تحولت قصة حب نادرة بطلها شاب فرنسي وسيم يحترف فن النحت والرسم عشق جميلة من جميلات مدينة سطيف الجزائرية في القرن قبل الماضي إلى أحد أهم معالم المدينة وأكثر تحفها الفنية شهرة. ففي وسط المدينة وعلى طريقها الرئيسية إلى قسنطينة شرقاً وإلى العاصمة غرباً ينتصب تمثال بحجم امرأة حقيقية ومن تحته يتدفق الماء فياضاً يروي المارة، وسُمي المعلم بتمثاله ومائه «العين الفوارة».. فكيف كانت البداية؟.

حين احتل الفرنسيون مدينة سطيف الجزائرية قبل 170 عاماً ساروا على ما سار عليه أسلافهم الرومانيون الذين أسسوها عام 97 للميلاد، فجعلوا منها مركزاَ كبيراً وعملوا على تحديثها وتطويرها بما يتناسب ومخططاتهم الاستيطانية. فوسعوها وأقاموا بها البنايات الكبيرة ذات الطراز الأوربي

وشقوا الشوارع وأقاموا الساحات بحسب ذوقهم و زرعوا بها عشرات الآلاف من المستوطنين، كما زارها عشرات من الفنانين التشكيليين والنحاتين للمشاركة في هذا التطوير باختصاصاتهم. ووقع أحد هؤلاء الفنانين في غرام فتاة رائعة الجمال من بنات المدينة، كان قد رآها وهو يتجول على حصان مع الحاكم الفرنسي للمدينة في أواخر العام 189،

فطلب من الحاكم مساعدته على الحديث لأهلها بشأن تزويجه منها. وحين حدث اللقاء اعتذر أحد كبار العائلة، وقال له «بنات عامر لا يتزوجن بأجنبي» وعامر هو اللقب الذي يطلق على منطقة سطيف. وتجرأ الحاكم بالقول: «نحن من أهالي المدينة وهذا الذي يريد ابنتكم منا وسيقيم في سطيف دائماً». فجن جنون أحد أشقاء الفتاة وكاد أن يتسبب في معركة، كونه لا يرى في الفرنسيين سوى طغاة غزاة احتلوا المدينة بقوة السلاح. لكن تدخل العقلاء مكّن من تذليل المواجهة.

واعتذر كبير العائلة ثانية وأكد أن الفتاة مسلمة ولا يمكن لها أن تتزوج غير مسلم. وعرض على طالب يد حفيدته أن يشهر إسلامه ويبدأ في تعلم القرآن الكريم وإقامة الصلاة. وكان الحدث قد وقع قبيل رمضان، فطلب منه أيضاً أن يصوم الشهر الفضيل وبعدها يكون أهلاً للفوز بالفتاة. الشروط كانت قاسية والمهر لم يكن باستطاعة الشاب الفرنسي الذي لم يسبق له أن عاشر المسلمين وعرف عاداتهم،

وكان من المستحيل عليه تنفيذها بما يعني أنه من المستحيل الحصول على مراده لأنه المهر المطلوب للفتاة وبقي كلام الجد يتردد في أذنه «إن شئت أعطيناك الفتاة لكن يجب أن تدخل في ملتنا أولاً» وظلت صورة الفتاة التي رآها الشاب مرات ولم يكلمها قط عالقة في ذهنه ولم ينسها أبداً.

وحين عاد إلى بلاده جسد ذلك الحب في إبداع فني راقٍ بنحت تمثال كبير لامرأة بملامح تلك الشابة التي أحبها في الجزائر، وعرضه في معرض خاص بباريس في ربيع عام 1898 لمدة شهر كامل. المرأة التمثال تجلس على مقعد وهي تتأهب للنهوض وعيناها متطلعتان للأفق.

وصادف تنظيم المعرض طلب كان حاكم سطيف قد تقدم به لدى مدير معهد الفنون الجميلة في باريس لبناء منحوتة تذكارية تحمل دلالات فنية وتاريخية لتزيين الساحة المركزية للمدينة. وعرض المدير على الحاكم إنجاز النحات المغرم فقبله على الفور كونه يجمع بين جمال تلك التحفة وقصة حب نادرة في ذلك العهد.

في يوليو من العام 1898 نقل التمثال من باريس إلى مرسيليا في رحلة استغرقت 16 يوماً لتحمله باخرة مدة 22 يوماً وتكفل عشرات من الأشخاص بإنزاله من الباخرة و وضعه على عربة تجرها ثمانية أحصنة انطلقت من سكيكدة مع نحو خمسين فارساً كانوا يحرسونها.

وظل الموكب يسير 12 يوماً حسب ما حفظته الأوراق القديمة التي تتحدث عن سطيف، وقد استضاف حكام مختلف المدن والقرى التي تفصل سكيكدة عن سطيف ذلك الجمع الغفير من المشرفين على نقل التحفة، كما عرض التمثال في جميع تلك المدن، فكان ذلك حملة إشهار دفعت الآلاف من الناس للتنقل يوم تدشين المعلم.

وفي يوم خريفي شديد البرودة تقدم الحاكم لإزالة الستار إيذاناً ببداية تشغيل العين، فظهرت فوهاتها وهي تتدفق ماء يصعد منه البخار من شدة برد ذلك اليوم. فتعالت صيحات الحاضرين «إنها فوارة» بمعنى ساخنة تفرز البخار. وبقي اسمها «العين الفوارة».

وحتى مدينة سطيف صارت تُكنى «مدينة العين الفوارة». وحين يذكر فريق «الوفاق» لكرة القدم، يقدم عادة على أنه «فريق العين الفوارة». ومع أن الفرح كان عارماً ببناء تلك العين التي يحتاجها السكان فإن الكثيرين لم يستحسنوا وضع تمثال لامرأة عارية على بعد أمتار قليلة من أقدم مسجد في المدينة،

لكن بعد مدة صار وجوده أمراً عادياً واندمج في النسق العام للمدينة. وقد نسجت أساطير حول تلك العين دخلت في الذاكرة الشعبية فقيل بأن فيها البركات والسخاء. ومن شرب منها سيعود بلا شك لمدينة سطيف ويقيم بها ويحقق النجاح فيها إلى أن يدفن بها.

الجزائر ـ مراد طرابلسي