رغم التقدم الهائل الذي يشهده عصرنا، باعتباره عصر التكنولوجيا الحديثة في جميع المجالات، فإن المحافظة على ماضي الأجداد تصبح غاية نبيلة لا يحمل لواءها إلا من آمن وأيقن بأن الحاضر لا يمكن أن يزدهر دون ربطه بالماضي. وإذا كانت التكنولوجيا الحديثة غزت جميع أفرع المعرفة وفرضت لغتها لتشمل مناحي الحياة كافة فإن الحرف التقليدية لا تزال تكافح وسط هذا الركام ليظل لها مكان يعرف من خلالها الجيل الحاضر شيئا عن صناعة الأجداد.

وصناعة الفخار إحدى هذه الحرف التي اهتم بها أبناء منطقة الخليج منذ القدم، إذ تدل الأبحاث الأثرية على أن هذه الصناعة كانت منتشرة منذ آلاف السنين لوجود المواد الصالحة لهذه الصناعة واحتياج السكان إلى الأدوات الفخارية في طهي الطعام وحفظ المياه، ولاتزال هذه الصناعة موجودة في مناطق كثيرة من دول الخليج، وهي في مملكة البحرين تتركز في منطقة عالي.

واشتهرت البحرين منذ العصور القديمة بالصناعات اليدوية والتي شكلت في ذلك الزمان ضرورة أساسية تساوت بالمأكل والمشرب، ومن أهم الصناعات، والتي مضى عليها خمسة آلاف سنة، صناعة الفخار والأواني الخزفية والفخارية والتي تستخدم فيها طينة تجلب من منطقة الرفاع تتميز بخصائص عدة من أهمها الجودة وسهولة التشكيل والنقاوة.

ويستخدم في صناعة الفخار طين خاص، عبارة عن تراب أحمر مشبّع بماء المطر (لا الماء العادي)، يؤخذ من منطقة خاصة بعيدة عن النخيل أو المساكن، وبعيدة أيضاً عن وطء الأرجل، أو وصول الناس أو الحيوانات أو السيارات، ويجب أن تكون قد تشبعت بماء المطر بصورة كافية، بحيث أن المطر بقي فيها مدة من الزمن حتى تتحوّل إلى كتل طينية صغيرة وتجف من المطر. وتوضع الطينة عادة في أحواض خصصت لهذا الغرض، ويصب عليها الماء لتعجن بعدها بالأرجل حتى تصبح سهلة التشكيل.

وتعتمد هذه الحرفة على الطين المستخرج من مناطق تقع بين الرفاع ومدينة حمد، ويستلزم لاستخراج أو نقل الطين الحصول على تصريح بالموافقة من مكتب رئيس الوزراء. ورغم عزوف البحرينيين عن هذه الحرفة لضعف مردودها المادي إلا إن التشجيع الذي لاقته هذه الحرفة من قِبل بعض الجهات الحكومية في السنوات الأخيرة أدى إلى اتجاه الشباب إلى مزاولتها والعمل على تطويرها،

فبعد أن كانت مقتصرة على صناعة المباخر والقُلل وأواني الماء والقِدُو (أي النارجيلة) تم إدخال أنواع أخرى كالصحون وأواني النباتات والزهريات والأعمدة والتصميمات الأثرية القديمة، هذا بالإضافة إلى إدخال مواد أخرى كالطين الانجليزي والجبس واستخدام الأفران لعملية الحرق.

ويدخل إنتاج صناعة الفخار كإحدى الصناعات التقليدية في مركز الجسرة للحرفيين ومركز الحرف، وسعى الحرفيون في هذين المركزين إلى تطوير هذه الصناعة بما يدعم متطلبات الحياة الحديثة. أما كيفية صناعة الفخار، فيتم ذلك من خلال عجلة يتم تثبيتها داخل حفرة في الأرض، حيث تشكل الأواني، وبعد ذلك يتم إدخالها في أفران حرارية مصنوعة من الحجر الناري التي تتحمل درجات حرارة عالية جدا.

والفخار أنواع وأشكال، ولكل منها مواصفاته وأسماؤه، فمثلا هناك الإبريق الصغير يسمى بلبل، والكبير كراز، والأكبر عسلية، ثم هناك الجرة، والزير وهو مخصص لتخزين ماء الشرب .

ومن صناعات الفخار العديد من المنتجات والأشكال:

ـ الجرّات الفخارية التي تسمى «مصاخن»، ومفردها مصخنة، وتستخدم لحفظ وتبريد الماء فتكون له نكهة خاصة، وطعم مشوّق في أوقات الحر.

ـ الكرُّوز: عبارة عن مصخنة اعتيادية، ولكنه أصغر حجماً منها، ويمتاز بوجود مصبٍّ خاص على صدره يسمى إصبعاً.

ـ المبخر: معروف من اسمه، ولكنه أصغر حجماً بكثير من المبخر العادي، ذي النجوم الدبوسية.

ـ حصّالة النقود: وهي إناء كرويّ مجوّف ومختوم إلا من شقٍّ لإدخال النقود الورقية والمعدنية، وإذا امتلأت بالنقود كسرت لأخذ النقود منها.

ـ المزراب: أنبوبة فخارية مفتوحة الطرفين كانت توضع في أرض سطح المنزل لنزول المطر إلى خارجه، وربما نجد هذا المنظر في بعض الصور القديمة التي يعرضها التلفاز أحياناً.

ـ الحِبّ أوالزِّير: الحبّ، بكسر الحاء، إناء كبير قد يكون به أربعة مقابض (عراوي) اذا كان صغير الحجم، فإذا كان الإناء كبيراً دون مقابض يسمى حِبّا، وإن كان صغيراً يسمى زيراً.

ويستخدم الزير لتخزين الماء، وقد يضع البعض بأسفله (حنفية) لصب الماء.

ـ الخرص: إناء كبير جداً يستخدم لتخزين التمر، فتحته واسعة حتى يمكن أن يدخل الصبيّ فيه لعملية رصّ التمر بالرجلين.

ـ كرسي النارجيلة: أنبوبة خاصة مسدودة القاعدة، مخروطية الشكل رأسها مفتوح، وبها فتحة جانبية، وهي مجوّفة، يتم شحنها بالماء وتستخدم لغرض واحد هو: تخزين ماء للنارجيلة والأخيرة معروفة أيضاً في الخليج باسم «القِدُو».

المنامة ـ غازي الغريري: