دعا تقرير أصدرته مجموعة الأزمات الدولية مؤخرا إلى ضرورة استئناف الحوار على المسار السوري الإسرائيلي، مشيراً إلى أن العودة إلى طاولة المفاوضات بين الطرفين باتت ضرورة ملحة. وأكد التقرير على أنه على الرغم من صعوبة المهمة، إلا أن فرص النجاح قائمة وبقوة في ظل رغبة الجانب السوري في استئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة.

ويقول التقرير إنه بعد انقطاعها في عام 2000، فإن استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية يبدو وكأنه إمكانية بعيدة في ظل العقبات التي تواجه المباحثات، بما فيها وجود حكومة إسرائيلية ضعيفة وإدارة أميركية عازمة على عزل سوريا. إلا أن الرئيس السوري بشار الأسد، على حد قول التقرير، أكد مرارا وتكرارا رغبته في استئناف المفاوضات.

وخلال محادثات جرت في الفترة الأخيرة مع مندوبين من مجموعة الأزمات الدولية أكد مسؤولون سوريون كبار أن المحادثات يمكن أن تُستأنف من دون شروط مسبقة، وهو الأمر الذي يعني انتفاء وجود إحدى العقبات التي كانت تحول دون العودة إلى طاولة المفاوضات. ومن شأن محادثات السلام بين إسرائيل وسوريا أن تغير بشدة الأجواء الإقليمية في المنطقة. فالتوصل إلى اتفاق سلام بين الطرفين سيغير جذريا من طبيعة الوضع الحالي. ومثل هذه الفرصة لن تظل سانحة لفترة طويلة ولا ينبغي إضاعتها الآن، على حد قول التقرير.

ولم يعد الصراع بين إسرائيل وسوريا الأكثر كلفة في المنطقة، فالحدود السورية مع إسرائيل هي الأهدأ بين حدود إسرائيل منذ عام 1974 ولكنه صراع مضر ومؤلم في الوقت ذاته. فقد اتخذ هذا الصراع شكل الحروب الدموية التي يقودها طرف لحساب طرف آخر؛ إذ امتد هذا الصراع ليشمل الأراضي اللبنانية واشتركت فيه جماعات لبنانية وفلسطينية وأدى إلى منع تطبيع أكبر في العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي وساعد على استمرار التوتر الإقليمي الذي يمكن أن يتدهور بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال لبنان مرة أخرى ليأخذ شكل صراع مسلح جديد.

وفي إسرائيل، ستفكر الحكومة طويلا قبل أن تُقدم على مواجهة مع لوبي المستوطنين القوي الذي تسانده قاعدة شعبية تعودت على السيطرة على مرتفعات الجولان، لاسيما وأن هذه الحكومة تلاحقها الفضائح المتعاقبة جراء الأداء العسكري السيئ في حرب لبنان الماضية، ومن ثم فإنها لا تجد أي دافع للاستغناء عن مرتفعات الجولان مع تزايد تشككها في نوايا النظام السوري الذي قدم صواريخ إلى حزب الله أثناء الحرب الأخيرة. فخلافا لما كان معتقدا في فترة التسعينات، فإن الانسحاب من مرتفعات الجولان التي تنعم بهدوء نسبي حاليا هو خطوة من شأنها أن تتسبب في معارضة شعبية أقوى من تلك التي يمكن أن تصدر من الشعب في حال الانسحاب من أراض تواجه فيها إسرائيل مشكلات مثل الضفة الغربية.

كما يعد الرفض الأميركي لأي حوار مع دمشق مع وجود استثناء وحيد مؤخرا حدث أثناء المؤتمر الإقليمي حول العراق ـ يعد هذا الرفض حجر عثرة أمام عودة المفاوضات. فعلى الرغم من أن واشنطن تنكر الأمر، إلا أن ثمة مؤشرات كثيرة على أنها أوصلت إلى تل أبيب معارضتها لأي استئناف للمفاوضات مع دمشق.

وهي المفاوضات التي ترى واشنطن أن سوريا ستستغلها في كسر عزلتها وفي التغطية على مزيد من التدخل في الشأن اللبناني وفي صرف الانتباه عن التركيز على قضية التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري. ويرى المسؤولون الأميركيون أن دمشق قد تود استعادة الجولان لكنها تريد بشكل أكبر وأكثر إلحاحا استعادة لبنان. وباعتبار أن هذا أمر ليس لدى واشنطن أي استعداد لقبوله، فإنه لن توجد جدوى كبيرة في المفاوضات.

ونتيجة لكل تلك العوامل الخارجية والداخلية، وبسبب حالة الشك التي تحوم حول نوايا دمشق، فإن إسرائيل اشترطت حدوث تغير واسع في سياسات سوريا قبل الدخول في أي مفاوضات معها.وهذا التغير من وجهة النظر الإسرائيلية يتمثل في التالي: قطع العلاقات مع حماس ووقف المساعدات المقدمة لحزب الله وتغيير علاقتها بشكل جذري مع إيران.

وهذا الاتجاه الإسرائيلي يعتبر خطأ يمكن أن يؤدي سريعا إلى تضييع الفرصة السانحة الآن. في مارس 2007، اشتركت مجموعة الأزمات الدولية في نقاشات عالية المستوى في إسرائيل وسوريا من أجل تقييم مركز الطرفين وبحث فرص استئناف المفاوضات. فبينما كانت المعارضة لاستئناف المفاوضات واضحة كل الوضوح في إسرائيل، إلا أن هذه المعارضة تقلصت بشكل سريع بين كبار المسؤولين العسكريين ومسؤولي الاستخبارات .

وكذلك أعضاء المؤسسة السياسية الذين اعترفوا بقيمة وفائدة اختبار المساعي التي تقوم بها سوريا وكذلك مخاطر تجاهل تلك المساعي. الرغبة في استئناف المفاوضات في سوريا قد تكون تراجعت، وذلك بسبب الرفض الإسرائيلي المتكرر بالإضافة إلى عدم استعداد المسؤولين السوريين لأن يظهروا في موقف الطرف الذي يتسول المفاوضات.

غير أن الرغبة موجودة على الرغم من كل شيء. الأهم من ذلك كله هو أن المسؤولين السوريين قدموا أوضح مؤشر على رغبتهم في استئناف المفاوضات عندما أعلنوا أنهم لن يضعوا أي شروط مسبقة للمفاوضات وقالوا إن علاقاتهم بإيران وحماس وحزب الله ستتغير بشكل حتمي في حال التوصل إلى اتفاق سلام. بعبارة أخرى فإن ما تطلبه إسرائيل يمكن أن يتحقق ولكن فقط من خلال التوصل إلى اتفاق نهائي وليس من خلال شروط مسبقة.

وحتى مع افتراض أن سوريا مهتمة بعملية التفاوض أكثر من اهتمامها بالنتيجة، وهو افتراض محل نقاش كبير، فإن مجرد حقيقة أن هناك مفاوضات بين إسرائيل وسوريا سيكون لها اثر ايجابي سريع في منطقة يتجه فيها الرأي العام بعيدا عن قبول حق إسرائيل في الوجود. كما أن البدء في المفاوضات سيترك اثر إيجابيا في سلوك الجماعات المسلحة القريبة من دمشق.

والواضح ان حماس وحزب الله ليسا مجرد أدوات في أيدي سوريا، بل لديهما مهارة رؤية وتفسير الخريطة الإقليمية وسيتأقلمان تبعا لمؤشرات التغير في العلاقات بين سوريا وإسرائيل. الأمر ذاته ينطبق على إيران؛ فمن غير المحتمل أن تقطع دمشق علاقتها بأقرب حليف لها منذ عقدين غير أن طهران سيتعين عليها أن تغير من سلوكها في حال أن تُواجه بمشهد التوصل إلى اتفاق بين سوريا وإسرائيل.

وبات استئناف المفاوضات مع سوريا ضرورة ملحة في ضوء الجهود المبذولة حاليا من أجل إحياء مبادرة اتفاقية بيروت في أعقاب القمة العربية التي عقدت في 28 مارس الماضي. فبينما قد تفضل أميركا وإسرائيل إعطاء أولوية للمسار الفلسطيني على حساب المسار السوري، فإن انعدام أي تقدم على المسار السوري سيؤثر حتما في تقدم المسار الآخر. فدمشق لديها كثير من الوسائل التي من خلالها يمكن لها تقويض أي تقدم على المسار الفلسطيني.

وذلك بتشجيع حماس أو الجهاد الإسلامي على اللجوء إلى العنف. يمكنها كذلك انتقاد التنازلات الفلسطينية، أو في حال التوصل إلى اتفاق سلام فإنه يمكنها منع عقد استفتاء بين اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في سوريا. وبالمنطق ذاته فإنه في حال عدم تمكنها من التوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا، فإن إسرائيل لن يمكنها تحقيق تطبيع مع العالم العربي، وهو الأمر الذي يعد هدفا رئيسيا، من دونه سيجد قادتها صعوبة بالغة في إقناع الشعب بتقديم تنازلات للفلسطينيين.

وحسب تقرير مجموعة الأزمات الدولية فان الخطوط الرئيسية للحل هي الآن معروفة للجميع.وقدمت المجموعة هذه الخطوط في تقرير لها في 2002 ثم أعادت صياغتها في سياق مبادرة سلام غير رسمية بين مواطنين سوري وإسرائيلي. وفي ظل مثل تلك الظروف فإنه لا يوجد مبرر قوي لدى إسرائيل كي تؤجل محادثات السلام، ولا يوجد حتى أي مبرر لدى واشنطن لمعارضة تلك المفاوضات.و فيما يلي التوصيات التي توصلت إليها مجموعة الأزمات الدولية للحكومة الإسرائيلية:

ـ الاستجابة بشكل إيجابي للعرض السوري الخاص باستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة ـ وقف جهود توسيع المستوطنات في الجولان.

التوصيات المقدمة للحكومة السورية:

ـ دعم جهود الجامعة العربية لتفسير وتسويق مبادرة السلام بين الشعبين العربي والإسرائيلي. ـ تعزيز الدبلوماسية الشعبية عن طريق الخطوات التالية: التأكيد بشكل واضح على أن سوريا مستعدة للتفاوض بدون أي شروط، إعطاء مسؤولين سوريين معينين تفويضا واضحا لتفسير .

وإيضاح ونشر نظرة سوريا للمفاوضات الماضية وموقفها الحالي،الالتزام بتوفير معلومات عن الجنود الإسرائيليين المفقودين وإعادة جثة الجاسوس الإسرائيلي الذي أعدم ـ إيلي كوهين ـ في المراحل الأولى لاستئناف المفاوضات، تسهيل دخول المواطنين الإسرائيليين الذين لديهم أقارب أو جذور عائلية في سوريا، بمن فيهم الإسرائيليون من أصل فلسطيني وسوري.

التوصيات المقدمة إلى اللجنة الرباعية:الضغط من أجل إعادة المفاوضات على المسار الإسرائيلي ـ السوري والبدء بعقد نقاشات موازية مع الجانبين.

ترجمة: حاتم حسين