أن تجد سوقا تباع فيه السيارات أو الملابس والخضروات والفاكهة، فهذا أمر طبيعي، ولكن أن يعرض بجانب ذلك وفي المكان نفسه أولاد للبيع والمزاد العلني، فهذا هو العجب الذي يشد انتباه الزائرين لسوق فراس الشعبي في مدينة غزة الفلسطينية، التي يسجنها الاحتلال داخل سياج مغلق، مخلفا إياها مخزنا للفقر والبؤس.

والأعجب من كل هذا، انه لا يوجد من يشتري هؤلاء الصبية لضيق ذات اليد.

فسوق فراس الذي يعد أقدم وأعرق الأسواق الشعبية في فلسطين، والموجود وسط غزة، هو تجسيد لمأساة الإنسان الفلسطيني الذي لا يجد ما يسد رمق أولاده، فيضطر لبيع أحدهم في هذا السوق الذي يحرص الأجانب والسياح على زيارته للتعرف عليه كمعلم من معالم غزة.

السوق هذا متواضع جدا في تنظيمه وإدارته ويغلب عليه الطابع القديم منذ تم تشييده في أوائل الخمسينيت. وخلال العامين الحالي والماضي عرض أباء أولادهم للبيع في هذا السوق و« بالمزاد العلني»، والمضحك المبكى أن البيع لم يتحقق لأنه كما قال محمد جواد (صاحب محل أدوات منزلية بالسوق)، «بالكاد الناس قادرة على رعاية أولادها الأصليين والإنفاق عليهم». وأضاف «من يهوى ان يزيد مأساته وأعبائه».

وتجد في هذا السوق من يعرض كل ما يملك من أثاث المنزل للبيع «وبأرخص الأسعار» كما ينادون عليها هنا وسط السوق، الذي يعمل من السابعة صباحا وحتى الثالثة عصرا من كل يوم، ولكن يومي الجمعة والسبت تزداد فيهما الحركة رواجا وتفاعلا.

وتختلط في سوق فراس السلع والخضروات والمعدات والأدوات المستعملة والجديدة، و«كل ما يلزم المنزل»، كما يقول الحاج أبو مصطفى صاحب منجرة في طرف السوق من جهة الجنوب. وعلى كل حال فان المواطن الفلسطيني يتشجع لارتياد سوق فراس لأنه يقضي فيه كل متطلباته الحياتية و«بأسعار رخيصة عن أي سوق آخر في قطاع غزة».

أثناء تجوالنا في السوق لفت انتباهنا كومة كبيرة جدا من الملابس المستعملة يقف عليها بائع يعرف ب«الدلال» لأنه ينادي على كل قطعة للبيع بالمزاد بين الراغبين في الشراء. وواضح ان الطلب قليل على الألبسة رغم الحاجة إليها، لقلة ذات اليد.

وفي زاوية أخرى لبيع الألبسة، سألنا تاجر الجملة عن مصدر هذه الملابس المستعملة فقال «هي ملابس أولادهم يبيعونها بغية توفير مال لسد حاجات المعيشة». وفعلا وجدنا هذا الجواب حقيقة وواقعا على الأرض، فعلى بعد مسافة أمتار فقط من المزاد العلني لاحظنا سيدة في الأربعينات من العمر تجلس على الأرض تحمل ملابس أبنائها القديمة لتبيعها، على أمل ان تساهم في إنقاذهم من الجوع.

واقتربنا منها وقالت إنها تحتاج النقود لشراء الأكل والطعام والخضروات لأولادها التي تعيلهم هي بعد الله تعالى. وأضافت «لم أتعود على البيع هنا لكني محتاجة للنقود لاستر اولادي واما الملابس فالقليل يكفي ويسد الحاجة في هذا الوقت الصعب علينا».

جدير بالذكر أن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها سكان قطاع غزة يعود سببها الرئيسي إلى عدم توفر الدخول خاصة أن الموظفين لم يتلقوا رواتبهم منذ أكثر من عام حتى الآن، ومن المعلوم ان قطاع الموظفين يشغل غالبية المواطنين بعد إغلاق القطاع ومنع العمال من الوصول إلى إسرائيل أو السفر للخارج للعمل.

ويقول مختصون وخبراء ان المشكلة الكبرى التي بدأت تلتفت إليها الحكومة مؤخراً، هي الفئات التي لا تتقاضى رواتب من الحكومة مطلقا، والتي تعيش في ظروف أقسى من الموظفين. وكانت الحكومة الفلسطينية أعلنت حديثا عن تنفيذ برنامجين لدعم هذه الفئة، هما: «أفقر الفقراء» الذي يتم تنفيذه بالتعاون بين وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل، و«الرائد» الذي تنفذه وزارة العمل.

وحدد وزير الشؤون الاجتماعية 4 شروط للاستفادة من برنامج أفقر الفقراء، حيث تمنح للأسر كبيرة العدد وليس لها معيل، والأسر الكبيرة وذات دخل محدود، والمهمشة التي يكون رؤساؤها معوقين أو ذوي أمراض مزمنة، إضافة إلى التي تقودها امرأة سواء مطلقة أو أرملة. ومن أجل ذلك شرعت الوزارة وبالتعاون مع الجمعيات الخيرية ووكالة الغوث الدولية في تأسيس قاعدة بيانات حول أفقر الفقراء في فلسطين.

غزة ـ ماهر إبراهيم