أعرب البابا شنودة الثالث بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية عن عميق شكره وعرفانه لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات وللفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأشاد بحالة التسامح الديني التي يعيشها أبناء الجاليات المسيحية في الدولة وتمكينهم من أداء شعائرهم الدينية بكل أمان.
وشدد البابا شنودة، في حوار مع «البيان» خلال إقامته في قصر الإمارات إبان زيارته الدولة، على أن العلاقات بين الأقباط والمسلمين علاقة رحم، معرباً عن أمله بأن يسود المنطقة جو التسامح والسلام وان يتمكن الفلسطينيون من إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وأن يعود السلام والأمن والطمأنينة لأبناء الشعب العراقي ولبنان وكل أرجاء المنطقة.
وثمن الأنبا شنودة في حديثه إلى «البيان» على خلفية زيارته دولة الإمارات لتدشين «كاتدرائية القديس الأنبا أنطونيوس» للأقباط المصريين في أبوظبي، سياسة التسامح الديني وإرساء مبادئ الحوار بين الأديان التي تنتهجها الدولة استكمالاً للنهج الذي وضع أسسه وقواعده المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث أكد على أن هذه السياسة تقوي دور الإمارات على المستويين الإقليمي والعربي والعالمي كدولة رائدة تعمل من اجل السلام وتجمع بين البشر لا تفرق بينهم على أساس عرق أو دين أو عقيدة.
وأوضح أن العلاقات بين الأقباط والمسلمين علاقة رحم وهي علاقة تاريخية ممتدة بجذورها منذ فجر ميلاد السيد المسيح وظهور الإسلام، مؤكداً على أن المسيحيين في الوطن العربي بمختلف طوائفهم جزء لا يتجزأ من نسيج الأمة العربية، معرباً عن أمله بأن يسود المنطقة جو التسامح والسلام وأن يتمكن الشعب الفلسطيني من اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على ترابه الوطني وان يعود السلام والأمن والطمأنينة لأبناء الشعب العراقي ولبنان وكل أرجاء المنطقة والمعمورة.
وأبدى عدم تخوفه من هجرة الأقباط لخارج مصر مذكراً بأن القيود التي تمارس على طالبي الهجرة حاليا أصبحت تحول دون هجرة الكثيرين وخاصة للولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وأشار أن حصول القسيسين على فيزا الزيارة أو العمل أو الهجرة إلى تلك الدول أصبح مقيدا بشروط إتقان اللغة الانجليزية وإثبات حسن السيرة والسلوك،
واعتبر أن الحكومة المصرية معتدلة في توجهاتها وحريصة على تأمين حرية أبناء الجاليات المسيحية، رافضا التعليق على رفض إحصاء أعداد المسيحيين في بلاده. وأكد أنه لا يهدف من خلال إظهار أو عدم إظهار أعداد المسيحيين في مصر من الحصول على حقوق أو مكاسب سياسية أو طلب تحديد « كوتا» في مجلس الشعب.
في المقابل قال البابا إنه حريص على المشاركة السياسية داعيا الناس ليكونوا على صلة بالله وتجنب الصراعات العقائدية والطائفية لأنها في النهاية لا تخدم سوى أعداء الأمة العربية، إسلامية ومسيحية. وانتقد شنودة ما يجري من اقتتال في العراق وافتعال أزمات ما بين السنة والشيعة مبديا تخوفه على أبناء الجالية في العراق لأنهم ليسوا طرفا في هذا الصراع وتمنى للعراق السلام وعودة الاستقرار لأن العنف يدفع بالناس إلى هجر الأوطان سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين.
من جانب آخر، قال انه يرتبط بعلاقات صداقة قوية مع شيخ الأزهر ويحرص سنويا على إقامة الموائد الرمضانية التي تنتشر بالكنائس لإيجاد جو من المحبة بين المسلمين والمسيحيين مذكرا بمشاركاته العديدة في المؤتمرات الإسلامية التي تعقد في معظم دول العالم الإسلامية.
وأبدى عدم تخوفه على المسيحيين في الوطن العربي ودعاهم للتمسك بالإيمان وقال إنه «حيثما يوجد إيمان لا يوجد خوف»، معربا عن أسفه من كتابات ودعوات وانتقادات بعض العلمانيين والمتطرفين ضد التواجد المسيحي أو الحصول على الحقوق المكتسبة في مصر ودول عربية أخرى لم يسمها.
وأكد شنودة أن انشقاق رجل الدين القبطي مكسيموس عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأم في مصر ليس ذا أهمية في الأوساط القبطية والمسيحية، مشيرا إلى عدم وجود كنيسة واحدة في العالم معترف بها له وأن مصر لم تعترف به، لافتاً إلى أن مكسيموس أطلق علي نفسه اسم الأنبا مكسيموس الأول وأعلن في حديث صحافي تأسيس مجمع مقدس مرتبط بالمجمع المقدس للمسيحيين الأرثوذكس في الولايات المتحدة وأن الأخيرة نفت صحة هذا الادعاء.
