعكف على إعداد برنامج «أول مئة يوم» لحكومته المرتقبة، فيما كشفت حشود من المهاجرين العرب والأفارقة عن إحباطهم واستيائهم من فوز ساركوزي، وترجموا غضبهم بإشعال 367 سيارة في باريس وخارجها.

وبعد إعلان الفوز، كشفت وسائل الإعلام الفرنسية ما أبرزه ساركوزي من رسالة إلى شعبه مفادها أن الناخبين الفرنسيين ملوا من حالة الركود التي هيمنت على رئاسة جاك شيراك، فيما تحدثت وسائل الإعلام الفرنسية عن استعداده لفرض برنامج «أول مئة يوم» في حكمه والذي كشف عنه خلال حملته الانتخابية أمام منافسته الاشتراكية سيغولين روايال. وبعد فرز كل الأصوات تقريبا، حصل ساركوزي على 1 ,53 % من الأصوات مقابل 9, 46 في المئة لروايال، وحصل بذلك على تفويض لتطبيق رؤيته عن فرنسا الكادحة رغم تحذيرات اليسار من انه سيحدث انقساما في البلاد واتهامات بأنه زعيم خطر ومتسلط. وصرح كلود جويان رئيس الحملة الانتخابية لساركوزي بأن الرئيس المنتخب سيأخذ راحة بضعة أيام ليعيد شحن طاقته ويشكل فريقه قبل أن يتولى الرئاسة في16 مايو الجاري. وذكر جويان ان فرانسوا فيلون مدير الحملة الانتخابية لساركوزي هو من أبرز الأسماء المرشحة لتولي منصب رئيس الوزراء الفرنسي وانه من بين قلة قليلة يمكن أن تمنح هذا المنصب. وفي كلمة أمام أنصار حزبه تعهد ساركوزي بتمرير برنامجه الإصلاحي ووعد بشن حرب على البطالة وتعزيز الأخلاقيات الفرنسية. وقال إن الشعب الفرنسي اختار التغيير، «سأطبق هذا التغيير لأن هذا هو التفويض الذي حصلت عليه من الشعب ولأن فرنسا تحتاجه ولكني سأفعل ذلك مع كل الفرنسيين»، متطلعا إلى رأب الصدع الذي حدث خلال الحملة الانتخابية.

ويريد ساركوزي الاستفادة من الدفع الذي خلفه فوزه ليمرر قبل نهاية الصيف، سلسلة من الإجراءات التي ترمز إلى عزمه على تغيير صورة البلاد. وكشف ساركوزي خلال حملته الانتخابية برنامج «اول مئة يوم» وهي مرحلة أساسية يمكنه ان يأمل خلالها بفرض قرارات تعكس أولوياته.

وسيكرس جهده لتحقيق «القطيعة» مع الماضي أولاً عبر ضمان خدمات أساسية دنيا في حال حدوث إضرابات في القطاع العام ولاسيما في مجال النقل. وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق بين النقابات والسلطات العامة سيسعى اعتبارا من يوليو إلى تمرير قانون في دورة استثنائية للجمعية الوطنية الجديدة التي ستنبثق عن الانتخابات التشريعية في يونيو. وقد يواجه هذا المشروع بمقاومة قوية. وحذر رئيس نقابة القوة العمالية جان كلود مايي خصوصا من أن إصلاحات تمرر «بالقوة» من قبل السلطة الجديدة قد يكون لها «انعكاسات ارتدادية».

وفيما يتعلق بردود أفعال المناهضين للرئيس الجديد، فعلى سبيل المثال، شعر سكان لاكورنوف في ضاحية باريس المتحدرون من أصول مهاجرة والأجانب المقيمون فيها، بإحباط بعد فوز ساركوزي بالرئاسة، أملاه تخوفهم من تشدد جديد في سياسة الهجرة في فرنسا. وبدت خيبة الأمل على معظم زبائن مقهى «لو مترو» الأفارقة والمغاربة والصينيين والباكستانيين. وقال مزيان وراد (50 عاماً) العاطل عن العمل، وهو يدخن سيجارة «هذا لا يبشر بالخير»، مضيفا أن «فرنسا ستدخل في مرحلة لم نعرفها من قبل. ستكون مجتمعا مضغوطا». ولا يرى رب العائلة هذا وهو من أصل جزائري قدم إلى فرنسا قبل عشرين عاماً إلا أملا وحيدا: «عودة التوازن» إلى السلطات في الانتخابات التشريعية في يونيو.

