عاشت الساحة السياسية جدالاً متجدداً، على موضوعي المحكمة ذات الطابع الدولي التي تطالب بها «قوى 14 آذار» لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وحكومة الوحدة الوطنية التي تصر «قوى 8 آذار» المعارضة على تشكيلها،

وزادت تصريحات رئيس المجلس النيابي نبيه بري من حدة الأزمة بقوله إن المذكرة التي رفعتها الغالبية النيابية إلى الأمم المتحدة لن تفيد، داعياً الوسيط السعودي إلى عقد اجتماع لأركان الحوار اللبناني على الأراضي السعودية، وسط تسريبات عن نية حكومة فؤاد السنيورة إرسال مذكرة رديفة، فيما المعارضة من طرفها تلوح بالعصيان المدني.

وكشف مصدر في الغالبية لـ «البيان» أن المذكرة التي وجهها 70 نائباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في شأن المحكمة «لن تكون يتيمة»، مشيراً إلى أن «طلباً آخر في هذا الخصوص سيرسل رسمياً عبر الحكومة اللبنانية إلى مجلس الأمن في حال بقي مجلس النواب مقفلاً أمام عقد جلسة نيابية عامة»،

علماً أن «بعض ردود الفعل من قيادات في المعارضة لا توحي بإمكان حصول أي خطوة ايجابية حالياً لإيجاد حل لبناني». وفيما بدا أن الحوار بين بري والحريري لا يزال معلقاً بخلاف الأجواء التي كانت أوحت باحتمال حصوله، أعربت مصادر مقربة من بري خشية من أن تقدم السعودية على وقف الجهود والمساعي التي تبذلها لإيجاد مخرج للأزمة اللبنانية.

ونقلت عن بري أن «الأخوة السعوديين سواء في تدخلهم المباشر وعبر الاتصالات التي يجرونها مع الأفرقاء أو من خلال تحرك السفير عبدالعزيز خوجة على الأرض استنفدوا الوسائل في مسعاهم من أجل التقريب بين اللبنانيين وإنهم في كل مرة كانوا يصطدمون برفض الغالبية ومن ورائهم القوى الدولية المؤثرة لما كانوا يطرحون».

وتساءل بري عما إذا كان الأميركيون والفرنسيون يؤيدون فعلاً المسعى السعودي ويريدون له النجاح، معتبراً أنه «لو كان ذلك صحيحاً، لكانوا عمدوا منذ زمن إلى تسهيل المبادرات بدل احتضان الرافضين لها ودعمهم». وعكس الحديث الذي أدلى به بري ليل أول من أمس ارتفاع حدة الصراع السياسي عقب تقديم نواب الغالبية مذكرتهم إلى الأمم المتحدة،

ولكن من دون أن يبلغ الأمر حد توجيه ضربة قاصمة إلى احتمالات تجدد لقاءات الحوار بين بري والحريري. وقال بري إنه لا يزال يسعى إلى حل «أما إذا كانت (المذكرة) خيارهم النهائي فهي لا تحل المشكلة، لأن المشكلة ليست المحكمة، بل هي في موضوع الحكومة».

وكشف أنه اقترح على السفير خوجة الاثنين الماضي، مرة أخرى، عقد اجتماعات لأركان الحوار في المملكة العربية السعودية كما تقدم بمزيد من الضمانات للمحكمة بضم وزير العدل اللبناني شارل رزق ومساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون القانونية نيقولا ميشال إلى «اللجنة الرباعية»، التي سبق له أن اقترح تأليفها لدرس نظام المحكمة.

وأعرب بري عن اعتقاده أن مخطط الغالبية «هدفه ممارسة مزيد من الضغط لإقرار المحكمة ضمن المؤسسات الدستورية»، معتبراً أن إقرارها في مجلس الأمن «لا يغني ولا يسمن عن المؤسسات الدستورية اللبنانية». وقال: «أنا وحزب الله نريد المحكمة ومعنيان بها ولكن نريد مناقشتها».

ورد على منتقديه ومتهميه بإقفال مجلس النواب، قائلاً إن «قمة ما يكتبه التاريخ عني هو ما أفعله الآن هو أنني أحمي آخر حمى الشرعية في لبنان، لأن لدي معلومات أنه بمجرد أن أعقد جلسة (لمجلس النواب) في هذا الجو فان أكثر من 50 نائباً يمكن أن يستقيلوا».

ولم يستبعد قيادي في «قوى 8 آذار» أن تلجأ المعارضة إلى المواجهة والعصيان المدني، مكرراً القول: «إننا سنستخدم كل الأساليب السلمية والحضارية. والعصيان المدني من ضمن الخيارات السلمية، ولكن إذا وصلوا إلى حد الإطاحة بآخر مؤسسة دستورية وهي المجلس النيابي فهذا يعني أن البلد ذاهب إلى خراب».

وأكد القيادي المعارض على أن «المعارضة لن تقبل في أي شكل من الأشكال، ولن تسكت عن وصول الأمور في اتجاه اتخاذ قرار المحكمة عبر الفصل السابع». وأضاف أن «كل الأمور متعلقة بالفعل ورد الفعل وكل خطوة سيكون بمقابلها خطوة موازية لها».

في المقابل، أعلن الحريري أن إرسال المذكرة إلى الأمم المتحدة كان هدفه القول «لأخوتنا في الوطن أن هذه هي فرصتهم الأخيرة وهي بمثابة إنذار»، وأوضح أنه «إذا ارتكبت أي جريمة الآن فهناك عريضة بين يدي الأمم المتحدة وعندها سيتحرك مجلس الأمن من تلقائه لتطبيق الفصل السابع».

وقال: «لن نسمح لهم بعرقلة قيام المحكمة... نحن رجال رفيق الحريري وهم توابع لمصالح نظام سوري بائس أو لدولة إيران البعيدة جداً عنا». في هذه الأثناء، عرض رئيس الوزراء السنيورة في اتصال مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في موضوع المذكرة والمناقشات التي يجريها مجلس الأمن حول القرار 1701،

وكذلك أجرى اتصالين آخرين مع الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن المشترك للإتحاد الأوروبي خافيير سولانا ووزير الخارجية الإيطالي ماسيمو داليما.ووردت معلومات إلى بعض القيادات اللبنانية أمس أن «التوجه في الأمم المتحدة بات يميل بقوة إلى إقرار المحكمة تحت الفصل السابع،

ولكن مع إبقاء صيغة قيامها من حيث كونها محكمة دولية ولكن في الوقت نفسه ذات طابع لبناني»، لافتة إلى أن «احتمال إجراء التعديلات التي قد يطرحها الجانب الروسي وارد وقد لا يكون وارداً كذلك في ضوء قراءة مضمون مشروع التعديلات»، وأضافت أن «سوريا قد لا تكون قادرة على البقاء في موقع المعارض أو المعترض على قيام هذه المحكمة،

وخصوصاً بعدما تبلّغت بوضوح في القمة العربية ومن زوارها الدوليين في الفترة الأخيرة عدم تراجع المجتمع الدولي عن المحكمة». ورأى مصدر سياسي مستقل في تصريحات لـ «البيان» أن «إصدار مشروع المحكمة من مجلس الأمن مع الإبقاء على طابعه اللبناني كما هو وارد في المشروع أصلاً يزيح العبء عن ظهر الجميع».

بيروت ـ علي بردى