دارفور اسم بارز بين أسماء البؤر الملهتبة في العالم ، وعنوان يتصدر واجهة الأحداث ومقدمات نشرات الأخبار و«منشيتات» الصحف، باعتبارها واحدة من مناطق التوتر والنزاع. لكن يبقى إقليم دارفور السوداني، وهو بحجم دولة مترامية الأطراف، جزءا من ارض بلد عربي يواجه اياما صعبة، وتكالبا دوليا، عبر أجندات معلنة وأخرى خفية، في ظرف إقليمي ودولي غاية في التعقيد، ووسط ضعف عربي يغري بالمزيد من الضغوط على السودان الذي يشعر وكأنه وحيد يصارع في أكثر من جبهة، في جردة حساب عن إغفال حكومي لهذه المنطقة.

خيوط الأزمة متشابكة، وأطرافها متعددة ، والمشكلة تستعصي على الحل الشامل ،رغم الجهود الكثيرة للامساك بتلابيب سلام يبدو مراوغا حتى اللحظة. وصلنا إلى دارفور كفريق يمثل عددا من المؤسسات الإعلامية الإماراتية، بعد رحلة استغرقت أكثر من ست ساعات طيران من دبي ،مرورا بالخرطوم، وعيوننا على المكان الذي بات مقصد الكاميرات والأقلام . في الطريق إلى دارفور استمعنا إلى كلام كثير عن مأساة النازحين، لكننا شاهدنا أكثر، عندما زرنا ولاياتها الثلاث ( الشمال والجنوب والغرب) ، وتفقدنا مخيمات النزوح في الفاشر ونيالا ، في مهمة تقصي حقائق عن اوضاع تناهشها الاعلام الغربي بعيون اكثرها منحاز، وقليلها منصف، وفي ظل غياب للاعلام العربي الذي اشتكى اهل السودان، مسؤولين ومواطنين ،من تجاهله لقضاياهم.

**بداية قبل الانطلاق في رحلة ، كانت الصورة عن دارفور كما تتناقلها وسائل الاعلام الغربية، عبارة عن صحراء جرداء تغرق في معسكرات البؤس والشقاء، التي تضم بين جنباتها اكثر من مليوني نازح، وهو رقم قال معظم المسؤولين السودانيين الذين التقيناهم في الخرطوم ودارفور انه مبالغ فيه للغاية، وان الرقم التقديري ينحصر بين 450 الفا و650 الف نازح.لعبة الارقام والارقام المضادة لم تستحوذ على اهتمامنا بقدر تلهفنا على الوصول الى هؤلاء البشر، الذين شاء حظهم العاثر ان يكونوا وقودا لصراع هو نتاج سنوات طويلة ،انشغلت فيها الحكومات السودانية المتعاقبة بحرب الجنوب، عن تنمية منطقة يشعر اهلها بانهم مهمشون، وما ان تنفست الحكومة الحالية الصعداء بتوقيع اتفاق سلام نيفاشا مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، حتي وجدت نفسها امام استحقاق جديد لكنه في الغرب هذه المرة.

ورغم ذلك فان الصورة ليست سوداء تماما كما يريدها اعلام غربي منحاز، ولا هي بيضاء كما قد يطمح البعض من اهل السودان ومريديهم . فمعسكرات النزوح التي تضم مئات الاف الهاربين من قراهم، حقيقة قائمة لا يمكن انكارها بوصفها مأساة انسانية.

وان اختلفنا على عدد اللاجئين اليها، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ان تلك المعسكرات نقط متناثرة على اطراف مدن كبيرة وحواضر عامرة، تضم اكثر من خمسة ملايين انسان يحظون بحياة عادية ومستقرة. وربما تكون نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور خير مثال على ذلك بشوارعها الفسيحة المرصوفة ومبانيها العالية واسواقها، حيث يتفنن الباعة في طرق عرض بضائعهم سعيا لاجتذاب المزيد من المشترين الذي تفيض بهم الشوارع والطرقات والمقاهي الشعبية.

