أدلى الناخبون الفرنسيون في الأرض الفرنسية منذ صباح أمس بأصواتهم في انتخابات الرئاسة في دورتها الأولى، وسط منافسة قوية من قبل المرشحين الأربعة الأبرز حظاّ، إذ يواصل مرشح اليمين نيكولا ساركوزي تقدمه وسط تأكيدات منه بقطيعة مع الماضي، في حين تلاحقه المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال رغم الهفوات في حملتها الانتخابية، بينما تعهد مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبين بـ «تسونامي انتخابي».

توجه نحو 44, 5 مليون ناخب فرنسي بأصواتهم لصناديق الاقتراع في الدورة الأولى من الانتخابات لاختيار رئيس خلفا لجاك شيراك. وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة الثامنة بالتوقيت المحلي (00 ,6 تغ) في فرنسا للدورة الأولى من الانتخابات التي يتنافس فيها 12 مرشحا، وستغلق آخر مراكز الاقتراع عند الساعة 00, 20 (00, 18 تغ) وخصوصا في باريس والمدن الكبرى.وأدلى المرشح الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية نيكولا ساركوزي، ترافقه زوجته سيسيليا، بصوته صباحا في نويي سور سين القريبة من باريس والتي شغل فيها منصب العمدة لفترة طويلة. وتجمهر الصحافيون والمصورون وبعض الفضوليين في انتظار ساركوزي الذي وصل مشيا على قدميه قبيل الحادية عشرة (00, 9 ت غ) وادلى بصوته في مكتب الاقتراع الذي أقيم داخل مدرسة ابتدائية.

وقال ساركوزي للصحافيين «انتظر بهدوء. الأهم هو أن يشارك الفرنسيون بكثافة في الانتخابات وان تكون هذه مناسبة مهمة للديمقراطية الفرنسية». وصوتت منافسته الرئيسية الاشتراكية سيغولين رويال صباحا في معقلها الانتخابي في ميل (وسط غرب). وجرى الاقتراع منذ السبت بالنسبة لنصف مليون فرنسي في أراضي ما وراء البحار وفي الخارج. وفي بريطانيا حيث سجل 52 ألف ناخب فرنسي في لندن وحدها، يتدفق مئات الفرنسيين على مراكز الاقتراع، التي أقيم 14 منها في مقار المدرسة الفرنسية شارل ديغول وخمسة في مدن ليدز وبرمنغهام وبريستول وبلفاست (ايرلندا الشمالية) وادنبره (اسكتلندا). وكشف حجم تدفق الفرنسيين في بريطانيا على مراكز الاقتراع مدى الاهتمام الذي تثيره هذه الانتخابات. وفي سويسرا التي تضم اكبر جالية فرنسية في الخارج (77 ألف شخص)، أقيم 59 مركزا من أصل 155 مركزا في المجموع أقيمت للفرنسيين في الخارج. وسجل في الأشهر الأخيرة 8, 1 مليون ناخب جديد على اللوائح بينما جرت التجمعات الانتخابية بحماس وجذبت حشودا كبيرة وسجلت البرامج السياسية أرقاما قياسية في عدد المشاهدين، وكتبت صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية ، «ويل لمن يفوز ولا يأخذ في الاعتبار هذا الاهتمام الكبير وهذه الآمال الاستثنائية».

ويبدو كل من مرشح اليمين ساركوزي (52 عاما) ومنافسته القوية مرشحة الحزب الاشتراكي رويال (53 عاما) في وضع جيد لخوض المنافسة من جديد في الدورة الثانية في السادس من مايو. ودعا المحللون إلى «التزام الحذر مشيرين إلى النسبة الكبيرة للمترددين التي ستلعب دورا كبيرا في الاقتراع على ما يبدو». وأكد ثلث الناخبين في نهاية الحملة أنهم لم يحسموا أمرهم بعد. وبذلك يمكن لمرشحين آخرين هما مرشح الوسط فرنسوا بايرو وزعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبين، أن يبدلا المعطيات. وهما يؤكدان على انهما «سينتقلان إلى الدورة الثانية من الانتخابات». وتحدثت مجمل الصحف الفرنسية عن إمكانية حدوث «مفاجأة» جديدة كما حدث في 21 ابريل 2002 عندما تقدم لوبين على اليسار في الدورة الأولى. ويدعو ساركوزي إلى «قطيعة مع السياسة الفرنسية السابقة ويعد بإصلاحات اقتصادية ليبرالية». وهو يتصدر استطلاعات الرأي منذ يناير. وينتقده خصومه بسبب تقربه من اليمين المتطرف وخصوصا في مسألة الهجرة ويرون ان شخصيته «قاسية وتثير القلق».

