فاز زعيم «الاتحاد من اجل حركة شعبية» في فرنسا نيكولا ساركوزي الليلة الماضية في الانتخابات الرئاسية بحصوله على 2 ,53 في المئة من الأصوات بفارق مريح عن منافسته الشرسة الاشتراكية سيغولين روايال التي حصلت على 8 ,46 في المئة، والتي أقرت بالهزيمة واعتبرتها «انتصاراً».
وقال ساركوزي في «خطاب النصر» أمام آلاف من أنصاره إنه سيفتح «صفحة جديدة» لفرنسا التي سيتولى رئاستها يوم 17 الجاري، ولم يتجاهل منافسته روايال التي قال إنه يحترمها ويحترم أفكارها والملايين الذين صوتوا لها، بقوله إن «النصر لم يكن نصراً لفرنسا ضد فرنسا أخرى.. بل كان نصراً لكل الفرنسيين، نصراً للديمقراطية والقيم العليا».وعبر عن «الفخر الذي لا يوصف الذي اشعر به لانتمائي» إلى فرنسا، معتبرا ان الفرنسيين اختاروا »القطيعة مع أفكار الماضي وعاداته وتصرفاته»، ودعا الجميع الى الاتحاد معه. وأوضح أنه يريد أن يعيد «إلى الفرنسيين فخرهم بفرنسا»، مؤكدا على أنه يريد «إعادة الاعتبار إلى العمل والسلطة والكفاءة». ووعد بتوفير الفرص لكل المهمشين، مطالباً بالتسامح والانفتاح.
وعبر عن احترامه لمنافسته الاشتراكية سيغولين روايال. كما وجه الرئيس الفرنسي الجديد العديد من الرسائل إلى العديد من الجهات: إلى أوروبا التي وعد تعزيز الاتحاد «والبناء الأوروبي... لأنني على الدوام أوروبي»، وإلى الولايات المتحدة التي وصفها بالحليف قائلاً إنه يمكنها الاعتماد على فرنسا مطالباً إياها بالمقابل باحترام رأي حلفائها، وإلى إفريقيا وحوض البحر المتوسط واعداً بنوع من الشراكة. وكان تعهد ساركوزي، وهو وزير سابق للداخلية وابن مهاجر مجري، تعهد خلال الحملة الانتخابية بإدخال إصلاحات وبالقضاء على الجريمة وخفض البطالة. ورغم أن النتيجة كانت متوقعة على نطاق واسع، عاشت العاصمة الفرنسية نشوة نصر أنصار ساركوزي قبل ساعات من إعلان النتائج الرسمية، فعلت هتافات الفرح مع بدء وصول التسريبات عن فوزه. وردد أنصار حزب الاتحاد من اجل حركة شعبية في ساحة الكونكورد: «لقد فزنا لقد فزنا» بينما كانت عمليات الاقتراع لم تنته بعد.
وفي الوقت ذاته كانت الأجواء كئيبة في مقر الحزب الاشتراكي في صفوف أنصار روايال التي خرجت بعد دقائق من ظهور النتائج مقرة بالهزيمة، لكنها دعت أنصارها إلى الاستعداد «لاستحقاقات ديمقراطية أخرى»، ملزمة بمواصلة «النضال» لجني ثمار ما وصفته بـ «الانتصار».وبينما يبدو وضعها الحزبي ضبابياً ناشدت أنصارها بالاعتماد عليها «لتعميق اليسار والوصول إلى التوافق المرغوب والذي يتعدى الحدود الحالية»، والتزمت العمل في «خدمة القيم والمثل الجمهورية من أجل انتصارات أخرى»، مطالبة إياهم بأن يبقوا على نفس الحماسة.وقالت إنه بسبب حملتها «ظهر شيء لن يتوقف وأنها ستواصل لعب دور بارز في السياسة الفرنسية».وفى خطاب قصير لم تذكر فيه نيكولا ساركوزي بالاسم، قالت إنها تأمل في أن يؤدى الرئيس المقبل مهمته في خدمة الشعب الفرنسي، لكنها في المقابل هنأت خصمها وتمنت له النجاح في مهمته، وتعهدت بـ «العمل سوية».
وسيرأس ساركوزي (52 عاما) فرنسا لولاية من خمسة أعوام خلفا للرئيس الحالي جاك شيراك الموجود في السلطة منذ 12 عاما، فيما يتوقع أن تقدم الحكومة الفرنسية التي يترأسها دومينيك دوفيلبان استقالتها خلال الساعات المقبلة. ويتردد اسم مستشاره فرنسوا فيون وجان لوي برلو وزير اللحمة الاجتماعية لشغل منصب رئيس الوزراء.
وكان ما يقترب من 35 مليون ناخب فرنسي، من بينهم الرئيس شيراك، أدلوا بأصواتهم بكثافة لاختيار الرئيس الجديد في ختام حملة انتخابية ساخنة أوصلت إلى قصر الإليزيه جيلاً جديداً «شاباً». ووفقا للتقديرات الأولية من معهد «تي.ان.إس سوفريس» فإن نحو 5 ,85 في المئة من الناخبين الفرنسيين المسجلين البالغ عددهم 5, 44 مليون ناخب أدلوا بأصواتهم ما يجعل ذلك واحدا من أعلى معدلات المشاركة في أي انتخابات رئاسية فرنسية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان ساركوزي يتصدر استطلاعات الرأي منذ خوضه الحملة الانتخابية في يناير الماضي. وفي الدورة الاولى في 22 ابريل حصل على 31 في المئة من اصوات الناخبين وهي أفضل نتيجة لمرشح يميني في هذه الدورة منذ اكثر من 30 عاماً. وتقدم في الدورة الاولى اكثر من خمس نقاط على منافسته الاشتراكية التي فشلت تاليا في ان تكون اول امرأة تتولى الرئاسة في فرنسا. والفوز المريح والواضح لساركوزي يعطيه تفويضا للمرشح اليميني لتطبيق برنامجه.
ابن المهاجر المجري الذي يريد تغيير فرنسا
حقق نيكولا ساركوزي حلم حياته فأصبح رئيسا لفرنسا التي يعتبر نفسه الرجل الوحيد القادر على إحداث «تغيير عميق» فيها وقطيعة مع الماضي.واستطاع ساركوزي دو ناغي بوكسا المتحدر من أب مجري مهاجر وأم باريسية محامية، تجاوز كل العقبات التي اعترضت مسيرته.
ويشيد مناصروه بطاقته التي لا تنضب وتصميمه وهم مقتنعون بأنه سيتمكن من إخراج البلاد من الوضع الصعب الذي تواجهه بينما يصفه معارضوه بأنه «عنيف» و«خطر» ويشبهونه بـ «قيصر صغير».وتتباين ردود الفعل على مواقف هذا الرجل الذي يدعو إلى القطيعة مع الوضع السائد ويريد ابتكار نموذج فرنسي جديد يعتمد على قيم العمل، بين الإعجاب والغضب أو الخوف.
دخل ساركوزي المعترك السياسي في التاسعة عشرة من عمره وبرز بسرعة في محيط جاك شيراك زعيم اكبر أحزاب اليمين حينذاك. وفي الثامنة والعشرين من عمره انتخب رئيسا لبلدية نويي، إحدى الضواحي الباريسية الراقية. وفي الرابعة والثلاثين من عمره أصبح نائبا، وبعد أربعة أعوام عين وزيرا.
وفي 2004 انتخب ساركوزي الذي درس المحاماة رئيسا للحزب الحاكم «الاتحاد من اجل حركة شعبية» الذي أنشأه جاك شيراك في 2004 ليحل محل الحزب الديغولي (التجمع من اجل الجمهورية). ويومها صرح بالقول: «مرت 25 سنة على معرفة الناس بي. في لحظة من اللحظات قالوا إنها له، إنها فرصته... انا مسكون بها، أفكر بها على الدوام». و«هذه» قصد بها ساركوزي بالطبع رئاسة الجمهورية.
ويرغب الرئيس الجديد في طي صفحة عهد شيراك الذي تدهورت علاقته به منذ «الخيانة» التي ارتكبها ساركوزي بحقه في 1995 حين دعم ادوار بالادور في مواجهة عرابه السياسي الذي فاز بالرئاسة. وبعد هذه المرحلة، لم تطل الفترة الصعبة من حياة ساركوزي السياسية، اذ سرعان ما أصبح لاعبا أساسيا في اليمين الذي أراده «بلا تعقيدات».
وفي وزارة الداخلية التي شغلها بين 2002 و2005 (باستثناء بضعة أشهر تولى خلالها حقيبة الاقتصاد)، انصرف ساركوزي إلى بلورة صورة «المرشح الرئاسي». وعمل على تسليط أضواء الإعلام على أدائه في مكافحة انعدام الأمن والهجرة غير الشرعية وشدد على سعيه «لقول الحقيقة» ما دفع البعض إلى اتهامه بـ «الشعبوية».
وأدت جملة استخدمها ساركوزي للتعبير عن رغبته في «تطهير» الضواحي من المشاكل من اجل مكافحة الجانحين وكلمة «الرعاع» إلى سلبه شعبيته بين الشبان المتحدرين من أصول أجنبية. وهذه العبارات أثارت انتقادات شديدة له خلال أزمة الضواحي خريف 2005. ويفاجئ ساركوزي الجميع باستمرار بمواقف غير متوقعة كما فعل على سبيل المثال:
عندما تحدث عن «التمييز الايجابي». وخلال الحملة الانتخابية عزز ساركوزي صورته كرجل حازم بتبنيه مواضيع تدغدغ مشاعر اليمين المتطرف، فاقترح مثلا استحداث «وزارة للهجرة والهوية الوطنية» ما أثار انتقادات حادة من جانب خصومه. لكنه رد على منتقديه بالقول انه يمكن للمرء الحديث عن الهجرة «من دون أن يكون عنصريا» وانه يريد استعادة ناخبي جان ماري لوبن.
ولم يكشف ساركوزي عن موقف ضعف سوى «مرة واحدة» حين تحدث عبر التلفزيون عن مشاكله الزوجية مع زوجته سيسيليا التي هجرته لفترة قبل ان تعود وتظهر إلى جانبه. ولساركوزي ولد واحد منها وولدان من زواج أول. ولتغيير صورته عمد «ساركو» كما يطلق عليه مؤيدوه تحببا إلى إبراز «إنسانيته» وهو يحرص على القول انه تغير. وفي مقابلة نشرت قبيل الدورة الاولى من الاقتراع، أكد انه يحمل ندوبا في كل مكان، لكنه أضاف ان «هذا الأمر طبيعي في المعركة السياسية عندما نريد الارتقاء».
توابع النص
*** الفائز يتصل بالخاسرة
اتصل ساركوزي بروايال مساء وهنأها على حملتها على ما افادت أوساط الرئيس المنتخب.
**النتائج بلجيكية
ظهرت أولى النتائج في وسائل الاعلام البلجيكية، إذ يحظر القانون الفرنسي نشر أي استطلاعات للنتائج استنادا على رأي الناخبين عقب ادلائهم بأصواتهم الا بعد اغلاق آخر مركز اقتراع في الثامنة مساء.
**استنفار أمني
انتشرت الشرطة في أنحاء البلاد بأعداد تماثل عشية الاحتفال بالعام الجديد أو مباراة كرة قدم هامة في كأس العالم وفقا لمصادر الشرطة. وتخشى السلطات من احتمال أن يقوم الشباب بأعمال شغب في الأحياء الفقيرة في حالة فوز ساركوزي.
وكان ساركوزى أثار غضب الأقليات التى تعيش فى مناطق تضم منازل مهدمة خارج المدن الكبرى من خلال وصفهم بانهم حثالة المجتمع وتعهد بتطهير هذه المناطق من خلال آلات تطهير صناعية قوية.
**مبارك أول المهنئين ويعد بعلاقة ممتازة
كان الرئيس المصري حسني مبارك أول مهنئي ساركوزي، مؤكدا له على «مواصلة العلاقة الممتازة بين فرنسا ومصر». وبحسب ما اعلن السفير المصري في فرنسا ناصر كامل: «اتصل مبارك بساركوزي فور اعلان النتيجة وهنأه بفوزه واكد له ثقته ان العلاقة الفرنسية المصرية ستظل ممتازة»، واضاف ان ساركوزي ومبارك اتفقا على تكثيف المشاورات بين البلدين حول ملف الشرق الاوسط وعلى الصعيد الدولي.
**إسرائيل: ساركوزي سيعتمد سياسة اكثر توازناً
توقع الناطق باسم الحكومة الإسرائيلية آفي بازنر ان يعتمد الرئيس الفرنسي المنتخب نيكولا ساركوزي سياسة اكثر توازنا في الشرق الاوسط.
وقال بازنر السفير السابق في باريس متحدثا للشبكة الاولى العامة في التلفزيون الاسرائيلي ان ساركوزي « قال ان زيارته الى نصب ياد فاشيم (لضحايا محرقة اليهود) في القدس شكلت منعطفا في حياته». ورأى من جهة أخرى أن «الفرنسيين صوتوا للتغيير»، وقال إن «ساركوزي ليس متطرفا بل ممثلا عن اليمين المعتدل وسيواصل السياسة الايجابية التي اعتمدها شيراك حيال يهود فرنسا».
(أ.ف.ب)



