دعا الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي د. أكمل الدين إحسان أوغلي في حديث خاص لـ «البيان» إلى تجذير الروابط وتفعيل التضامن ما بين الدول الإسلامية، والتأكيد على تبني المشروعات التي تدفع بشعوبها إلى النهضة، والإسراع في إذابة كل المعوقات التي تحول من دون وصول المجتمعات الإسلامية إلى الرقي والإنتاج، مشددا على أن حال وواقع الدول الإسلامية يعكس مدى قبول العالم له ويحدد مساحة تواجده في صنع القرار الدولي.

وأوضح أوغلي أن «هنالك تغييراً حدث منذ إنشاء المنظمة غداة مؤتمر الرباط العام 1969 عقب الحادث الآثم بإحراق المسجد الأقصى في القدس، حيث صادقت حينها 25 دولة على إنشاء المنظمة، ثم اتسعت عضويتها لتشمل 57 دولة، ليكمن التغيير في أن الدول الإسلامية خلقت كيانا دوليا ضخما يضم ويؤطر المجتمعات الإسلامية التي تقدر بخمس سكان العالم لتعتلي منظمة المؤتمر الإسلامي ثاني كبريات المنظمات السياسية الدولية بعد هيئة الأمم المتحدة».

وفي بداية حديثه سلط الضوء على المراحل التي مرت بها الدول الإسلامية ومدى تأثيرها وتأثرها بالمجريات السياسية العالمية في ظل إنشاء منظمة الدول الإسلامية، حيث قال إن «منهجية وسلوك الدول الإسلامية ومدى تأثيرها وتأثرها في القرار الدولي يتحدد وفق المعطيات والأحداث السياسية التي جرت في القرن الماضي والتي جرى دفنها تماما ليطل الآن العالم علينا بمنهجية مختلفة عما كان في السابق،

فالآن هنالك قوى واحدة وعناصر معادلة القطبين تبعثرت وتبخرت، بينما تجد تكتل الاتحاد الأوروبي ودوره أصبح أكثر وضوحاً، أما إذا ما نظرنا إلى حال وواقع الدول الإسلامية فنجده الآن أكثر نشاطا حيث ازدادت مساحة وجوده في لعب دور أكثر فاعلية في الجسم الدولي».

وشدد على أن «الشعوب الإسلامية تعد أكبر الشرائح السكانية على وجه الأرض وتمتد حضارتها لتشمل حقبات تاريخية شهدت حسن إدارتها للبلاد والعباد، وأن ما يتمتع به ديننا الإسلامي من مضامين إنسانية واليات ناضجة وواعية في تعاملها مع الثقافات الأخرى إنما أهل امتنا لان تتبوأ مكانة الصدارة في تقبلها لجميع الثقافات».

وقال إن «هنالك عدة عوامل علينا اتباعها لتحسين أداء الأمة إلى نحو يليق بها وبحضارتها وثقافتها، فهنالك شريحة من بلداننا الإسلامية تميزت بكفاءة عالية في المنهجيات السياسية والاقتصادية والتعليمية ولقحت اجساداها بانجازات ملحوظة فاقت الجغرافيا الوطنية في تأثيرها على المجتمعات الخارجية لبعض المجالات الحياتية للشعوب الخارجية،

فلو تناولنا هذه الشريحة لصالحنا وجعلنا بينها وبين الدول الأخرى التي تعاني من مشكلات اجتماعية وشوائب سياسية واقتصادية لغة حوار يفضي عنها فتح قنوات شاسعة للتعاون». وأوضح أن «تهميش حالة الفقر والبطالة التي أصابت بعض بلدان الدول الأعضاء لدرجة أن هذه الحالة نخرت إبداعات وإمكانات مجتمعاتها إنما يمثل نافذة صحية لتنفس شعوبها برياح النهضة».

وتابع «ومن هنا أكد مؤتمر القمة الإسلامية الأخير، الذي انعقد في مكة المكرمة، والذي قامت منظمة المؤتمر الإسلامي في الإسهام بفاعلية في صياغة جميع الأهداف والبرامج التي تكفل تفعيل الروابط والصلات بين الدول الأعضاء على تعزيز التعاون فيما بينها

وبما يخدم رفع التبادلية بينها وذلك من خلال رفع سقف التجارة البينية ودراسة إمكانية إنشاء منطقة التجارة الحرة بينها لتحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي ومن جهة أخرى تعزيز المساعي الرامية إلى مؤسسة التعاون بين المنظمة والمؤسسات الإقليمية والدولية العاملة في مجالي الاقتصاد والتجارة».

