قالت مصادر جزائرية حسنة الاطلاع إن اتصالات تجري بين الولايات المتحدة والجزائر لاحتواء التوتر على خلفية معارضة القيادة الجزائرية قرار واشنطن إقامة قيادة عسكرية خاصة في القارة الإفريقية، وسط تنسيق ليبي مع الجزائر ودول القارة الأخرى لمنع إقامة هذه القيادة.

وقالت المصادر إن الجزائر عبرت بلغة دبلوماسية عن رفضها لهذا المسعى كونه لا يخدم مصلحة إفريقيا ولا تعزيز التعاون بينها والولايات المتحدة، ولا يخدم حتى مكافحة الإرهاب بالقارة والعالم. وبحسب ذات المصادر فإن الجزائر تفضل تعاونا ديناميكيا بين الجانبين في مكافحة الإرهاب العالمي وفي منع انتشاره بمناطق جديدة لكن دون إجراءات استعراضية وقرارات انفرادية تدفع في الواقع إلى الإضرار بمجهود الدول الإفريقية في مواجهة هذا الخطر.

وهذه النظرة أكدها أمين اللجنة الشعبية الليبي لشؤون الاتحاد الإفريقي والتعاون الخارجي عبدالسلام التريكي حين قال عقب لقائه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يوم الاثنين الماضي إن ليبيا والجزائر متفقان على رفض إقامة قيادة أميركية خاصة بإفريقيا. وأكد التركي على أن النيجر التي تقع على حدودهما اتخذت الموقف نفسه ويحتمل أن تسير مالي أيضا في نفس الاتجاه وهو ما يجعل المنطقة التي تريدها أميركا مجالا لتواجدها قرب منابع النفط «منطقة ممنوعة وخارج الحساب».

وسبق للجزائر أن أعربت على لسان وزير خارجيتها محمد بجاوي في مارس الماضي عن أن أراضيها لن تكون موطنا لقواعد عسكرية أجنبية وهو الموقف الذي وجد سندا واسعا من القوى السياسية في السلطة والمعارضة وفي الأوساط الشعبية الجزائرية عموما.

ولئن اقتصر تبرير الجزائر لرفضها استقبال القيادة الأميركية أو قاعدة عسكرية لها على أراضيها بمنع قانون البلاد ومبادئها لمثل هذه الاتفاقات، فإن الإدارة الأميركية قرأت الموقف على أنه رفض لقيام قيادة خاصة بإفريقيا وأنه استنفار وتحريض لدول القارة ضد المبادرة، بخاصة أن بجاوي كان أول مسؤول إفريقي يدلي بموقف بهذا الوضوح.

وكان الموقف الجزائري ربما مفاجئا لواشنطن لأسباب أهمها أن الجزائر هي أكبر شريك لواشنطن في الحرب على الإرهاب بالمنطقة وأنها الساحة المستهدفة الأولى من النشاط الإرهابي بوجود منظمات قوية تنشط منذ خمسة عشر عاما وخلف نشاطها مقتل نحو 200 ألف جزائري. ويقول خبراء جزائريون إن الموقف الجزائري يستند إلى أن إقامة مثل هذه القيادة يشكل إذلالاً لدول القارة. فكان أحرى أن تناقش واشنطن الموضوع مع الاتحاد الإفريقي قبل اتخاذ القرار.

وروجت الصحافة الجزائرية، الحكومية والخاصة، للموقف الرسمي وأشادت به واعتبرته ممارسة حقيقية للسيادة، فيما رأت فيه وسائل إعلام غربية وعربية «مواجهة عابرة» بين البلدين سيعقبها اتفاق حول الموضوع بالنظر لترابط الجانبين بمصالح كبيرة يصعب على أي منهما التفريط فيها. وفي ما يشبه الرد على هذه الطروحات أشار مسؤولون جزائريون إلى التفريق بين المصالح الاقتصادية والمواقف السياسية والنظرة إلى الحرب على الإرهاب التي تتعارض فيها نظرة البلدين في عديد من الزوايا.

فجاءت تصريحات من وزير الطاقة والمناجم لتؤكد أهمية التعاون مع الولايات المتحدة باعتبارها أكبر زبون للجزائر خاصة من البترول والغاز وأكبر مستثمر أجنبي في هذا المجال، مع أن السلطات الجزائرية فرضت ضرائب جديدة على استغلال المحروقات تحفظت عليها الشركات الأميركية ثم خضعت للأمر الواقع.

في المقابل أشار مسؤولون آخرون إلى أن البلدين لا يتقاسمان الموقف بخصوص عديد المسائل من بينها ما يتصل بالحرب على الإرهاب. وجرى تراشق بين الجانبين في المدة الأخيرة على أكثر من صعيد، فقد أدانت أوساط سياسية وإعلامية جزائرية إقدام السفارة الأميركية على نشر رسالة عبر موقعها على شبكة الانترنت تحذر فيها من تفجيرات جديدة تستهدف مبنى البريد المركزي في وسط مدينة الجزائر ومقر التلفزيون.

وندد رئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم شخصيا بالتحذير الكاذب واعتبره جزءاً من حرب نفسية يقودها تنظيم القاعدة لترويع الجزائريين. وشنت الصحافة الحكومية حملة كبيرة على الحكومة الأميركية واتهمتها بمساعدة الإرهاب كون البلدين يرتبطان باتفاقيات التعاون في مكافحة الإرهاب ولم تبلغ هذه المعلومات إلى قوى الأمن لاتخاذ الاحتياطات وبثت للجمهور الواسع لإفزاعه.

ومقابل المواقف الجزائرية «المتشددة» بخصوص القاعدة العسكرية والتعاطي مع الإرهاب، انحازت الولايات المتحدة كليا للموقف المغربي لأول مرة في تاريخها خلال النقاش الحاد الذي عرفه مجلس الأمن حول موضوع تصفية النزاع في الصحراء الغربية مؤخرا، ورأى المتتبعون في هذا الموقف إشارة من واشنطن بأنها يمكن أن تمسك الجزائر من «اليد التي تؤلمها» وهي نصرة الرباط في هذا النزاع الذي لم تتوقف الجزائر عن مساعدة جبهة البوليساريو فيه منذ عام 1973.

تكثيف الحملات الانتخابية والامنية

واصلت الأحزاب الجزائرية حملاتها الدعائية لاستقطاب أكثر من 18 مليون مقترع في الانتخابات البرلمانية المرتقبة في 17 مايو الجاري والتي يتنافس فيها ما يزيد على 2200 مرشح. وتشهد الجزائر حاليا تنظيم المئات من التجمعات الجماهيرية الانتخابية في مختلف الولايات الجزائرية الـ 48 سواء من الأحزاب أو من المرشحين المستقلين. في هذه الأثناء، شهدت الحملة الانتخابية إجراءات أمنية غير مسبوقة.

إذ استخدمت سلطات الأمن الجزائرية كلابا غير معروفة الفصيلة لمسح القاعة قبل بداية مهرجان خطابي لرئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم أول من أمس في مدينة الشلف غرب العاصمة. وكان الكلبان وهما قصيرا القامة ومدربان على اكتشاف المتفجرات والأسلحة يسبقان عددا من رجال الشرطة الذين يحرسون بلخادم، الذي لم يدخل الخطيب إلا بعدما تأكد القائمون على أمنه أن الكلبين لم يعثرا على ما يمكن أن ينغص الأجواء الاحتفالية للمهرجان.