ودعا بابا الاسكندرية الصحافيين إلى نزاهة النشر وعدم الانجراف وراء خدمة طرف دون الآخر، مؤكدا على أهمية تسخير الإمكانيات العربية الإسلامية والمسيحية لرفع الظلم عن الفلسطينيين ومواجهة التعنت الإسرائيلي وتحقيق السلام على الأرض الفلسطينية وعاصمتها القدس مذكرا بدفاعه الدائم وفي جميع المحافل عن الحقوق الفلسطينية المغتصبة.
وأبدى قلقه من الممارسات الإسرائيلية تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية وخص بالذكر المسجد الأقصى وما يدور حوله من حفريات، مؤكدا على أن هذه الممارسات لا تخدم عملية السلام والتعايش السلمي بين أتباع الديانات الثلاث الاسلام والمسيحية واليهودية لوجود أماكن العبادة للجميع في فلسطين منذ زمن محذرا من خطورة الضغط على الفلسطينيين كطرف رئيسي في الصراع العربي الإسرائيلي مشيرا أنه في إحدى المرات رد على ما يقال بأن اليهود قدموا لفلسطين بوعد الهي بالقول: «إنهم قدموا بوعد بلفور».
وحذر من خطوة المواقف الأميركية الداعمة دائماً لإسرائيل على حساب العرب متمنيا تكاتف الأئمة لحل خلافاتها مع نفسها قبل عدوها مؤكدا على ثوابت العقيدة للمسلمين والمسيحيين في الدفاع عن حقوقهم في عصر العولمة الذي تبدلت في الكثير من الأمور باسم الحرية.
وأكد أهمية تفعيل الدور الإنساني من خلال المشاركة الايجابية في المحافل والمناسبات التي تخدم ألائمة وقال أن الاستفتاء على الدستور في مصر الذي جرى مؤخرا كان مطلب وواجب وليس لأحد على الآخر شرط تحديد ما يريد ولكن المهم في الأمر هو المشاركة مشيرا أن لا مطامع سياسية له وأنه كرجل دين سخر نفسه للعبادة وليس للانشغال بالسياسة.
وأشار شنودة لأهمية عدم التطفل على واجبات الغير وقال حينما يطلب منا أداء أي عمل وطني فيجب أن نلبي ما يخدم أمتنا ولا ننشغل بالانتقاد والتجريح كما هو حال «المعارضة التي تعارض لأجل المعارضة». وأبدى عدم اعتراضه بأن يطلق عليه «البابا العربي» لأن همومه لا تقتصر على مصر بل تمتد لكافة الدول العربية مشيرا أنه مع ما يخدم الأمة العربية رافضا عدم التعليق على قلة عدد ممثلي الأقباط في البرلمان المصري وقال المهم التمثيل وليس العدد.
ودعا الجميع للعمل وقال «من ليس له عمل يوجد الشيطان له عمل» وعلى الكنيسة القيام بدورها في الرعاية الدينية والروحية لحماية الشباب من الانحرافات الاجتماعية من خلال عقد اللقاءات والمؤتمرات الشبابية وتأمين حرية التعبير للجميع .
من جانب آخر، أكد شنودة موقف الكنيسة القبطية من مسألة الطلاق مشيرا أنها تحكم بواسطة الإنجيل وليس للكنيسة حق التصرف بأحكامه ما عدى في حال ثبوت ممارسة الزنا أو تغير الدين وقال لو عملنا بغير ذلك فسوف نخرج لمذهب آخر، مشيرا إلى أن الكاثوليك لا يؤمنون بالطلاق وحتى في حال وقوع الزنا. وأضاف أن موقف الكنيسة في هذا الأمر أصبح معروفاً وثابتاً لأبناء الدين والجالية وحتى وإن حكمت المحكمة بالطلاق لغير ما ذكر فلا تسمح الكنيسة بالزواج مرة ثانية والتزويج ليس من حق المحكمة ولا توجد على الأرض قوه تحكم الكنيسة سوى الإنجيل وأحكامه.
واختتم حديثه بالدعوة إلى الابتعاد عن معصية الله سبحانه وتعالى والتمسك بالإرادة والتحلي بقيم الصراحة ومكاشفة النفس للوصول إلى الإيمان الحقيقي والتمتع بحلاوة وصدق المحبة الإلهية للبشر، معرباً عن قناعته بقدرة الإنسان على التغلب على الشعور باليأس والقنوط والإحباط مهما كانت شدة المحن التي يقع فيها لأنه بقوة الإرادة والإناء والصبر سوف ينتصر ويرجع لصفاء نفسه والتمتع بقوة الإيمان مع الله وخدمة الناس والمجتمع الذي ينتمي إليه وربما تمتد خدمته محيط وطنه للبشرية جمعاء.
أبوظبي ـ إبراهيم السطري
