«عمري الحقيقي خمسة عشرة عاما، رغم أنني تخطيت العقد السادس، مازلت أحلم بأن أحكي قصة قائد عربي عظيم يعمل اليوم على إحراز نصر حقيقي يبدل حال الأمة المتردي»، هذا ما يحلم به رشيد الحلاق، الشهير «بحكواتى الشام»، متأثرا بذلك من صنعته التي يجيدها وهى سرد الحكايات القائمة على عنصريّ التشويق واستخلاص العبر والبطولات الغابرة.
يقول الحلاق: عمري الحقيقي يتلخّص بما تمتعت به من سنوات طفولة كانت جميلة ومليئة بالسعادة، لكنّها سرعان ما توقفت عند سنّ الخامسة عشرة حين توفي والدي لأقضي ما تبقى من الثلاثة والستين سنة، هي مجمل عمري الزمني، في مكابدة العناء والشقاء.
وكان الحلاق اضطر لترك المدرسة طفلا من أجل إعالة أمّه التي كان وحيدها ومعيلها بعد وفاة والده، وتنقل للعمل في عدة مهن، قبل أن يستقر للعمل منذ سنوات طوال في مقهى «النوفرة» الدمشقي الشهير. يقول «الحكواتي»: كنت تلميذا مجتهدا في الدراسة، خاصة وأنّ والدي كان ميسور الحال ويغدق عليّ بالكثير من الحنان والرعاية، ولمّا اضطرتني قسوة الظروف لترك المدرسة بعد وفاته،
واصلت تعويض نفسي عبر ممارستي لهواية المطالعة، حيث حصلت على اشتراك في مكتبة الثقافة الأميركية والمركز الثقافي السوفييتي، ورغم عملي المضني لساعات طويلة من النهار حرصت على استعارة الكتب منها وقضاء عدة ساعات يوميا في المطالعة، وأحيانا كنت أهرب من عملي كي أذهب للمكتبة لممارسة هوايتي التي كنت مغرما بها لدرجة التعلق الشديد.
ويواصل: منذ كنت في الثالثة عشرة من عمري أغرمت بالقصة، وكان أكثر الكتاب تأثيرا في نفسي مكسيم غوركي، وفيكتور هوغو، وجان بول سارتر، ونجيب محفوظ. وكان ل«حكواتي الشام» الذي سبقه، دور مهم في دفع الحلاق إلى التعلّق بالقصة، وفي ذلك يقول: كنت آتي بصحبة والدي في حقبة الستينيات إلى مقهى النوفرة للاستماع إلى الحكواتي أبو علي شاهين،
واعتدتّ في كل مرة على محاولة قراءة الكتاب الذي يقرأ منه الحكواتي القصص، حيث اعتاد على تركه على الطاولة الموضوعة أمام الكرسي الذي يعتليه لسرد حكاياه، وكان الأمر مثيرا جدا في حينه، حيث بدأت أشعر بوجود رابط ما بيني وبين سرد القصص. وبوفاة الحكواتي أبو علي شاهين، مرّ الوطن العربي لفترة طويلة من الزمن، وتحديدا من العام 1970 وحتى العام 1990 بفترة انقراض لظاهرة الحكواتي التي تعد واحدة من أعرق معالم التراث العربي والإسلامي.
يتابع الحلاق: غير أنّ ظاهرة الحكواتي تبلورت إلى شكلها الحالي ومرّت في عصرها الذهبي في العهد المملوكي، ويعود ذلك لرغبة الرواة في تسليط الضوء على أمجاد الظاهر بيبرس الذي هزم الصليبين في معركة عين جالوت الشهيرة.
وتعد الكتب التي يقرأ منها الحكواتي ذات قيمة تراثيّة وثقافية كبيرة، وذلك ما يستشفّ من ما يضيفه من معلومات: الكتب التي أقرأ منها حاليا للزبائن تعود إلى زمن الملك الظاهر بيبرس وهي نفس النسخ الأصليّة التي وصلتنا من مكتبته الخاصة،
وبذا فإنّ عمرها طويل، فمنها ما يزيد عمره على ال700 سنة، كما يوجد من بينها ما يعود تاريخ تدوينه لعام 1195 هجرية، وهذه الكتب تعود ملكيتها لأصحاب مقهى النوفرة، الذين يستضيفونني لقص الحكايا، ويعتبر هذا المقهى من معالم دمشق العمرانية البارزة والطاعنة في القدم.