**أبوشوك في الفاشر

في مطار الفاشر عاصمة شمال دارفور، حطت بنا طائرة عسكرية من طراز «انتينوف 30 » مع ساعات الصباح الاولى ، كان في استقبالنا عدد من الوزراء والقادة العسكريين السودانيين في الولاية.. المطار فسيح ويعج بطائرات تابعة لقوات الاتحاد الافريقى واخرى تابعة للامم المتحدة. ويعكس تطورا عمرانيا وحضاريا محا صورة الصحراء الجرداء التي ترسبت في اذهاننا عن دارفور.

من هناك انتقلنا الى قيادة المنطقة العسكرية الغربية حيث كان في انتظارنا اللواء علي الشريف الطاهر قائد المنطقة، بقامته العسكرية الفارعة وابتسامة قلما تجدها على وجوه العسكريين في المناطق الملتهبة، قال الرجل ان الاوضاع الامنية على خير ما يرام وانه لم يحدث أي حادث ذو قيمة في المنطقة منذ يناير الماضي . الترحيب الودود لم يهدئ من لظى رغبتنا في تفقد احوال النازحين والوقوف على اضاعهم على الطبيعة ، ادرك الرجل بألمعيته تلك الرغبة.

انطلق موكبنا الى مخيم ابوشوك بعدما عرجنا على مقر الوالي عثمان يوسف كبر، الذي قدما لنا فكرة موسعة عن طبيعة الصراع الذي بدأ بين مجموعة من الرعاة واخرى من المزارعين، على الموارد الطبيعية الشحيحة بسبب التصحر والجفاف. وسرعان ما تلقفته حركات سياسية محلية تلاقت مع اجندات اقليمة ومحلية لينفجر الصراع في عام 2003 ويتصاعد على نحو ما تم، حتى جاء اتفاق ابوجا للسلام الذي وقع في مايو 2006.

كانت الشمس في كبد السماء عندما اقتحمت سيارات الدفع الرباعي مدخل المخيم الذي فوجئنا بانه عبارة عن شارع رئيسي تصطف على جنباته عشرات المحلات الصغيرة التي تتولى بيع كل شيء، من التبغ الى اشرطة الكاسيت مرورا بالخضروات والفواكه، فيما كانت مئات الخيم وبيوت القش تتناثر هنا وهناك.

التف حولي عدد من الشباب والاطفال بمجرد ان نزلت من السيارة ، ظن البعض في البداية اننا نمثل احدى منظمات العمل الانساني التي تتولى تزويد النازحين بالغذاء والمواد الطبية، لكن عندما ادركوا طبيعة عملنا اشار البعض الى رجل يناهز الستين عاما قالوا انه العمدة، اقتربت منه قال :اسمي حسن عبد الله باخور، كنت عمدة في قرية الطويلة قبل ان انتقل مع النازحين الى هنا. اناواحد من بين 21 عمدة يضمهم هذا المعسكر.

بعد ذلك دخل الرجل في صلب الموضوع حتى قبل ان اسأله قائلا: السبب الرئيسي في نزوحنا «الجنجويد» فقد قام هؤلاء بدعم من الحكومة بالاعتداء علينا. قلت له ان الحكومة تقول ان هؤلاء مجموعة من قطاع الطرق من مختلف قبائل المنطقة ولا علاقة لها بهم .

سارع الرجل بالرد: من اعتدى علينا كانوا يرتدون زيا عسكريا يشبه لباس جنود الحكومة. وهنا التقطت خيط الحديث امرأة عجوز ربما تجاوز عمرها السبعين عاما قائلة: انا مريم يوسف حسن جئت من قرية الجدارة التي تبعد كثيرا عن الفاشر بعدما حرق «الجنجويد» قريتي . سألتها من هم «الجنجويد»؟ اجابت: اناس يرتدون الزي الكاكي ويركبون الجمال والخيول وبعضهم عربات وقاموا بالاعتداء علينا وكانت الطائرات تحوم فوق رؤوسنا.

ولانه تصادف ارتدائي زيا كاكيا قلت لها: انا ارتدي اللون نفسه فهل انا من الحكومة ؟ سارعت بالنفي على الفور، مؤكدة ان من اعتدى على قريتها كانوا يلبسون «الكاكي المرقط»، تقصد زيا مموها بلون الكاكي من النوع الذي يلبسه الجنود.

**عالقون هنا

عدت الى العمدة حسن باخور، قلت له ان الحكومة وقعت اتفاق سلام مع المتمردين فلماذا لا تعودوا الى قراكم؟ اجاب: المتمردون ثلاث جبهات واحدة بقيادة مني اركو مناوي ( حركة تحرير السودان- وقع اتفاق ابوجا) والاخريان يقودهما عبد الواحد نور(حركة تحرير السودان- لم يوقع على الاتفاق ) والدكتور خليل ابراهيم(حركة العدالة والمساوة- لم يوقع الاتفاق) وقد وقعت جبهة واحدة فقط ولم توقع الجبهتان الاخريان. قلت للعمدة ان الحكومة تقول ان من وقع يمثل الجبهة الاكبر والاكثر عددا، فاحتد: «هذه اكاذيب». واردف: «نحن هنا في المخيم 21 عمدة ومن وقع لا يمثل سوى اثنين منا».

سألته مرة اخرى ان من لم يوقعوا اتفاق ابوجا لا يمثلون سوى 2% من اهل دارفور، فقال : هذا الكلام غير صحيح ونحن هنا 53 الف نازح ،منهم 3 الاف فقط ينتمون الى من وقع اتفاق ابوجا. سألته انت اذن لست مع السلام ؟ اجاب: انا مع السلام واريد من باقي الجبهات التوقيع على اتفاق السلام ولكن بعد الاستجابة لشروطها من قبل الحكومة. سألته : لكن هذه الشروط تعجيزية ؟

رد نحن لا نريد سوى اعادة اعمار بيوتنا وتعويض من ضاع ماله وتوفير الامن في قرانا وعندها سوف نعود . قلت له ان الحكومة تسعى من جانبها لتوفير الامن ووقعت على اتفاق السلام واعطت للمتمردين مناصب ومميزات، ويقال ان المتمردين يستغلون بقاءكم في المخيمات للدعاية في الخارج؟ فرد: هذا الكلام غير صحيح واذهب الى قرانا حتى ترى كيف حرقت .

تدخل في الحديث شاب كان يقف على مقربة لكنه لم يذكر اسمه، قال: نحن رهينة بين حجري الرحى ( يقصد أنهم عالقون بين الحكومة وحركة التمرد) كل ما يعنينا السلام والأمن وكل من في هذا المخيم أناس عاديون وبسطاء، يقيمون في حماية الحكومة وبالتالي فهي مسؤولة عنهم ونحن في رقبتها وليس في رقبة المتمردين.

نازح أخر هو إسماعيل علي، في العقد الثالث، كرر نفس الاتهامات للحكومة و«الجنجويد» بحرق قريته. قلت له: اذا كانت الحكومة متورطة فلماذا اقامت لكم هذا المعسكر وتتولى حمايتكم؟ فرد: الحكومة لا تطعمنا، المنظمات الدولية من يقوم بمساعدتنا، وكل ما نريده ان تتفق الحكومة والحركات المتمردة في الداخل والخارج من اجل العودة إلى قرانا.

**صغار في السريف

في معسكر السريف المقام على اطراف مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور، التي تبعد عن الفاشر مئات الكيلو مترات، كان المشهد اشد بؤسا.. فالمكان عبارة عن ساحة كبيرة تكتظ بها الخيام الصغيرة المصنوعة من بقايا اكياس الطحين التي توزعها منظمات الاغاثة. وبعضها يحمل العلم الاميركي الذي تضغط ادارة بلده على السودان ليل نهار ملوحة بالعقوبات والحصار.

اخترت ان اتحدث في البداية الى عدد من الاطفال الذين التحق اهلهم بالمخيم قبل ان يتعلموا النطق، والان بات بعضهم في المدارس بعد طول المقام. عاطف ادم محمد في السابعة من عمره كل ما يعرفه انه جاء من اباجورة ليتعلم الاناشيد في المدرسة المقامة قرب المخيم، اما اخته فردوس الاكبر سنا(13 عاما) فكانت اكثر ادراكا لما يدور حولها، قالت: اود العودة الى قريتنا فانا هنا لا اتعلم شيئا .

فادي محمد (12عاما) جاء الى المعسكر قبل 3 سنوات مع اسرته وهو يخشى العودة الى قريته. سألته لماذا ؟ فلم يتمكن من إعطائي اجابة . لكن فردوس علي عبدالله (13 عاما) كانت عندها الاجابة: في قريتنا (جليجل) مشاكل كثيرة ونحن هنا لا نتلقى تعليما وانا حتى الان لا اعرف القراءة والكتابة.

