اكتنف الغموض حقيقة الموقف بشأن جهود حل أزمة دارفور وسط تضارب ملفت في تقارير أفادت بأن الحكومة السودانية وقعت اتفاقاً مشتركاً الليلة قبل الماضية مع كل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وافقت بموجبه على نشر قوات افريقية وأخرى تابعة للأمم المتحدة في الإقليم وسط ترحيب خليجي بذلك التطور الذي أعلنت الأمم المتحدة أنها لم تتلق بشأنه من الخرطوم أي شيء رسمي، في تزامن مع تصريحات للمسؤول الثاني في وزارة الخارجية الأميركية جون نيغروبونتي خّير فيها الخرطوم بين المساعدة في تحسين الوضع في دارفور أو التعرض للعزلة على الصعيد الدولي.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية في وقت متأخر من الليلة قبل الماضية ان «العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز تلقى اتصالاً هاتفياً مساء أمس (الأول) من الرئيس السوداني عمر البشير أبلغه فيه أن الحكومة السودانية وقعت اتفاقاً مشتركاً مع كل من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يحدد واجبات ودور القوات الإفريقية وقوات الأمم المتحدة في إقليم دارفور».
وذكرت الوكالة أن الحكومة السودانية وقعت اتفاقاً مشتركاً مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالموافقة على نشر قوات أفريقية ودولية في إقليم دارفور الذي يشهد حرباً أهلية منذ أربع سنوات راح ضحيتها أكثر من 200 ألف شخص فضلا عن تشريد مليونين آخرين. وأضافت الوكالة أن «هذا الاتفاق ثمرة من ثمرات اجتماع القمة العربية التاسعة عشرة التي عقدت مؤخراً في الرياض والاجتماع الذي عقد برعاية من الملك السعودي وضم الرئيس السوداني والأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي والأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى وناقش الوضع في الإقليم».
واكتفت الوكالة بالقول إن الملك السعودي أعرب عن شكره للرئيس عمر البشير وعن ارتياحه لهذا الأمر، «وأن ما تم توقيعه سيدعم استقرار السودان ووحدته والأمن والسلام فيه». وعلى الأثر رحبت دول مجلس التعاون الخليجي الست بالاتفاق على لسان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن بن حمد العطية الذي قال في تصريح أمس إن دول المجلس ترحب «بالاتفاق الذي بموجبه تم تحديد واجبات ودور القوات الأفريقية وقوات الأمم المتحدة في إقليم دارفور»، مشيدا بالدور الكبير الذي لعبه العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في هذا الاتفاق. وقال العطية: «هذا الاتفاق سيؤدي إلى استقرار السودان ووحدة أراضيه وسيدعم الأمن والسلام في المنطقة».لكن ماري اوكابي نائبة الناطق باسم الأمم المتحدة قالت في نيويورك: «لم نتلق أي شيء رسمي حتى الآن».
وكانت الحكومة السودانية وافقت في اجتماع تشاوري دولي عقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في نوفمبر الماضي على خطة ذات ثلاث حزم طرحها الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان.وانصب الخلاف حول تفسير الخطة الثالثة من هذه الخطة المتعلقة بنشر قوات مختلطة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
حيث تصر الحكومة السودانية على أن تكون القوات الإضافية إفريقية وأن يقتصر دور الأمم المتحدة على تقديم العون الفني والمالي واللوجستي. بينما تطالب الولايات المتحدة بأن تكون العملية المختلطة تحت قيادة وسيطرة الأمم المتحدة،حيث أبلغ المبعوث الرئاسي الأميركي للسودان أندرو ناتسيوس جلسة استماع في الكونغرس الأسبوع الماضي أن واشنطن لن تؤيد ذلك الاتفاق ما لم يؤخذ بوجهة نظرها الداعية لأن تتولى الأمم المتحدة القيادة والسيطرة على عملية حفظ السلام في دارفور.
وقال وزير الخارجية السوداني لام أكول في وقت سابق أول من أمس إن السودان سيستقبل أكبر عدد إضافي يمكن أن يحتاج إليه من قوات الاتحاد الإفريقي لإعادة الاستقرار إلى دارفور لكنه لن يذعن للضغوط الدولية لنشر قوة تابعة للأمم المتحدة في المنطقة المضطربة.
من جانبه اعتبر مساعد وزيرة الخارجية الذي اختتم زيارته الأولى للسودان في تصريحات أمس أن ثمة حاجة ملحة إلى قوة كبيرة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور، والى وصول المساعدات الإنسانية للسكان المنكوبين والى معاودة البحث عن حل سياسي. وأدلى المسؤول الأميركي بهذه التصريحات قبل ساعات من الموعد المحدد لعقد مشاورات بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في نيويورك حول سبل تحقيق تقدم في ملف دارفور، وهو «موضوع يثير قلقا كبيرا لدى المجتمع الدولي» وفق نيغروبونتي.