ويطلعنا الحلاق على الصدفة التي تسببت في خوضه لغمار ميدان هذه المهنة الطريفة، ويذكرها بقوله: كنت أعمل في مقهى النوفرة منذ سنوات صباي، وبذا فإنّ صاحبه الحاج أحمد الربّاط رحمه الله فاجأني بطلبه مني بأن أقوم بالبحث عن شخص يصلح للعمل كحكواتي، لأنّ الزبائن يلحّون عليه بهذا الطلب،
فعبّرت له عن دهشتي بوجود أناس يرغبون بالاستماع للحكواتي في عصر التلفزة والفيديو، فكان ردّه بالتأكيد أنّ الكثيرين هم من ألحّوا عليه بإعادة إحياء هذا الطقس الذي استمر وجوده في المقهى لسنوات طويلة. وأنهى حديثه بما كان أشبه بصيغة الأمر(أنت الشخص المناسب لهذه المهمّة، لذا حضّر نفسك لتقوم بهذه المهمة
لأنني وعدتّ الناس بذلك ولن أخلف وعدي لهم)، فأصابني الذهول، حيث لم أكن أمتلك أدنى خبرة عملية في مجال صعب كهذا وهو الذي يحتاج إلى مؤهلات خاصة في الشخص، من حيث قدرته على السرد المشوّق الذي يضع المستمع في أجواء تشدّه وتجبره على المتابعة لساعة من الزمن. ورغم ذلك وجدتنّي أعجز عن مخالفة رغبته، فطلبت منه منحي مهلة أسبوع لدراسة القصص والتدرّب على طريقة سردها.
وبعد انقضاء مهلة الأسبوع، يضيف الحلاق باسما، اعتليت الكرسي لأبدأ حكاية القصة، فتملكني إحساس شديد بالخوف والارتباك، وصرت أرتجف مما جعلني أفكر بالتراجع، لكنّ الحاج الربّاط الذي لاحظ ارتباكي رمقني بنظرة غضب جعلتني أتراجع وألزم مكاني لأقوم بسرد أول حكاية يقدمها حكواتي بعد انقطاع دام لعشرين سنة، حيث جاء ردّ فعل الحضور إيجابيا للغاية.
ويثمّن «حكواتي الشام» موقف الفنانة المسرحيّة القديرة نضال الأشقر التي كان لها فضل صقل خبراته في الإلقاء، كما كانت الفنانة الأشقر كذلك أوّل من يدعوه إلى المشاركة في فعالية ثقافية، حيث دعته إلى لبنان لتقديم ثلاث أمسيات قصصية على «مسرح المدينة»، وكما شارك في فعاليات مسرحية عربية مهمة،
ومن أبرزها مهرجان جرش الأردني للثقافة والفنون والذي استضافه لسنوات ستّ متتالية. كما تمت دعوته لتقديم أمسيات مماثلة في مركز الشيخ إبراهيم الثقافي في البحرين. إضافة لكونه أصبح ضيفا شبه دائم على غالبية الأمسيات التلفزيونية السورية،خاصة الرمضانية منها.
أمّا عن أهم العروض التي تلقّاها مؤخرا، فهي كما يذكرها ببعض التحفظ:عرض عليّ مخرج مصري معروف فكرة المشاركة في عمل فني من إخراجه، وجاء ذلك على خلفية حضوره لإحدى أمسياتي في قهوة النوفرة بصحبة عدد من النجوم المصريين ومن ضمنهم النجم فاروق الفيشاوي.
وعن ابتكاراته والتطوير الذي أحدثه على عمل الحكواتي يقول: في العادة كان الحكواتي يستعين بعصي الخيزران لزيادة الدلالة التعبيرية ولإعطاء بعض الإيحاءات كالإشارة إلى حالة اقتتال تجري في القصة أو للفت انتباه الحضور ممّن قد يشرد بعضهم عن متابعة الحكواتي. وأمّا أنا ففضّلت الاستعانة بالسيف كنوع من التجديد ولإحداث المزيد من الدعابة المتأتّية من ضربي به المنصة بقوة للفت أنظار الحضور والحصول على أكبر قدر من تفاعلهم معي.
دمشق ـ بثينة السراجين و«شيما برس»:
