اقترعت فرنسا في الدورة الانتخابية الأولى من أجل اختيار رئيس جديد خلفاً للرئيس جاك شيراك الذي تولى رئاسة الجمهورية الفرنسية منذ العام 1995.. الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجري على دورتين يفصل بينهما أسبوعان.
خيار الفرنسيين الأحد الماضي حدد المعركة الانتخابية الثانية والحاسمة يوم 6 مايو المقبل بين نيكولا سركوزي، مرشح معسكر اليمين التقليدي والسيدة سيغولين روايال، مرشحة الحزب الاشتراكي، إنهما المرشحان اللذان نالا أعلى نسبة من أصوات الناخبين في الدورة الأولى، وأحدهما سيكون رئيس الجمهورية الفرنسية المنتخب في الدورة الثانية.
واللافت في الدورة الأولى حصول فرانسوا بايرو مرشح تيار الوسط على 5, 18% من أصوات الناخبين. وكان بايرو قد حصل في الانتخابات الرئاسية لعام 2002 على أقل من 7% من الأصوات. هذا يعني انه استطاع على رأس التيار الذي يمثله ان يخلق دينامية جديدة على رقعة الشطرنج السياسي الفرنسي.
وهذا ما يمكن ان يشكل «منعطفاً» حقيقياً بالنسبة للسنوات القريبة المقبلة لاسيما عبر التشكيلة التي ستعرضها الجمعية الوطنية الفرنسية خلال الأسابيع التي ستلي انتخابات رئيس الجمهورية يوم 6 مايو، ولاشك أن تيار الوسط سوف يضع استراتيجيته المستقبلية في أفق الانتخابات الرئاسية لعام 2012.
إذا كان حصول فرانسوا بايرو مرشح تيار الوسط على 5,18% من أصوات الناخبين يشكل مفاجأة، بل «المفاجأة» الكبرى للدورة الأولى في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فإن هناك «مفاجأة» أخرى تتمثل في النسبة التي حصل عليها جان ماري لوين، مرشح اليمين الفرنسي المتطرف متمثلاً في حزب «الجبهة الوطنية»..
إنه لم يحصل سوى على 5, 10% من أصوات الناخبين بينما كان قد حصل في الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2002 على المرتبة الثانية في الدورة الأولى ليخرج من السباق الرئاسي المرشح الاشتراكي آنذاك ليونيل جوسبان.
الظاهرة الجديدة فعلياً في انتخابات الأحد هي نسبة الذين أدلوا بأصواتهم والتي وصلت إلى ما يزيد على 80% من الناخبين الفرنسيين.. أي نسبة أكبر بكثير مما عرفته الانتخابات السابقة على مختلف المستويات ومنذ عدة عقود من الزمن. والناخبون الجدد هم في أغلبيتهم الساحقة من الشباب الذين يقترعون للمرة الأولى.. وكانت بعض البلديات قد شهدت زيادة في المسجلين على القوائم الانتخابية تزيد على نسبة 30% بالقياس إلى الانتخابات السابقة.
هذا الإقبال الكبير على الاقتراع يمكن تفسيره أيضاً بأن الفرنسيين لا يريدون أن يعيدوا تجربة انتخابات 2002 ووصول مرشح اليمين المتطرف إلى الدورة الانتخابية الثانية. وكان ذلك يعود إلى حد كبير، لعزوف الفرنسيين عن المشاركة في الحياة السياسية.
لذلك كانت مشاركتهم الجماعية هذه المرة نوعاً من «الإجابة» الشعبية للتأكيد على الحضور. وكانت إجابة قوية إذ بلغت نسبة المقترعين أعلى ما عرفته الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ تأسيسها عام 1958 من قبل الجنرال شارل ديغول. هذه المرة أحس الفرنسيون انهم يتحملون «مسؤولية» حقيقية في توجيه عجلة السياسة في البلاد.
بل ودفعوا تياراً سياسياً، كان متواضعاً حتى فترة قريبة إلى واجهة المسرح السياسي، أي تيار الوسط ممثلاً بحزب الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية برئاسة فرانسوا بايرو. ومن الواضح ان هذا الفعل «الشعبي» يشير إلى حيوية الديمقراطية الفرنسية وإلى أن أشياء كثيرة قد تغيرت منذ عام 2002 حتى الآن.
السؤال الكبير يتعلق اليوم بمن سيختاره الفرنسيون رئيساً لهم لمدة خمس سنوات مقبلة: نيكولا سركوزي أم السيدة سيغولين روايال؟استطلاعات الرأي أشارت مباشرة بعد إعلان نتائج الأحد الماضي أن أصوات تيار الوسط ستتوزع مناصفة بين مرشحي اليمين واليسار.. وهذا يصب بمصلحة نيكولا سركوزي.
باريس ـ د. محمد مخلوف