قامة مهيبة، ووجه يحمل ابتسامة وقورة، وحديث متدفق، وإلمام واضح بشؤون القبائل.. كانت طريق الزعيم القبلي «الشرتاي» إبراهيم عبدالله إلى تبوء منصب مستشار والي جنوب دارفور لشؤون حل النزاعات القبلية التي شكلت بوابة عبور الإقليم إلى ساحة صراع محلي سرعان ما اتخذ أبعاداً إقليمية ودولية، ما فتئت تشكل عبئاً على السودان حكومة وشعباً وخاصة سكان دارفور الذين يدفعون الثمن في معسكرات النزوح.

في مقر الوالي في مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور راح الشرتاي وهو لقب يحمله كونه زعيماً قبلياً ذا وزن وسط عشيرته وباقي القبائل يتحدث إلى «البيان» ضمن وفد إعلامي إماراتي زار دارفور أخيراً عن طبيعة النزاعات القبلية في الإقليم وطرق حلها سلمياً قبل أن تتفاقم من دون أن يغفل أن الوضع خرج عن السيطرة في الفترة الأخيرة لأسباب عدة.

يقول الشرتاي عبدالله ان دارفور مجتمع عشائري له أعرافه وتقاليده التي تنظم طرق العيش والحياة وسط سكان الإقليم، وبالتالي فإن كثيراً من النزاعات يتم حلها بالمصالحات والجلسات العرفية. لكن الجفاف والتصحر الذي ضرب المنطقة في السنوات الأخيرة ألقى بظلاله على الصراع في دارفور،

فقد أطلت ظاهرة النهب المسلح في السبعينات من القرن الماضي برأسها ما أجج الصراعات بين القبائل. أضف إلى ذلك أن المشكلات التي وقعت في دول مجاورة مثل تشاد وإفريقيا الوسطى التي يتداخل سكانها مع القبائل السودانية زاد من تعقيد الوضع.

وعن طبيعة الصراعات بين القبائل قال الشرتاي إنها بالأساس تنشأ عن شح المياه والجفاف الذي يضيق الخناق على الرعاة والمزارعين ويخلق أزمات اقتصادية وسط السكان. ويشير إلى أن الصراعات الأولى كانت تتم بالسلاح البيض، غير ان انتشار الأسلحة النارية كان له تأثيره السلبي وزاد من عمليات القتل.

ومنذ السبعينات من القرن الماضي وحتى الآن شهد إقليم دارفور ضعف في أجهزة الأمن، وأدى عدم التدخل السريع لوأد المشكلات في مهدها إلى تفاقم الأوضاع. وبعد أن ظهرت الأجندات السياسية وحركات التمرد ضد الدولة أصبحت دارفور ساحة لكل من عنده أجندة رغم ان الأمر أخذ أبعاداً في نظري أكثر مما ينبغي.

لماذا؟ أجاب الشرتاي بقوله: ان الصراعات في دارفور ليست جديدة ففي الستينات وقعت نزاعات فيما شهد العام 1978 خلافات بين القبائل لكن الفارق بين الأمس واليوم كما يقول ان كل تلك القضايا انتهت بالصلح استناداً إلى الأعراف التي تحكم المجتمع الدارفوري.

وللتدليل على الصراعات التي يمكن حلها بالمصالحات أيضاً رغم الظروف الحالية ووجود حركات التمرد يشير الشرتاي إلى أن شهر يوليو 2006 شهد نزاعاً بين قبيلتي الهبانية والرزيقات وقد تم احتواء الخلاف بين الطرفين خلال 40 يوماً فقط.

وأهم من ذلك الصلح الذي تم بين بطنين من قبيلة الزغاوة في النصف الأول من شهر ابريل الماضي ورغم ان الخلاف بين الطرفين أخذ أبعاداً دولية تم الصلح وجرى الاتفاق على العودة الطوعية لآلاف النازحين من أحد المعسكرات.

سألت الشرتاي عن طريقة عقد المصالحات بين القبائل فقال: عندما تنشأ مشكلة بين قبيلتين يعرض عليهما الصلح من قبل الزعامات القبلية الأخرى، ويتم تحديد موعد للجلوس من أجل هذا الصلح وكل قبيلة ترسل مفاوضين (نحو 20 شخصاً) يمثلونها في المجلس كما يتم تحديد ما بين 15 إلى 20 من زعماء القبائل بموافقة القبيلتين لتولي التحكيم بين المتنازعين.

وفي هذه الجلسات تناقش الخلافات حسب حجمها وطبيعتها ويتم توقيع العقوبة على المخطئ وفقاً للأعراف وتدفع القبيلة المخطئة فدية (تعويض) للقبيلة الأخرى وهذه الفدية تتدرج من ست بقرات أحياناً وقد تصل إلى 70 بقرة وفقاً للأعراف بين القبائل.

لكن ماذا يحدث لمن لا يلتزم بالحكم الذي أقره المجلس العرفي؟ يقول الشرتاي ان ذلك يعرض صاحبه إلى عقاب اجتماعي ويصبح خارج العرف. ويشير إلى أن الفترة ما بين عامي 2002 إلى 2007 شهدت نزاعات أوقعت نحو 3 آلاف قتيل وقد جرى الصلح بين القبائل وبلغت قيمة الديات نحو 45 مليار دينار سوداني

ولأن عمليات القتل لم يستدل على القائمين بها فقد بادرت الإدارة الأهلية إلى إنشاء صندوق يتولى دفع تلك الديات، بعد أن تنازلت القبائل عن نصف المبلغ وقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير انه سيدفع 30 في المئة ونائبه قال أيضاً انه سيتحمل نسبة من تلك الديات من أجل إعادة الثقة بين القبائل. وفي الحقيقة فان دفع هذه الديات يشكل صمام أمن ودولة الإمارات العربية الشقيقة لها يد واصله في هذا الشأن.

لكن لماذا تأخر حل هذه النزاعات حتى تفاقمت وهل تخلت القبائل عن أسلوب المصالحات في الآونة الأخيرة؟ سؤال وجهته «البيان» إلى الشرتاي فقال: هذا يعود إلى أن كثيراً من المشكلات وقعت ما بين عامي 2000 وحتى 2004 وهي فترة التصعيد الحربي بين الحكومة وحركات التمرد التي احتلت القرى وهو ما صعب الأمور على الدور العشائرى.

لكن في السنتين الأخيرتين اختلف الأمر وعلى سبيل المثال فان النزاع الذي وقع بين قبائل الهبانية والزريقات وقبائل بني هلبة وأبناء المجاويد جرى حلهما في أقل من شهر وبالتالي نقول ان الانفلات الأمني حال في السابق دون إنهاء عدد من المشكلات.

وفي النهاية أشار الشرتاي إلى جهود تبذل مع شخصيات من قبيلة الفور من أتباع زعيم حركة تحرير السودان عبدالواحد نور من أجل الوصول إلى حلول، مشيراً إلى أن هؤلاء سلموا القائمين على تلك الجهود وبينها الشرتاي كشوف من قتلوا من أجل دفع الديات لأن عبدالواحد يتمسك بالتعويضات الفردية. مؤكداً ان الديات من أجل اليتامى. كما أشار إلى انه ستعقد قريباً مصالحة بين قبائل الفور وقبائل أخرى من أجل جذب عبدالواحد إلى العملية السياسية.

دارفور ـ طلعت إسماعيل