59 عاماً في الشتات، حياة من تيه تلك التي تجمع نحو ستة ملايين لاجئ فلسطيني، فلا العودة تلوح في الأفق، ولا شروط الاندماج في مجتمعات المنافي نضجت. عادت قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى الواجهة، مع قمة الرياض العربية الأخيرة، التي تبنت بند إعادة تفعيل مبادرة السلام العربية التي تتضمن بنودها قضية اللاجئين، وحلا متفقا عليه استنادا إلى القرار الدولي 194.

وذلك بعد لغط عن محاولات شطب حقهم في العودة، سرعان ما بددته القمة بقراراتها. مهما تنوعت شروط المنافي في قسوتها أو يسرها، هناك قاسم مشترك واحد بين اللاجئين: الإصرار على العودة إلى الديار التي هجروا منها قسرا، هذا الإصرار لم يبق حبيس النوايا، بل خرج إلى دائرة الفعل والتنظيم عبر لجان في مخيمات اللجوء، وحملات منظمة، بينها واحدة تحمل شعار «راجع»، للتمسك بحق العودة.وبدأت الرابطة الفلسطينية لحفظ حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم «راجع»، بالعمل الإعلامي والتوعوي المكثف للاجئين، وبخاصة النشء منهم للتذكير بأهمية حق العودة ورفض كل الحلول المطروحة التي تستثني حق العودة، الذي هو حق شخصي لكل لاجئ فلسطيني لا يسقطه غير صاحبه.

وشكلت «راجع» هيئة تنسيق مكونة من 35 جمعية فلسطينية داخل لبنان مهمتها الدفاع عن حق العودة وفق القرارات الدولية. وتتضمن الحملة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والمطالبة بقضاياه الملحة إلى جانب العمل على تنمية الشخصية الوطنية الفلسطينية وبلورتها بشكل أكبر من خلال برامج وأنشطة ذات طابع وطني تراثي تنموي، وذلك بمناسبة مرور أكثر من نصف قرن على النكبة الفلسطينية التي هجرت أكثر من مليون فلسطيني يعيشون في مخيمات الشتات ويترقبون مصيرهم بين لحظة وأخرى، مصير قد يصادر إلى الأبد مفاتيح ديارهم في قرأهم.

كما يقول «أبو رستم» العجوز السبعيني، الذي يحمل مفتاح داره الصدء في رقبته، فالفلسطينيون الذين هجروا من أرضهم بالقوة لم يخسروا أحلامهم وتطلعاتهم، قط. فماذا تحمل ذاكرة الإنسان الفلسطيني، حين أخرج من قريته وحقول بساتينه، لآخر مرة وعلى أمل العودة بعد خمسة عشر يوما أو اقل، كما وعده جيش الإنقاذ العربي، لم يدر في خلده يومها أنه سائر في درب «اللاعودة» القسري.

الحاجة أم شاكر ياسين (من قرية الزيب) تصف رحلة الخروج المرير من الوطن: يوم الخروج من فلسطين سنة 48 كان عمري ثلاثين سنة وأما لثلاثة أولاد. قضينا فترة طويلة ونحن صامدون نقاوم اليهود والانجليز، أثناء القصف كنا نهرب إلى البساتين والمغاور، ونعود إلى بيوتنا بسرعة لنطبخ لأولادنا ولرجالنا المقاومين على حدود الزيب. وكان أهل الزيب ينسقون مع أهل نهاريا،(أصبحت منتجعا سياحيا إسرائيليا) وكان الاتفاق بينهم أن لا خروج من فلسطين مهما كان الثمن.

. حينها بدأ الطيران الحربي يقصف القرية، فبدأ جيش الإنقاذ المرابط على حدود القرية، بالطلب من سكان الزيب ونهاريا المغادرة، وكانوا ينقلون لرجالنا أخبار المجازر وفظائعها في المدن الأخرى التي سقطت، وبخاصة مذبحة دير ياسين بكل أهوالها، عندئذ قرر الرجال إرسال النساء والأطفال إلى قانا في جنوب لبنان، حيث كانت تربطنا بأهل قانا علاقات متينة وكان قسم كبير منهم يعملون في بساتين الزيب قبل بدأ تسلل العصابات الصهيونية إلى أراضينا.

