عبر القرون، كان الفراش المفضل لأبناء اليمن السعيد، لا يخلو منه بيت أو قصر، حاكته أيادي نساء متمرسات في مناطق مشهورة بإنتاج صوف الأغنام مثل مأرب وصعدة، لينتقل منها إلى بقية المدن اليمنية. انه «الحنابل» أو «الزعل» أي السجاد أو الغطاء المصنوع من صوف الأغنام المحلوج محليا في محالج تقليدية والمنسوج يدويا، والذي يواجه اليوم كسادا كبيرا، بسبب منافسة الموكيت والسجاد الصناعي له.
وإذا جاز «للحنابل» أن تشكي حالها البائس، فإنها ستوجه اللوم إلى التكنولوجيا الحديثة غريمها القوي، والتي سهلت انتشار الموكيت والسجاد الصناعي. كما لن تنسى «الحنابل» أن تبعث برسالة استغاثة لكل مسؤول حريص على المحافظة على صنعة الأجداد وتراثهم بالتدخل لإنقاذ هذه الحرفة من الزوال، وتبعث «الحنابل» برسالة عتاب إلى الإنسان اليمني الذي ارتبط بها عقودا طويلة، صانعاً وتاجرا ومستخدما، وينظر إليها اليوم بإهمال وكأنها شيء من الماضي الذي يود طي صفحاته.
فالباعة يطوفون في شوارع المدن اليمنية حاملين على ظهورهم قطعا من الصوف المشهور «بالزعل» أو«الحنابل» أملا في استمالة زبون أو هاو، حيث يذهب بعضهم إلى التندر بالقول إننا نبحث عن زبائن بعد أن كانوا يبحثون عنا. فالذين يطالعهم مثل هذا المنظر وممن عرفوا هذه البضاعة معرفة وطيدة لا يترددون في القول إن الانفتاح دمر الكثير من الصناعات التقليدية
دون أن تحل محلها صناعة متطورة حديثة ومنها نسيج «الزرابي» التقليدية المعروفة ب«الحنابل» فقبل أن تغزو الصناعات الحديثة البلاد لم يكن يخلو بيت من البيوت اليمنية منها، و كانت فراش البيت اليمني تنسجه أيادي نساء متمرسات في المناطق المشهورة بإنتاج صوف الأغنام مثل مأرب، الجوف، صعدة، خولان ليسوق من هناك إلى مختلف مناطق البلاد ،
لكن مع تدفق «الزرابي» والسجاجيد وغيرها من المفروشات المتنوعة القادمة من الخارج المعالجة والمنسوجة بوسائل حديثة وفي سوق مفتوحة تسوده المنافسة تراجعت أهمية «الحنابل» المحلية وتقلص إنتاجها إلى مستويات كبيرة نتيجة لتراجع الطلب وغياب أي مبادرة لتطوير وتحسين هذه الصناعة المهددة بالاندثار.
وعلى الرغم من تحديات المنافسة بقت «الحنابل» محتفظة بكل سماتها وخصائصها التي ميزتها منذ القدم من ألوان ونقوش وخشونة ولم تدخل عليها أي تحسينات ،الأمر الذي جعلها بعيدة عن الأذواق المتجددة والمتبدلة بفعل التباهي والمفاخرة بأخر التقليعات.
ويقول علي العمراني بائع متجول ل«لحنابل»: «الدولة مع الأسف لم تبادر إلى رعاية هذه الصناعة ومساعدة المنتجين على تطوير قدراتهم ووسائل إنتاجهم بالشكل الذي يجعلها منافسة ومقبولة لدى المستهلكين ولذلك ظلت على ما كانت عليه منذ قرون.
لكن مع تزايد ركود هذه البضاعة في الآونة الأخيرة فطن البعض ومن تلقاء أنفسهم إلى ابتكار أساليب جديدة للإنتاج والتسويق فمع تراجع الطلب على «الزرابي» والقطع الكبيرة المعدة للافتراش بدأ البعض ينتج قطعا صغيرة موجهة لأغراض أخرى مثل تلبيس مقاعد السيارات أغطية للطاولات والصناديق أو قطع صغيرة للزينة في المجالس وصالات الضيوف داخل البيت اليمني أو في المطاعم السياحية التي تستخدم بعضا منها لإضفاء لمسات تقليدية على ديكوراتها».
يستطرد العمراني قائلا: «رغم كل ذلك يبقى الطلب محدودا للغاية وثمن القطعة يتراوح ما بين أربعة إلى ثلاثة آلاف ريال ( الدولار= 8 ,198 ) ريالا وهو ثمن زهيد إذا ما قيس بالجهد المبذول من جمع الصوف وفتله وصباغته ثم حلجه ونقله وتسويقه.