وقال «من منطلق رفض بقايا الانعزالية للعالم الإسلامي وتبني مفهوم إشراكنا كعنصر مهم في الحياة الدولية طالب المؤتمر بدعم الدول الأعضاء الراغبة في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ودعا إلى تسهيل حركة رجال الأعمال بين الدول الأعضاء

ودعم مفهوم التجارة الالكترونية ودعوة الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة في تعزيز نشاطها في عملية تبادل المعلومات والخبرات بين غرف التجارة في الدول الأعضاء، وهذا المفهوم أو هذه الدعوات تعطي العالم مؤشرا يترجم مدى رغبة العالم الإسلامي في بقائه ضمن الجسم الدولي دون أية معوقات لنؤكد اننا منفتحون إلى أقصى درجة، ونسعى إلى جعل تواجدنا وهيئاتنا وحكوماتنا تحتل مساحة كبيرة في الحياة العصرية».

وأشار إلى أن المنظمة «طالبت البنك الإسلامي للتنمية بإنشاء صندوق خاص يهدف إلى المساهمة في معالجة مشكلات الفقر من خلال التخفيف من وطأته وتوفير فرص العمل وطالب أيضا بتكليف الأمانة العامة للمنظمة إلى جانب البنك الإسلامي للتنمية بإجراء الاتصالات اللازمة مع منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الأخرى ذات العلاقة لوضع برامج لمكافحة الأمراض والأوبئ

ة لتمول من هذا الصندوق كما حث على توسعة الاستثمار والتجارة البينية وانجاز مزيد من الدراسات وتوفير المعلومات اللازمة لتطوير المشروعات المشتركة والترويج لها كما دعا إلى ضرورة تحسين مؤسسات التعليم والتعليم العالي ومخرجاتها»

وشدد على ضرورة «أن تعترف الدول الإسلامية بعجزها في استقطاب المبدعين إليها لذلك أنا أرى أنها مطالبة بإعادة صياغة تشريعاتها وذلك تحقيقا لمبدأ رفع سوية العنصر البشري بغية إدخال كفاءات إلى نسيجها تعمل على إيجاد حاضنات تفرز نتاجا إبداعيا في طبقات الجيل المقبل،

فلا يمكن لمبدعي الغرب أو في الدول المتقدمة الآن الاقتراب إلينا دونما حدوث تغيير جذري لهياكلنا القانونية إذ انه لا يزال العالم الإسلامي يفتقر إلى خاصية كسب الطبقة المفكرة والمثقفة المسلمة واستيعابها إلى نحو تتمكن هذه الطبقة من تحقيق الإنتاجية لدينا

كما تحققها الآن في الغرب، إن العقول الحديثة والمنسجمة مع تطورات العصر تحتاج إلى بيئة خصبة تتفاعل معها وهنا تتمثل الديمومة في اتجاه استقطاب جميع الفئات المسلمة من الخارج بينما تتمكن امتنا من امتصاص جميع المتغيرات بسلاسة».

واستعرض في ختام حديثه، جملة المبادئ التي تسير عليها الدول الأعضاء ومن أهمها الاستخدام الأمثل للموارد البشرية والطبيعية والاقتصادية المتوفرة في العالم الإسلامي والاستفادة منها في تعزيز التعاون بين دوله والعمل على تنفيذ خطة عمل ترمي إلى تطوير هذا التعاون من خلال إنشاء منطقة التجارة الحرة كما أوضحت في السابق ودعم أنشطة اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري (كومسيك)،

كما رحب مؤتمر مكة الأخير بإنشاء المؤسسة الإسلامية الدولية لتمويل التجارة استجابة لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، ودعا أيضا إلى «ضرورة رفع رأس مال البنك الإسلامي للتنمية لتمكينه من تلبية احتياجات الدول الأعضاء».

القضية الفلسطينية مصدر توحيد للأمة

خصّ أوغلي في حديثه القضية الفلسطينية، مؤكدا على أنها لا تزال القضية المركزية للأمة الإسلامية»، وأضاف «من شأن هذه القضية توحيد الموقف الإسلامي من الحل الشامل لقضية فلسطين وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية وخارطة الطريق وهذا التوحد حيال هذه القضية إنما يعطي أملا حقيقيا لشعوبنا في وجوب تقاطع مصالح الأمة ويثبت مدى تأثيرنا الدولي إزاء قضايانا السياسية والدينية».

وشدد على ضرورة «توفير الجهود الرامية إلى المحافظة على طابع القدس الإسلامي والتاريخي وتوفير الموارد الضرورية للحفاظ على المسجد الأقصى وباقي الأماكن المقدسة وحمايتها والتصدي لسياسة التهويد ودعم المؤسسات الفلسطينية وإنشاء جامعة الأقصى في مدينة القدس،

حيث دعا مؤتمر مكة إلى دعم وقفية صندوق القدس بحيث يسهم فيها كل مسلم بدولار واحد إلى جانب مساهمة الدول الأعضاء وذلك من اجل الحفاظ على المقدسات وفي مقدمتها المسجد الأقصى».

حوار: رشيد الشنطي