على ضفاف النيل راح العراقيون الذين استطاعوا دخول مصر تذكر مشهد سقوط بغداد في التاسع من ابريل قبل أربع سنوات عندما سارت المركبات المصفحة في شوارع وسط العاصمة العراقية وساعدت العراقيين المفترض أنهم «سعداء» في إسقاط تمثال ضخم للرئيس العراقي الراحل صدام حسين.
هذا المشهد طغى على جميع وسائل الإعلام المرئية لأشهر حيث صور سقوط دكتاتور كان تعهد لشعبه بأن معركة بغداد ستكون نسخة القرن الحادي والعشرين من معركة ستالينغراد لكنه اختفى يوم سقوط بغداد.
وقال أحمد كاظم عبيد وهو مواطن عراقي من منطقة الدورة يعيش حاليا في مدينة السادس من أكتوبر الواقعة على مسافة 25 كيلومترا من وسط القاهرة على طريق القاهرة ـ اسكندرية الصحراوي إن أحداث هذا اليوم محفورة في ذاكرته. وأكد أنه لم يكن عضوا بحزب البعث لكنه قال «كنت مستعدا للدفاع عن بغداد حيث كان عندي كلاشينكوف ونفقا محفورا تحت منزلي تحسبا لأي ظرف».
وكان عبيد يشاهد بوضوح ما يجري على بعد بضعة أميال من منزله الواقع على حدود منطقة زراعية. ويسترجع مشهد سقوط بغداد قائلا «سارت ست سيارات مصفحة في منطقتي البياع والسعيدية باتجاه المدينة». ولم يستغرق عبيد وقتا طويلا ليدرك عدم جدوى وقف الدبابات بالكلاشينكوف. وحبس نفسه داخل منزله ذلك اليوم ولم يخرج منه لمدة طويلة.
ومثل الكثير من العراقيين يعتقد عبيد أن بعض كبار الضباط العراقيين حصلوا على رشاوى قبل اللحظة الحاسمة ولذا لم تجر أحداث معركة بغداد الموعودة مطلقا، وهو حاول استئناف حياته الطبيعية، ولكن نظرا لعدم وجود وظائف ركز عبيد اهتمامه على الدراسة للحصول على ماجستير في الجيولوجيا.
وكان على وشك أن يناقش رسالة الماجستير العام الماضي عندما انفجرت سيارة ملغومة خارج مبنى الجامعة في أحد الأيام وأصيب بجروح شديدة في وجهه تحولت إلى ندوب، ويقول: «ذهبت إلى (العاصمة الأردنية) عمان لإجراء جراحة تجميل لكن لم يسمحوا لي بالدخول في المطار. وتمكن صديق لي هنا في القاهرة من منحي تأشيرة دخول سياحية لمدة ثلاثة أشهر من خلال شركة سياحة ووصلت إلى القاهرة في أكتوبر».
وأجرى عبيد عملية جراحية منذ وصوله وينتظر إجراء أخرى. وقبل انتهاء مدة تأشيرته استأجر متجرا بمنطقة الحصري في السادس من أكتوبر وفتح مخبزا سماه «مخبز بغداد». ويأمل عبيد أن يسمح هذا المشروع الصغير له ولشريكيه العراقيين وهما مهندس كمبيوتر وخريج فيزياء بالحصول على تصريح للبقاء في مصر كمستثمرين.
وتطالب هيئة الاستثمار المصرية المعنية ببحث طلبات المستثمرين بضرورة أن يصل رأسمال المستثمر إلى مبلغ 500 ألف جنيه مصري (نحو 90 ألف دولار) كحد أدنى. وتمكن الشركاء الثلاثة في تدبير هذا المبلغ لكن عبيد يشير بأسى إلى أن الهيئة رفضت العديد من الطلبات المماثلة في الآونة الأخيرة.
وفي الحي السابع الأكثر رقيا بالسادس من أكتوبر يوجد مقهى يدعى «شاكو ماكو» وهي كلمة تعني باللهجة العراقية «هل هناك شيء؟ لا ليس هناك شيء».ويدير شاكو ماكو حميد عبودي هاشم أستاذ القانون بجامعة المستنصرية بمساعدة ابنه عمر (20 عاما) ونادل مصري.
وقال النادل المصري: «من المؤسف أن يعانوا هكذا بينما كنا نحن المصريين نلقى أشد الترحيب في بلادهم».. في حين قال مواطن عراقي كان يجلس في المقهى إنه مهندس نفط فر من العراق بسبب العنف وندرة الوظائف. وقال المواطن العراقي الذي رفض ذكر اسمه إن صدام حسين كان سيدافع عن العراق إذا لم يخنه رجاله.
وأشار إلى أنه من الأعظمية معقل حزب البعث بشمال غرب بغداد حيث يزعم أن صدام اختبأ ليلة سقوط بغداد. وقال: «رأيت صدام في هذا اليوم بالأعظمية جاء في سيارة( تويوتا) وانضم للمصلين بمسجد أبو حنيفة».
وحاصرت القوات الأميركية الأعظمية في الصباح التالي وهاجمت المسجد. وقال إن «معركة شرسة وقعت حول مسجد أبو حنيفة هذا الصباح وقصف الأميركيون المسجد وحطموا إحدى مآذنه وقتلوا العديد من الأشخاص لكن صدام كان اختفى في ذلك الوقت».ولا يجد عدد محدد للعراقيين المقيمين في مصر لكن مصادر مطلعة تشير إلى أنهم قد يصلون إلى 130 ألفا حاليا.