من جانب آخر، أحرقت 367 سيارة في فرنسا وأوقف 270 شخصاً بعد صدامات في باريس ومدن فرنسية أخرى أعقبت فوز ساركوزي بالرئاسة. غير أن القيادة العامة للشرطة قالت إن الانتخابات لم تؤد بشكل عام إلى أعمال عنف كبيرة في الأحياء الحساسة في المدن ولم نشهد الا مجموعات صغيرة هنا وهناك قامت بإحراق حاويات وسيارات. وتم إحراق 172 سيارة في منطقة باريس اقل من عشرة منها داخل مدينة باريس. وقامت قوات الشرطة والدرك بتوقيف «270 شخصا بينهم 136 في المناطق الداخلية و46 في باريس و88 في باقي منطقة باريس.

وذكرت القيادة العامة للشرطة أن تجمعات تقف وراءها حركات يسارية متطرفة وفوضويون أو مستقلون حدثت ليل الأحد الاثنين وتحولت إلى مواجهات مع قوى الأمن في عدد من مراكز المدن مثل ليون ونانت وباريس وتولوز ورين. وفور تسلمه السلطة، يفترض أن يحضر ساركوزي أربعة «مؤتمرات» مقررة في سبتمبر مع الشركاء الاجتماعيين حول المساواة في الأجور بين الجنسين وإصلاح ضمان البطالة وظروف العمل وتمثيل النقابات. وسيعقد مؤتمر مماثل حول البيئة. ووعد ساركوزي كذلك بقانون يحظر في اقرب وقت ممكن العلاوات السخية جدا التي تدفع إلى مدراء الشركات الكبرى عند تركهم منصبهم.

وعلى صعيد الهجرة يتوقع اعتماد قانون جديد يشدد شروط دخول الأجانب وإقامتهم في فرنسا بعدما دفع ساركوزي العام الماضي إلى إقرار قانون عندما كان وزيرا للداخلية. ويريد الرئيس اليميني الجديد كذلك أن يطبق بسرعة سلسلة من الإجراءات الضريبية بينها إلغاء الضرائب على الإرث والهبات لغالبية الفرنسيين فضلا عن خفض ضريبي حول الفوائد المصرفية لشراء شقة.

وينوي الرئيس الفرنسي الجديد زيارة بروكسل وبرلين التي تتولى حاليا الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في الأسبوع الأول لتسلمه السلطة. وأجمعت الصحف الفرنسية أمس على الحكم «بدون لبس» على فوزه، معتبرة انه غير قابل للطعن ولا شك فيه وواضح، داعية الرئيس الجديد إلى «لم شمل» الفرنسيين. وكتبت صحيفة «الفيغارو» اليمينية أن الفوز الواضح سيكون واحدة من الانتخابات التي ستؤثر على تاريخ فرنسا لفترة طويلة.

وأضافت أن رئيس الجمهورية الجديد يمكنه الاعتماد على الشرعية التي منحها له أداؤه الانتخابي، بدء التغيير الكبير على أن يحرص بالتأكيد على مصالحة الفرنسيين الذين قسمتهم الحملة التي كانت حاسمة جدا. أما صحيفة «ليبراسيون» اليسارية فقد رأت أن ساركوزي رئيس شرعي انتخب جديا وبدون تردد، بينما رأت صحيفة «لاكروا» الكاثوليكية أن الفرنسيين اختاروا ورسالتهم واضحة.

«واشنطن بوست»: نجاح ساركوزي وزيراً للداخلية لا يضمن نجاحه رئيساً

بوش: التحالف الأميركي ـ الفرنسي سيستمر

اتصل الرئيس الأميركي جورج بوش، بالرئيس الفرنسي المنتخب نيكولا ساركوزي مهنئا إياه على فوزه، وقال إن الصداقة القديمة التي تربط البلدين مستمرة. وصرح السكرتير الصحافي لمجلس الأمن القومي غوردون جوندر في بيان أن الولايات المتحدة وفرنسا حليفان تاريخيان، والرئيس بوش يتطلع للعمل مع الرئيس المنتخب ساركوزي فيما يستمر تحالفنا القوي».

وجاءت هذه التصريحات بعد أن قال ساركوزي لأنصاره ان الولايات المتحدة بمقدورها الاعتماد على صداقتها مع فرنسا التي توترت العلاقات معها بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003. وقد خصصت وسائل الإعلام الأميركية الكبرى أمس عناوينها الرئيسية لانتخاب ساركوزي ونشرت تحقيقات من مراسليها في باريس تتحدث بالتفصيل عن فوزه على سيغولين روايال.

وحذرت صحيفة«واشنطن بوست» في مقال لكاتب الافتتاحية جيم هوغلاند من أن نجاحات وزير الداخلية السابق خلال حملته الانتخابية لا تضمن نجاحه بشكل آلي على رأس الدولة. وقال هوغلاند «يجب ألا نتوقع أن يقوم ساركوزي فورا بتفكيك السياسة الخارجية لشيراك الذي كان يعتبر أوروبا ثقلا موازيا للولايات المتحدة». وأضاف ان ساركوزي معجب أكثر بالسياسة الداخلية الأميركية.

