يعيش نحو 15 مليون مصري في المقابر وقوارب نيلية وعشش فوق أسطح المنازل وأماكن أخرى غير صالحة للسكن. وتقول فتحية وهي إحدى سكان المقابر لمراسل صحيفة «إلباييس» الأسبانية في تقرير لها من العاصمة المصرية القاهرة «لا أجد داعيا للخوف من الموتى» حيث تعيش هي وزوجها وأبناؤها الستة في أحد المدافن بمقابر قايتباي بالقاهرة وتنشر غسيلها في حوش المدفن حيث يلهو أطفالها.
وأضافت فتحية: «أعيش هنا منذ 17 عاما» وهى تعبر الحوش المشمس الذي توجد تحته المقابر، ولا تعرف الوصول إلى الماء أو الكهرباء مع أنها لم تتذمر من عيشتها هذه. وتقول: «أسعار المساكن غالية، كما أنى تعودت على سكن المقابر.. عشت هنا طوال حياتي وكان أبى ـ علي مصطفى ـ يعمل حانوتيا منذ أن رحل عن أسيوط منذ 60 عاما وجاء إلى العاصمة.
أما على مصطفى نفسه (81 عاما)، فأصبح حاليا الذاكرة التاريخية للمكان. ويعرف كل فرد من أفراد العائلات التي يعيش أفرادها تحت الأرض، واستفاد من هذا الأمر كثيرا وحين جاء موعد زواج ابنته أقنع إحدى العائلات بأن ترعى ابنته مع زوجها مدفن الأسرة مقابل العيش بداخله، في حين يضطر الآخرون لدفع بضعة جنيهات لحراس المقابر حتى يعيشوا بداخلها.
وأعربت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة عن قلقها بشأن هذه الظاهرة، ولاسيما وأن هناك إحصائيات غير رسمية تؤكد أن نحو مليون ونصف مصري يعيشون داخل المقابر. وتشير الإحصائيات غير الرسمية إلى أن 50 ألف شخص يعيشون داخل المقابر ذاتها بينما يقيم الآخرون في مساكن غير لائقة تم بناؤها فوق المدافن القديمة.
وحتى يتأقلم السكان مع ظروف الإقامة في المقابر، قام بعضهم بسرقة خطوط الكهرباء القريبة أو مواسير المياه، بالإضافة إلى إقامة بعض الورش والمحال التي تغطي احتياجاتهم. لكن سيارات الأجرة التي تقف أمام بعض المنازل تدل على المستوى الاجتماعي الاقتصادي لساكنيها، حيث تحولت مدينة الموتى إلى مدينة للأحياء. واعترفت الحكومة المصرية باحتياجات هذه المدينة حيث أقامت بعض منشآت البنية التحتية لكنها لا تزال تحت التشييد.
وتفوح رائحة المجارى والقمامة المتراكمة بين البيوت حيث لا يزال سكان المدافن يعيشون بصورة غير مشروعة. وتذكر الصحيفة أنه في عام 2001، حاول محافظ القاهرة نقل 110 ألاف مقبرة من مدافن باب النصر، لكنه فوجئ بمعارضة قوية، حيث يقول عمر وهو رب أسرة مكونة من أربعة أبناء وعاطل عن العمل:
«كانت الشقق التي قدمتها وزارة الإسكان آنذاك في مدينة 15 مايو (بأقصى جنوب القاهرة) لا تتمتع بمرافق مياه أو كهرباء»، مضيفا: «إن عثرت على وظيفة لن أحصل سوى 150 جنيها في الشهر، وأنا حاليا أعطي 18 جنيها للحارس مع شعوري بالأمان. . العيش مع الموتى هو الحل».
ويكشف تقرير للمركز المصري للحقوق الشخصية بعنوان «الحق في مسكن لائق» أن 30 بالمئة من العائلات بالقاهرة تعيش في منزل يتكون من غرفة واحدة. في حين يعيش كثيرون في ملاجئ شيدت أثناء حرب 1973 للحماية من القنابل فيما يعيش آخرون في عشش فوق الأسطح أو في أماكن عملهم إن كان في ورشة ميكانيكي أو في قارب نيلي.
ويقول كامل رياض مرقص وهو مهندس معماري إن الظروف التي يعيشها السكان في مصر هي انعكاس للوضع الاجتماعي والاقتصادي. ويرى أن مصر تحتاج إلى مابين 6 ,1 و7 ,1 مليون شقة ، أي أن ما بين 8 و 5 ,8 ملايين مصري يفتقرون للمسكن اللائق، وهو ما يعادل أكثر من 10 بالمئة من تعداد السكان.
ويقول جوزيف شيشلا منسق الشرق الأوسط بجمعية «هابيتات إنترناشيونال كواليشن» وتفاقمت المشكلة مع الانفجار السكاني الذي حدث في نصف القرن الأخير حيث ارتفع تعداد سكان مصر من4ر23 مليون عام 1952 إلى ما بين 70 مليون و79 مليون نسمة اليوم، حسب العديد من المصادر، بمعدل نمو يعادل 3ر1 مليون سنويا. ومن المنتظر أن يصل تعداد السكان في مصر إلى 95 مليون نسمة بحلول عام 2017.
وتسعى الحكومة المصرية إلى تشييد 3,5 ملايين مسكن جديد بواقع 8, 2 مليون في الريف و5,2 مليون في الحضر. يذكر أن عام 2017 هو العام الذي حددته الحكومة المصرية منذ عام 1997 لإكمال خططها في توسيع مساحة المنطقة المأهولة من مصر إلى 25 بالمئة والتخفيف من الضغط على منطقة وادي النيل ودلتاه.
وتهدف الخطة الحكومية إلى تشييد 44 مدينة جديدة بالصحراء، ووضع خطة حكومية لتسهيل الحصول على السكن للمهمشين وترك الباقي لقوى السوق، ومواجهة المشكلات في المدن الحالية بتوجيه السكان إلى المناطق الخالية وتقديم الخدمات إلى المناطق التي تفتقر إليها، ومنع إقامة أحياء عشوائية جديدة.