انتقلت الى مجموعة من النسوة كن يقفن تحت لهيب الشمس. على بعد امتار مني قالت واحدة منهن (في العقد الرابع) : اسمي امونة حسن عمر، جئت مع زوجي وابنائي من كشالانجو وهي ليست بعيدة ولا قريبة من نيالا وبينما. بدأت تسترسل في الحديث عن سبب نزوحها ظهر رجل وقال بضع كلمات غير مفهومة فسارعت النسوة الى الانصراف.

عرفت فيما بعد انه عمدة وكان غاضبا لان البعثة المرافقة لنا لم تنسق معه قبل مجيئنا. احتوى المرافقون الموقف وانتقلت بعدها للحديث مع الشيخ عبد الرحمن عبد الله ادريس، الذي يتولى عرفيا قيادة كافة العمد في مخيم السريف والجميع يسمعون كلامه. قال الرجل وصلنا الى هنا في 12 اكتوبر 2004 . كان عدد النازحين وقتها لا يتجاوز 150 شخصا لكن بعدما وصلت هيئة الاغاثة الاسلامية التابعة لرابطة العالم الاسلامي بدأ النازحون يتوافدون بكثافة. واضاف الرجل الذي يترأس ايضا لجنة الغذاء في مخيم السريف: عددنا الان 2457 اسرة أي حوالى 13 الفا و867 فردا تتولى منظمات اغاثية اجنبية اضافة الى هيئة الاغاثة الاسلامية اطعام وعلاج النازحين .

وطالب الرجل المنظمات العربية والاسلامية الاخرى بالحضور الى دارفور للقيام بواجبها تجاه اشقائها في هذه المحنة. احلام علم الطيب الشابة المتانقة في زي سوداني تقليديى، قالت ضاحكة : انا واحدة من النازحين وقد جئت قبل ثلاث سنوات من كليك المجوه بسبب الحرب، بعدما كنا في حالة استقرار ولدينا ارض زراعية. سألتها عن ابرز المتاعب التي تواجهها في المخيم، قالت المشكلة الرئيسة في نقص الغذاء .ولان كثيرا من المنظمات الغربية اشارت الى عمليات اعتداء واغتصاب للسيدات، قالت احلام على الفور: هنا لم يحدث أي شيئ من هذا الامر، ولم نسمع عن احد تعرض للنساء.

**الحصان المحاصر

امام كومة من اعواد السنط الجافة المليئة بالاشواك التي تحاصر حصانا وحيدا، كان هارون محمد رمضان الذي شارف على الستين عاما يقف حاملا هموم الكون فوق راسه. سألته ما بك؟ قال: انا من قرية دونكي دريسه وحرق «الجنجوي»د بيتي واخذوا ابقاري ، والان انا مجبور على الاقامة هنا .

التحق بنا عيسى جبريل، الشاب المتزوج من امراتين وله من الابناء عشرة رغم انه تخطى بالكاد الثلاثين من عمره. قال :كنت اعمل مزارعا واتاجر في المحاصيل قبل ان انزح من بلدة ثاني افندو بسبب الحرب. سألته كيف يتحمل مسؤولية هذا العدد الضخم من الارواح؟ فقال: نحن نعيش على المعونات. سألته مرة اخرى هل حاول الحصول على عمل ام انه مستريح لحالة حصوله على الغذاء مجانا، فرد باستهجان: واين هو العمل؟.

قلت له هل تتعرض النساء لمضايقات في هذا المخيم؟ فرد بشكل قاطع: لا لم يحدث ذلك ابدا. لكنه اشتكى من تعرض جاره لسرقة حماره قبل عدة اشهر معتبرا الامر «كارثة كبرى».

بعد وقت كاف غادرت مخيم السريف عائدا الى نيالا، التي كانت طرقاتها تضج بحركة سير للعربات والمركبات مثل أي مدينة عربية تعاني ازمة مرورية، فيما اهلها يزاولون نشاطاتهم المعتادة وكأن دارفور التي ينتمون اليها ليست وجها ندوبا ، ولامنطقة اتخمت ذاكرتها بالآدمية المحروقة بين الصراعات العبثية.

دارفور- طلعت اسماعيل