تروي أم محمد حكاية أخرى عن الزيب لكن بعد سقوطها، فتقول: بعد أن قتل كثير من شبابها ورجالها، دخل اليهود البلدة وهم يطلقون الرصاص العشوائي ويقتلون من يصادفهم من الفلسطينيين بدون تمييز بين كبير أو صغير، بين رجل وامرأة، هربت مع زوجي إلى البيت، دخلوا الدار عندنا، سمعت وقع أقدامهم المتسارعة ورصاصهم الملعلع الذي أعقبته صرخة زوجي، أدركت أنهم قتلوه وارتبكت فلم أجد أمامي غير مدخنة المدفأة الحطب، فتسلقته من الداخل غير آبهة بشيء. كنت حاملا في الشهر الثالث.

بقيت على هذا الوضع ساعات حتى حل الظلام وسكتت الأصوات، نزلت من المدخنة، وتسللت على رؤوس أصابعي حافية القدمين لا ألوي على شيء وهربت إلى البساتين حتى وصلت إلى بستان بيت الدقسة وبت فيه إلى الصباح حيث تابعت سيري مشيا إلى رأس الناقورة، ثم صور، حيث نقلت إلى المستشفى وعولجت، ولم أخسر حملي حيث وضعت في صور بنتا جميلة.

وتضيف: شباب بلادنا قبضايات وشجعان، وما كانوا يخافون الموت، لكن لم يكن هناك تدريب. كان الواحد يبيع ذهب زوجته أو بقرة من بقراته، أو أي شيء من عنده ليشتري بندقية. بعد وصول أهالي الزيب إلى قانا بأيام لحقهم سكان قرية الغابسية، الذين رووا للرحل الأوائل ما حصل بعد هروبهم وكيف سقطت الغابسية.

تقول مريم التي فرت مع زوجها صالح وأبنائها الأربعة وبينهم رضيع: سرنا مسافة طويلة حتى وصلنا إلى حقل قمح فجلسنا مع أطفالنا. كنا قد حملنا معنا ما خف حمله من ملابس للصغار وبعض الطعام.. ولم تمض نصف ساعة حتى بدأ الطيران من جديد بالقصف ولا شيء يستر رؤوسنا، أسرعنا حاملين أطفالنا وأشياءنا نركض كالمجانين من بيادر القمح. لم أدر كم من الوقت، ولا كم قطعنا من الطريق.

**لاجئون بين اللاجئين

اسمي خليل محمد حسين، لاجئ فلسطيني من مدينة يافا، لا أحمل أوراقا ثبوتية، لجأت في العام 1948 إلى مخيم الفارعة بالقرب من مدينة نابلس، وفي العام 1967 نزحت مع أهلي وأقاربي إلى الأردن نتيجة الاحتلال الإسرائيلي ومجازره في الضفة الغربية، لكن رحلة النزوح واللجوء والتشرد لم تكمل دورتها معي، أرادت أن تلطمني بأمواجها العاتية لترميني بعيدا في منافي جديدة وهذا ما كان، ففي العام 1970 وعلى أثر ايلول الأسود غادرت الأردن إلى لبنان مرورا بسوريا وأنا شبل في حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح». وفي لبنان استقر بي وبعائلتي المقام في مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين، وأنا أكبر ويكبر معي حلم فلسطين والعودة والتحرير.

في السبعينات كان يكفي أن تحمل بطاقة منظمة التحرير الفلسطينية «بطاقة الثورة الفلسطينية» لكي تتنقل في أرجاء لبنان، ولكن كان الأفضل لك أن تتحاشى المرور على حاجز القاسمية للجيش اللبناني، لأنه قد ينتهي بك المطاف إلى التوقيف والسجن.. ومضت السنين وأصبحت شابا يافعا في سن الزواج وحلم تكوين العائلة والأسرة.