وقال نيغروبونتي الذي استقبله الرئيس السوداني عمر البشير الليلة قبل الماضية: «علينا أن نعمل لنشر سريعا قوة مشتركة تحت قيادة واحدة تكون مطابقة للمعايير والقواعد المعمول بها في الأمم المتحدة»، من دون ان يتطرق تحديدا إلى المرحلة الثانية من الدعم.
وأضاف نيغروبونتي «من مسؤولية الحكومة السودانية نزع أسلحة ميليشيات الجنجويد التي نعرف جميعا أنها لما كانت استطاعت القيام بأنشطتها من دون دعمها الفعلي». وطالب الجهات التي لم توقع اتفاق السلام في دارفور في 2006 بوقف هجماتها. واعتبر ان «انتقالا سريعا إلى قوة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وتحسين ظروف نقل المساعدات الإنسانية (إلى السكان الذين يحتاجون إليها) ودعم السلطة الانتقالية في دارفور، كلها عوامل قادرة على تحسين الوضع في دارفور وإفساح المجال لعلاقات أفضل بين السودان والأسرة الدولية».
وتابع نيغروبونتي ان «تاريخ السودان ليس مشجعا حين يتصل الأمر بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية»، لافتا إلى أن الولايات المتحدة ستراقب عن كثب كيفية تطبيق الاتفاق الأخير بين الخرطوم والأمم المتحدة لتحسين ظروف عمل المنظمات غير الحكومية في دارفور. وذكر بان بلاده هي المساهم الأكبر في العمل الإنساني في دارفور عبر أكثر من ملياري دولار منذ عام 2005، موضحا ان عدد النازحين بات اكبر مما كان عليه عند توقيع اتفاق السلام عام 2006 بين الخرطوم وفصيل متمرد واحد.
وحذر نيغروبونتي «في حال لم يتم إحراز تقدم في هذا الاتجاه فانه لن يكون أمام السودان من خيار آخر سوى إبقاء عزلته الدولية مع احتمال تشديدها»، لكنه تفادى الحديث عن العقوبات الإضافية بحق السودان والتي قررت واشنطن تعليقها في انتظار المشاورات حول دارفور التي بدأت في وقت لاحق أمس في الأمم المتحدة.
وكان نيغروبونتي التقى منى اركو مناوى كبير مستشاري الرئيس السوداني ورئيس السلطة الانتقالية لولايات دارفور. وقدم مناوى خلال اللقاء شرحا عن الأوضاع في إقليم دارفور .. كما تناول علاقات السودان مع جيرانه وخاصة تشاد. كما بحث المسؤول الأميركي مع الدكتور غازي صلاح الدين مستشار الرئيس السوداني السبل الكفيلة لإلحاق رافضي اتفاقية ابوجا للسلام في دارفور بالعملية السلمية. كما بحث نيغروبونتى مع الدكتور نافع علي نافع مستشار الرئيس السوداني الأوضاع الأمنية بدارفور من خلال اتفاق أديس ابابا مؤخراً .
أوكسفام : دارفور أكبر تجمع للمعاناة الإنسانية في العالم
وجهت منظمة اوكسفام الدولية للاغاثة نداء لجمع خمسة ملايين جنيه استرليني (7,3 ملايين يورو، 9,9 ملايين دولار) تعتبرها ضرورية لمواصلة عملها في دارفور غرب السودان وفي المناطق المجاورة من تشاد. وفي معرض وصف الوضع في هذه المنطقة بأنه «اخطر أزمة إنسانية في العالم»، أوضحت المنظمة في بيان نشر الليلة قبل الماضية ان برنامجها العاجل للسودان وتشاد هو الأهم في العالم وان كلفته تصل إلى عشرة ملايين جنيه استرليني في السنة.
وقالت المديرة الدولية لمنظمة اوكسفام بيني لورانس في هذا البيان ان هذه المنطقة تعتبر «اكبر تجمع للمعاناة الانسانية في العالم».وقد اسفرت اربع سنوات من الحرب الاهلية في دارفور عن مقتل ما لا يقل عن 200 الف شخص ونزوح أكثر من مليونين آخرين، بحسب أرقام الأمم المتحدة. وانتقل النزاع من جهة أخرى إلى تشاد المجاورة.
وتقدم اوكسفام مساعدة لـ 530 ألف شخص في البلدين ـ 470 ألفاً في دارفور و60 ألفاً في تشاد ـ حيث تقول لورانس «ان عدد الذين ارغموا على مغادرة منازلهم تضاعف في غضون أربعة أشهر». وأضافت مديرة اوكسفام «على الرغم من الاهتمام المرتفع بتطورات الأزمة، فان الجمود السياسي على المستوى الدولي أدى إلى القليل من التقدم على طريق التوصل إلى حل سياسي». وخلصت إلى القول «على المجتمع الدولي ان يبذل مجهودا إضافياً. ان ملايين الأشخاص الأبرياء الواقعين في شرك هذه الكارثة المعيبة لا يمكنهم ان ينتظروا اتفاق السياسيين».
(ا ف ب)