ورحبت صحيفة «وول ستريت جورنال» بفوزه. وقالت إنه يستطيع كتابة التاريخ ورسم دور جديد لفرنسا في العالم بتحقيقه آمال مواطنيه في التغيير. وشددت على ان مرشح اليمين لم يقدم أفكاراً متجانسة جدا، ورأت ان الفرنسيين لم يكن باستطاعتهم اختيار رجل أكثر اختلافا عن جاك شيراك ليحل محله، مؤكدة ان ساركوزي يحمل الطاقة والشباب والجرأة إلى قصر الاليزيه. وأشادت اللجنة اليهودية الأميركية إحدى ابرز المنظمات اليهودية الأميركية بانتخاب ساركوزي، مجددة إعجابها منذ أمد بعيد بتمسكه بالقيم الديمقراطية والتعاطف الذي عبر عنه لإسرائيل عندما كانت مهددة.

«يديعوت أحرونوت» تذكر ساركوزي بجذوره اليهودية

رحبت الصحف الإسرائيلية بفوز ساركوزي، معتبرة انه يمهد حقبة جديدة في العلاقات بين فرنسا وإسرائيل.

وعنونت صحيفة «يديعوت احرونوت» في صفحتها الأولى «حقبة جديدة في العلاقات مع فرنسا». وجاء في افتتاحيتها ان «الجذور اليهودية للرئيس الفرنسي الكاثوليكي المقبل أنعشت آمالا كبيرة في القدس، لكنه يبقى رئيس الجمهورية الفرنسية وليس رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وأضافت أنه من المهم ان يكون بدأ حملته الانتخابية في الخارج بزيارة النصب التذكاري لمحرقة اليهود في القدس، وهذه الزيارة تلزمه وهو مضطر الآن مواجهة تحدي الملف النووي الإيراني. كذلك رحبت صحيفة «معاريف» بما سمته الثورة الفرنسية التي سمحت لصديق واضح لإسرائيل بالوصول إلى الاليزيه للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة.

أولمرت : العلاقات مع فرنسا ستزداد قوة

«حماس» تأمل ان يعمل ساركوزي على رفع الحصار عن الفلسطينيين

عبرت حركة «حماس» أمس عن أملها في ان يعمل الرئيس الفرنسي المنتخب نيكولا ساركوزي من اجل رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وان ينتهج سياسة خارجة عن الهيمنة الأميركية، فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت ثقته في أن العلاقات بين إسرائيل وفرنسا ستزداد قوة تحت رئاسة ساركوزي.

وقال الناطق باسم حركة حماس فوزي برهوم ان الانتخابات الفرنسية شأن داخلي فرنسي والشعب الفرنسي عبر عن رأيه «ونحن نحترم خياره ورأيه». وأضاف «نتمنى ان يصب التغيير الحاصل في فرنسا باتجاه التعاون مع حكومة الوحدة الوطنية وان يساهم ساركوزي في رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني ودعم حقوقه الوطنية المشروعة»، مؤكدا ان لفرنسا مواقف جيدة مع الشعب الفلسطيني وقضيته والعرب. وشدد على ضرورة ان ينتهج ساركوزي سياسة جديدة خارجة عن الهيمنة الأميركية وتصب في دعم الشعوب المقهورة ودعم شعبنا.

في موازاة ذلك، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت في بيان صادر عن مكتبه ثقته في أن العلاقات بين إسرائيل وفرنسا ستزداد قوة تحت رئاسة ساركوزي. وأضاف أولمرت «لدي قناعة بأن التعاون بيننا سيكون مثمرا وأننا سنتمكن معا من دفع النشاط الدبلوماسي والسلام في منطقتنا»، واصفا فرنسا بأنها واحدة من أهم الدول وأكثرها تأثيرا في أوروبا والعالم على السواء.

ومن جانبه، صرح زعيم المعارضة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو ان الرئيس الفرنسي المنتخب صديق لإسرائيل يمكن ان يصغي إليه العالم العربي. وقال نتانياهو الذي يتزعم حزب الليكود اليميني إن سياسة فرنسا ستكون اكثر توازنا مع ساركوزي، وانه يدرك الاحتياجات الأمنية لإسرائيل ويمكن ان يسمع صوته للعالم العربي. وأضاف انه رجل يرى مصالح فرنسا من زاوية اخرى وانتخابه خير لإسرائيل وللعلاقات الفرنسية الإسرائيلية. وتابع «انه صديق لإسرائيل ونحن شخصيا صديقان منذ خمسة أو ستة أعوام. نتحادث باستمرار هاتفيا وسأتصل به لأهنئه على انتصاره».