وبالفعل تزوجت من فتاة فلسطينية من مخيمات شعبنا في لبنان، وتمت الأمور على ما يرام فقد كان في تلك الفترة الزمنية يكفي أن تملك بطاقة من المنظمة لتنجز على ضوئها معاملاتك في المحاكم الشرعية وبعض الدوائر الرسمية اللبنانية، وهذا من ميزات اتفاقية القاهرة التي أبرمت في أواخر الستينات بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة اللبنانية، ونظم بموجبها الوجود الفلسطيني في لبنان.

ينظر خليل محملقا إلى الفراغ، وهو يشعل سيجارة من النوع الرديء، ويتابع: في العام 1984 صادفتني أول مشكلة وذلك حينما أنجبت زوجتي طفلنا الأول، ولم استطع استخراج وثيقة ميلاد رسمية له مسجلة في الدوائر الرسمية اللبنانية ومصادق عليها من قبل دائرة النفوس أو شؤون اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.. واليوم وبفضل من الله عندي أربعة أبناء ابنتين وابنين، وأصبحوا شبانا ولا يملكون أي أوراق ثبوتية أو بطاقات تدلل على هويتهم وتثبت شخصيتهم، فهم لا يستطيعون مغادرة المخيم الذي اسكنه اليوم (مخيم عين الحلوة) وبذلك حرموا من حق إكمال دراستهم الجامعية.

ولايستطيعون العمل خارج المخيم وذلك بسبب عدم حيازتهم على الأوراق الثبوتية أو ما يعرف عليهم من أوراق رسمية، وقد زاد من معاناتي ومعاناة أولادي القرارات الأخيرة التي اتخذتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الانروا) بحرماننا من الاستفادة من خدماتها الصحية والاستشفائية بعياداتها ومراكزها الطبية أو أي نوع آخر من الخدمات تحت مبرر إننا لا نملك بطاقة لاجئين فلسطينيين في لبنان.

يتنهد خليل ويتابع: عندما أصبت بمرض السكري نقلت إلى إحدى العيادات للعلاج وأنا في حالة مرضية شديدة رفض المشرفون علي تقديم أي نوع من العلاج أو إعطائي تحويل إلى أي من المستشفيات المتعاقدة معها وكالة «انروا»، ولولا العناية الإلهية وتدخل منظمة التحرير وتغطية علاجي على نفقتها ربما ما كنت اليوم على قيد الحياة.

ويؤكد أن هناك 25 ألف نسمة يتوزعون في كل المخيمات الفلسطينية في لبنان، حالتهم تشابه حالتي.. لا استطيع الخروج من المخيم أو العمل بسبب الأوراق الثبوتية، وأولادي أصبحوا شبانا ولا يستطيعون إكمال تعليمهم في المعاهد أو الجامعات لعدم توفر الأوراق الثبوتية مما دفعهم وتحت ضغط الحاجة والعوز إلى العمل بأعمال شاقة (أعمال العتالة والباطون) داخل المخيم والتي لا تتناسب وطموحاتهم، وذلك من اجل إعالة أنفسهم.

وينظر خليل مليا في دخان سيجارته المتصاعد ويتابع: أنا في حيرة أمام تساؤلات أولادي وبشكل خاص ابنتي التي انفصلت عن خطيبها حين وقفت الأوراق عائقا أمام إكمال مراسيم الزواج الرسمية (عقد القران) وابني الكبير الذي أصيب بصدمة نفسية حينما اضطر للانفصال عن الفتاة التي اختارها أن تكون شريكة لحياته وكل ذلك بسبب عدم توفر الأوراق الثبوتية للأسرة..

ويتحدث خليل بنبرة غاضبة: تمطرني ابنتي الصغيرة بسيل من الأسئلة، اقلها لماذا يا أبي لا تخرج معي ومع أمي إلى المدينة أو إلى الكورنيش البحري أو إلى أي مكان للتنزه؟ فتكون إجابتي لا استطيع الخروج من المخيم لأن حاجز الجيش الموجود على مداخل المخيم سيحتجزني لعدم وجود إثباتات شخصية معي.