أما رويال، التي تدعو إلى «ديمقراطية تشاركية، تشدد على الجانب الاجتماعي وعلى أنها أول امرأة تتمتع بفرصة الوصول إلى قمة السلطة في فرنسا». لكنها خاضت حملة انتخابية تخللتها تقلبات كثيرة في المواقف فاجأت مناصريها و«هفوات» في مواضيع تتعلق بالسياسة الخارجية غذت الانتقادات الموجهة لها.

وحقق المرشح الوسطي فرنسوا بايرو (55 عاما) اختراقا مدهشا ومفاجئا، وتعهد «بنسف الهوة القديمة بين اليمين واليسار التي تشل البلاد بنظره»، ساركوزي في الدورة الثانية». أما لوبين (78 عاما) فيؤكد على أنه «سيحدث تسونامي انتخابيا في معركته الانتخابية الخامسة والأخيرة على الأرجح».

السفارة الفرنسية في البحرين تفتح أبوابها للناخبين

توجه المقيمون الفرنسيون في البحرين الذين لا يتجاوز عددهم 200 شخص إلى مقر السفارة الفرنسية في العاصمة المنامة وذلك للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الرئاسة الفرنسية في جولتها الأولى. وعمدت السفارة الفرنسية إلى توفير صندوق واحد للاقتراع»، مشيرة إلى أن «هذا الإجراء يأتي في إطار منح الفرنسيين الموجودين في الخارج فرصة للتصويت لاختيار مرشحهم الرئاسي».

شغف أميركي بمتابعة المرشحين الشباب

تحظى الدورة الأولى من الانتخابات الفرنسية بحضور وتغطية إعلامية من وسائل الإعلام العالمية لم يعرف تاريخ فرنسا مثيلاً لها، وسط أجواء انتخابية توازي سخونة الطقس الذي يعم البلاد. وخصصت محطة «سي. أن. أن» الإخبارية الأميركية تغطية خاصة للحدث، وفسّرت مراسلة القناة شغف الأميركيين بهذه الحملة لأسباب منها أن «المرشحين يمثلون جيلاً سياسياً جديداً وشابا ويتمتعون بحضور تلفزيوني يلاقي إعجاب المشاهد الأميركي».

وأشارت إلى أن «الأميركيين تعجبهم طريقة تصويت المواطن الفرنسي، الذي قالت أن العاطفة تتغلب على فعله الانتخابي أكثر من العقل»، مشيرة إلى «استغراب الأميركيين بقاء مرشحين يمثلون اليسار المتطرف ممن شبهتهم بفئة سياسية منقرضة».

نظام اقتراع متغير عبر تاريخ الجمهوريات الفرنسية

ينتخب رئيس الجمهورية الفرنسية بالاقتراع العام المباشر بالتصويت الفردي وبغالبية الأصوات من دورتين لولاية من خمس سنوات قابلة للتجديد، وينبغي ان يحصل الفائز على الغالبية المطلقة للأصوات المحتسبة (بعد استبعاد البطاقة البيض واللاغية) أي نصف الأصوات زائد واحد في الدورة الأولى أو الدورة الثانية.

وفي حال لم يحصل أي من المرشحين على الغالبية المطلقة من الدورة الأولى تنظم دورة ثانية بعد مرور 15 يوماً على الأكثر على الدورة الأولى. ويتأهل إلى الدورة الثانية المرشحان اللذان حصلا على أعلى نسبتين في الدورة الأولى.

