اعتلى عشرات المستوطنين مع عائلاتهم التي تضم أعداداً كبيرة من الأطفال، سطح بناية الرجبي في قلب مدينة الخليل، ومن حولهم انتشر عشرات الجنود المدججين بالسلاح لتوفير الحماية لهم.ويقول أهالي المدينة ان المستوطنين يكررون هذا المشهد الاستعراضي يوميا في هذه البناية منذ استولوا عليها قبل ثلاثة أشهر.
وبناية الرجبي المؤلفة من أربع طبقات واحدة من عشرات البنايات التي استولى عليها المستوطنون اليهود في مدينة الخليل، بدعم من الجيش، في السنوات الأخيرة، وأقاموا فيها أحياء وتجمعات سكنية.
وعادة ما يستخدم المستوطنون اليهود ذرائع للاستيلاء على بنايات عربية مثل تزوير عقد تأجير، أو عقد بيع وشراء، أو شراء فعلي من عملاء. لكن الأمر في مدينة الخليل أكثر فظاظة، فالمستوطنون ذوو النزعة الدينية المتشددة يضعون أيديهم على العقارات والأراضي غير عابئين حتى بالقانون الإسرائيلي نفسه. فهم يستولون على أماكن عامة لا يملك احد تفويضا لبيعها أو التنازل عنها مثل مدارس وحدائق وساحات عامة. فقبل سنوات استولوا على مدرسة«أسامة بن المنقذ»، وعلى الحديقة العامة الوحيدة في المدينة، حديقة الحرم الإبراهيمي الواقعة بجوار الحرم.
وتظهر مدرسة بن المنقذ بحجارتها القديمة وقد اعتلاها مبنى حديث مؤلف من ثلاث طبقات يحمل شعار دولة إسرائيل وكتابة باللغة العبرية تقول«معهد ديني».وحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية فإن عدد المستوطنين اليهود في البلدة القديمة في الخليل يبلغ 400 شخص يعيشون في أربعة تجمعات استيطانية هي: «ابرهام ابينو» وتقع قرب الحرم الإبراهيمي الشريف. «بيت رومانو» وهي بؤرة أقيمت في وحول مدرسة «أسامة بن المنقذ». «بيت هداسا» التي أقيمت في حي «الدبويا». «رمات يشاي»التي أقيمت في حي «تل الرميدة».
ويتحرك الجيش الإسرائيلي بتناغم شبه مطلق مع المستوطنين في المدينة ما يعزز قناعات أهلها بوجود خطة حكومية إسرائيلية لتهويدها مثلما جرى في مدينة القدس.فالجنود الذين يصل عددهم في المدينة إلى 2000 جندي، وفق المصادر الإسرائيلية، يفرضون إجراءات عسكرية صارمة على أهالي البلدة القديمة من المدينة على نحو يؤدي إلى تعزيز الوجود اليهودي وتقليص الوجود العربي.
ومن هذه الإجراءات إغلاق شوارع وأسواق تجارية تضم 1500 محل تجاري في المدينة.وتقع غالبية هذه المحال في شارع الشهداء وشارع السهلة.ويقيم الجيش الحواجز والنقاط العسكرية على مداخل الشوارع المغلقة ويمنع اي احد من المرور فيها سوى المستوطنين اليهود.
«هذه منطقة إسرائيلية» قال جندي يقف على حاجز عسكري على مدخل شارع السهلة عندما رآنا متجهين صوبه. ويضطر سكان هذه المناطق إلى المرور في أزقة واحواش تقع خلف بيوتهم بسبب منعهم من المرور في الشارع الرئيس. ويرافق الجنود المستوطنون في تنقلاتهم داخل المدينة التي تجري بين التجمعات الاستيطانية المذكورة، أو بينها وبين الحرم الإبراهيمي الشريف، أو بينها وبين مستوطنتي «قريات أربع» و«خارصينا» المقامتين على أراضي المدينة.
ولدى تحركهم في بين هذه المناطق، محميون بالجيش، يمارس المستوطنون أبشع الاعتداءات على أصحاب المحال التجارية والمارة.«قد يضربوك، وقد يبصقون عليك، واذا تحركت للدفاع عن نفسك يعتقلك الجنود أو يمنعونك بالقوة من الاقتراب منهم» قال التاجر عمران الدويك (43 عاماً) صاحب محل ألبسة مستعملة في السوق التجاري.
وتدفع اعتداءات المستوطنين هذه بأعداد متزايدة من سكان البلدة القديمة لمغادرتها إلى أحياء أخرى الأمر الذي يثير قلق أهالي المدينة من سياسية تفريغ تؤدي إلى تهويد تدريجي لهذه البلدة.
«لم يبق غير الفقراء هنا. جميع القادرين على شراء بيوت وشقق ومحال تجارية خارج البلدة القديمة غادروها ولم يتبق سوى نحن الفقراء» قال بدر كاتبة (48 عاما) احد أصحاب المحال في السوق. وبدأت لجنة اعمار الخليل والسلطة الفلسطينية حملة لتعزيز الوجود الفلسطيني في البلدة القديمة لمواجهة سياسة لإحلال اليهودي، غير ان تضاؤل الدعم الخارجي ترك أثرا كبيرا على هذه البرامج.
ويشكل الحرم الإبراهيمي الشريف الهدف الأكبر للمستوطنين الذين استولوا على 65 في المئة من مساحته، إضافة إلى حديقته، ومنعوا أهل المدينة من الدخول إليها. ويسيطر الجيش الإسرائيلي على الحرم ومحيطه، ويفرض إجراءات تفتيش صارمة على الفلسطينيين الداخلين إليه. ويضطر المصلي إلى المرور عبر ثلاث مراحل من التفتيش: المرحلة الأولى يمر عبر بوابة مدورة تتسع لشخص واحد. وفي المرحلة الثانية يمر عبر بوابات للفحص الالكتروني. وفي الثالثة يمر عبر بوابات مماثلة على باب الحرم.
الخليل ـ محمد ابراهيم