ومتسائلا بألم: إلى متى نبقى لاجئين بين اللاجئين، ولا نملك أي أوراق ثبوتية، وقد أصبح لدينا سلطة وطنية فلسطينية في أرض الوطن ولها مؤسساتها ووزاراتها وجواز سفر؟ والى متى نبقى وأولادنا في مهب الريح العاتية؟ فإذا كانت السلطة الوطنية ولعوامل وظروف محيطة بها غير قادرة على تأمين جوازات سفر لنا، وإذا كانت وكالة «انروا» والتي أقيمت أساسا من اجل غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين هي أيضا تخلت عنا، إذا من المسؤول عن أطفالنا ومستقبلهم وتوفير الحياة الكريمة لهم؟

وتابع: هل سنترك نواجه مصيرنا هكذا، ونموت على قارعة الطريق كما في حالة خضر عمر علي موسى (أبو محمد) الذي سقط ميتا على قارعة الطريق في أزقة مخيم عين الحلوة وهم يحمل دلة القهوة لاهثا خلف قوته وقوت أطفاله من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل.. منذ فترة غادرنا أبو محمد وسبقه حامد وأبو خالد والعشرات غيرهم وتركوا خلفهم أطفالا لا يملكون أوراقا ثبوتية أو أي مستند يعرف على شخصيتهم.

**المجازر بين عامي 1947 و1948

وثق التاريخ عددا من المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بين عامي 1948 و 1947 إلا أن الكثير منها ظل قيد الكتمان:

ـ مجزرة بلدة الشيخ ووقعت يوم 31ـ 12ـ 1947حينما اقتحمت عصابات «الهاجاناه» (عصابات من اليهود البدو) الصهيونية القرية (التي يطلق عليها الآن اسم تل غنان) وقتل فيها نحو 600 شهيد، وجدت جثث غالبيتهم داخل منازل القرية.

ـ مجزرة قرية الخصاص قضاء صفد وارتكبت يوم 19ـ 9ـ 1947 وقتل خلالها عشرة فلسطينيين على يد عصابات «الهاجاناه».

ـ مجزرة باب العامود بالقدس، ووقعت يوم 29ـ 12ـ 1947، وقتل فيها 14 فلسطينيا، وأصيب 27 آخرون، على يد عصابات «الأرغون» الإسرائيلية.

ـ مجزرة دير ياسين قضاء القدس وارتكبت يوم 10ـ 5ـ 1948 حيث داهمت عصابات «شتيرن» و«الأرغون» و«الهاجاناه» الصهيونية الساعة الثانية فجرا قرية دير ياسين، وشرعت بقتل كل من وقع في مرمى أسلحتهم. ومن ثم تم إلقاء القنابل داخل المنازل لتدميرها على من فيها، وبلغ عدد المدنيين الذين قتلوا فيها 360 شهيدا معظمهم من الشيوخ والنساء والأطفال ودمرت القرية ولم يبق منها سوى الأطلال.

ـ مجزرة قرية سعسع الواقعة في الجليل ووقعت بتاريخ 15ـ 2ـ 1948 وهوجمت منتصف الليل وقامت العصابات بنسف 20 منزلا على المواطنين العزل الذين احتموا فيها من العدوان، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 100 منهم.

ـ مجزرة قرية أبو كبير ونفذت يوم 31ـ 3ـ 1948، وارتكبها «الهاجاناه» حيث لاحقوا المواطنين العزل أثناء محاولتهم الفرار من بيوتهم طلبا للنجاة وذبحوا معظم من في القرية.

ـ مجزرة قرية أبو شوشة قضاء القدس وارتكبت يوم 14ـ 5ـ 1948، وراح ضحيتها 50 شهيدا من النساء والرجال والشيوخ والأطفال ضربت رؤوس العديد منهم بالهراوات، وقد أطلق جنود «لواء جفعاتي» الصهيونية الذي نفذ المذبحة النار على كل شيء متحرك دون تمييز وحتى الحيوانات لم تسلم من المجزرة.