ومنذ التعديل الدستوري الذي أقر في السادس من نوفمبر 1962 إثر استفتاء جرى في 28 أكتوبر من نفس العام، تشكل الأراضي الفرنسية دائرة انتخابية واحدة. وهذا يعني أن كل الفرنسيين المسجلين على اللوائح الانتخابية يشاركون في انتخابات رئيس الجمهورية. وتنظم الانتخابات بدعوة من الحكومة، قبل عشرين يوماً على الأقل و35 يوماً على الأكثر من انتهاء ولاية الرئيس الحالي.

وخفض استفتاء 24 سبتمبر 2000 الولاية الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات. وفي ظل الجمهورية الخامسة لم ينتخب أي رئيس للدولة من الدورة الأولى في الاقتراع العام. وفي العام 1958 انتخب شارل ديغول لولاية رئاسية أولى من قبل هيئة ناخبة خاصة مؤلفة من أعضاء البرلمان ومستشارين عامين وممثلين عن الأعضاء المنتخبين في المجالس البلدية أي نحو ثمانين ألف ناخب كبير. واعتمد هذا النظام لمرة وحيدة.

وفي عهد الجمهورية الثانية (1848 ـ 1852) كان رئيس البلاد ينتخب لولاية من أربع سنوات بالاقتراع العام المباشر، وشهدت رئيساً واحداً وانتخب رئيس واحد هو لوي نابوليون بونابرت (نابليون الثالث). ومن الجمهورية الثالثة (1871 ـ 1940) وحتى نهاية الجمهورية الرابعة (1946ـ 1958) كان الرئيس ينتخب من قبل أعضاء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ مجتمعين.

لقطات

* حمى شبيهة بكأس العالم

جو صيفي وشمس ساطعة في جميع أنحاء فرنسا، ودرجة الحرارة لا تعود فقط للطقس، بل إلى أجواء الناخبين الفرنسيين، الذين أصابتهم حمى شبيهة بحمى نهائيات بطولات كأس العالم لكرة القدم.

وطال الاستنفار جميع الشرائح العمرية في فرنسا، فعندما سأل ريان والدته عن المرشح الذي ستصوت له، أجابته أنها «مترددة»، وأضافت أنها ربما ستختار المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال. لكن الطفل، البالغ من العمر 10 سنوات، استعار نبرة رجل بالغ لإقناع والدته بأن مرشحة «النضال العمالي» آرليت لاغييه لا بأس بها.

* اقتراع بالوكالة

نظم الفرنسيون نهارهم على أساس هذه الدورة الانتخابية. فمنهم من اختار التوجه إلى مراكز الاقتراع باكراً ليتمكن من الاستمتاع بحرارة هذا اليوم، خصوصاً أنه يوم عطلة. أما الذين تزامن هذا الموعد مع سفرهم فقد دبروا أمر توكيل احد الأصدقاء بالانتخاب عنهم بالوكالة.

وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة التصويت بالوكالة ارتفعت بنسبة 26%. ولا يقتصر التصويت بالوكالة على المتغيبين لأسباب ترفيهية أو مهنية ، بل طال الشيوخ الغير قادرين على التنقل، والمساجين، والمرضى حيث توجهت مفوضات عن البلديات زارت المستشفيات لملء الإجراءات الإدارية.

* تدابير لذوي الاحتياجات الخاصة

شهدت هذه الدورة مستجدات تتعلق بالمعاقين، إذ اتخذت العديد من البلديات التدابير التقنية لتسهيل وصول المعاقين إلى مراكز الاقتراع، وتسهيل حصولهم على اللوائح والدخول إلى الغرف المغلقة والصناديق. ومجدداً، استعان المرشحون في هذه الحملة بخدمة الانترنت للتواصل مع ناخبيهم وللإجابة عن أسئلتهم، مجندين طاقات بشرية وتقنية عالية.

* البيتزا والسوشي أكبر المستفيدين

وطال الاستنفار بالطبع محلات بيع البيتزا والسوشي، إذ أن 50% من الفرنسيين سيتابعون نتائج الحملة عبر شاشات التلفزة في منازلهم. وقال روجيه، الذي يدير سلسلة محلات لتوزيع البيتزا «مبيعاتنا سترتفع بنسبة 35 إلى 40%، وهو معدل يزيد عما نعرفه خلال مباريات كرة القدم».