ـ مجزرة مدينة اللد وارتكبت يوم 11ـ 7ـ 1948 ونفذتها وحدة كوماندوز بقيادة موشيه ديان، (أصبح بعد ذلك رئيس وزراء إسرائيل) حيث اقتحمت مدينة اللد وقت المساء تحت وابل من القذائف المدفعية، فاستشهد في الهجوم 176 فلسطينيا واحتمى من بقي على قيد الحياة في مسجد دهمش، فدهمه ديان مما رفع ضحايا المذبحة إلى 426 شهيدا.

واقتيد من بقي منهم من العزل إلى ملعب المدينة ومعظمهم من النساء والأطفال إلى ملعب المدينة وأعطوا مهلة نصف ساعة فقط لمغادرة المدينة سيرا على الاقدام دون ماء أو طعام إيقانا من ديان وقتها أن معظمهم سيموتون في الطريق وهذا ما تم له بالفعل حيث استشهد العشرات من الأطفال والشيوخ جوعا وعطشا.

ـ مجزرة قرية الدوايمة وارتكبت يوم 29ـ 10ـ 1948 والناس غافلون بعد أداء صلاة الجمعة ومنهمكون في أسواقهم وأشغالهم وحقولهم، وقام الجنود بقتل المئات من الشيوخ والشباب، وحطموا رؤوس الأطفال أمام أمهاتهم قبل أن يقتلوا الأمهات، واغتصبت الكثير من النساء. واعترف أحد قادة حزب «مابام» الإسرائيلي (إسرائيل جاليلي) أنه شاهد «مناظر مروعة من قتل الأسرى، واغتصاب النساء، وغير ذلك من أفعال شائنة، خلال هذه المذبحة».

ـ مجزرة قرية عيلينون وارتكبت يوم 30ـ 10ـ 1948 حينما هاجمت القوات الإسرائيلية القرية وأمرت الأهالي بالتجمع في ميدان القرية، فانصاع الأهالي العزل ظنا أن اليهود سيطالبونهم بمغادرة القرية إلا أن تم إطلاق النيران عليهم عشوائيا من الجهات الأربع مما أدى إلى استشهادهم جميعا.

ـ مجزرة البعنة ودير الأسد ونفذت يوم 31ـ 10ـ 1948 وقامت العصابات الصهيونية بتجميع سكان القريتين عبر مكبرات الصوت في السهل الفاصل بين القريتين بحراسة من الجنود الإسرائيليين، وتم قتل مجموعة من الشبان بطريقة وصفها أحد مراقبي الأمم المتحدة بأنها «قتل وحشي، جرى دون مبرر حيث ان الناس كانوا عزلا ولم يقاومونهم».

ـ مجزرة قرية الطنطورة جنوب حيفا ولم يعرف عدد شهدائها بعد ان تمزقت أجسادهم وضاعت هوياتهم، وحدثت يوم 23ـ 5ـ 1948، وقد شرد الصهاينة سكان القرية، ودمروها عام 1948.

عفوية الفدائيين قهرت العصابات الصهيونية

سجل الفدائيون الفلسطينيون بطولات من الدم، متحدين العصابات الصهيونية المتخفية والوصاية البريطانية والصمت العربي، بآخر رصاصة في حزامهم قبل أن يسقطوا مرابطين في أرضهم، أمام العدو الجبار في الصف الأمامي و«الأعداء في الصفوف الخلفية» .

كما يسميهم أحد الفدائيين الذي بقي على قيد الحياة بعد خروجه من معتقل بريطاني، مخلفين الأرامل والأطفال والشيوخ حفاة وجوعى متنقلين من حقل إلى آخر حتى وصلوا لبنان، بعض من أخرجهم الانجليز قسرا من المعتقل إلى الحدود الفلسطينية اللبنانية ليرووا حكاية الثورة التي خاضها أهل القرى من فلاحين وصناع. وكانوا جميعهم فلسطينيين، يقودهم القائد عبد القادر الحسيني، الذي استشهد قبل ثلاثة أيام من سقوط فلسطين.

الحاج خضر محمود (أبو أحمد) كان في الثانية والعشرين حين حمل السلاح وانضم إلى الفدائيين، وانتهت حياته الآن مسناً في مخيمات اللاجئين، يروي للشباب الذين لم يعرفوا من فلسطين سوى الخرائط المعلقة في مخيماتهم حكاية الثورة، يقول: عندما بدأت تتضح لشعبنا معالم المؤامرة وبدأت المقاومة تشتد وتعنف، وتنتشر كالنار في الهشيم في أنحاء البلاد.

كان الوضع السياسي مرتبكا وكنا لا نملك السلاح الكافي وينقصنا التدريب، كان الشباب مستنفرين باستمرار حتى إذا ما سمعوا خبر حشد صهيوني على قرية ما، حملوا بنادقهم وأسرعوا بعفوية ومن دون تنظيم للذود عن القرية، وهذا ما حصل بالفعل في معركة «الكابري» حين حوصرت قرية قلعة جدين الجبلية قرب ترشيحا والكابري والنهر.

والتي تحصن فيها عصابات اليهود فحاصرها الثوار وكانت على وشك السقوط أو أن يموتوا جوعاً، نادى الفدائيون على اليهود في القلعة «سلموا، وحياة الحاج لن نؤذيكم»، في إشارة إلى الحاج أمين الحسيني قائد الثورة، فرد اليهود من القلعة «يلعن أبوكم وأبو الحاج أمين معكم» .

ونرد «وحياة النبي محمد لن نؤذيكم» فكانوا يسبون النبي محمد» كنا نرغب في أخذهم أسرى ومبادلتهم بقرانا المحتلة، وطار في البلاد خبر الحشود اليهودية من حيفا وقضائها لنجدة اليهود في القلعة، فتراكض شبابنا حاملين بنادقهم من كل القرى ولم تتقاعس أي قرية. كان مع اليهود حافلات مصفحة بالحديد، تاركين فيها فجوات لإخراج بنادقهم منها لإطلاق النار.

«عندما بدأت الحافلات المصفحة تصل إلى الكابري كانت بساتينها ومرتفعاتها وأزقتها قد زرعت بالثوار من حملة البنادق. وكان الفدائي لا يستطيع أن يرى مئة متر أمامه لضيق الطرقات وكثافة الأشجار. استمرت المعركة نهارا كاملا ولم يكن هناك أي تنظيم ولا أي تنسيق بين الثوار ولا أحد طلب من الآخر أن يعمل شيئا. كل واحد خاض المعركة على الأرض حسب ما رآه مناسبا وكانت رقعة المعركة لا تزيد على 3 أو 4 كيلومترات.

في المساء تحسن الوضع لصالح الثوار، إذ كلما أظلمت أصبح الفدائي محميا أكثر وتحرك بسهولة أكبر، تساعده معرفته بأرضه وطرقها وشعابها. دمرت حافلات اليهود وبقي أكبرها. زحف شاب من سكان الزيب اسمه معروف باسم محمد اللبناني، زحف في الظلام باتجاه الحافلة ولم تتمكن البنادق من إصابته، وألقى قنبلة في إحدى الفجوات فانفجر بمن فيه وحسمت المعركة لصالح الفدائيين. وتابع: «بعد انتهاء المعركة سار كل شاب حاملا بندقيته عائدا إلى قريته. لم يعرف عددهم فالتجمع كان عفويا لا رابط بينهم غير التمسك بكل الأرض... .

بعد معركة الكابري خرج مختار قرية الزيب مع بعض الأهالي إلى منطقة الحميمة (جنوب طبرية) لاستقبال الجيوش العربية التي كانت ستدخل لتتسلم المنطقة وإعطاء الضمانات للسكان، إذ كان الخوف سائدا بين السكان من عمليات انتقامية، وكان هناك حذر وارتباك من المرحلة المقبلة. في المساء عاد المختار والأهالي إلى القرية مخذولين .. إذ لم تدخل الجيوش العربية فسقطت الزيب في أيدي العصابات اليهودية.

كتبت أسماء المنصوري