إلى شمال بحر العرب حطت بنا طائرة كود (COD) العكسرية الأميركية على متن حاملة الطائرات «جون ستينس» التي تمخر عباب مياه بحر العرب منذ 15 فبراير الماضي في مهمة دعم للعمليات الحربية في أفغانستان المعروفة بـ «تعزيز الحرية».

وكل ضباط الحاملة، بمن فيهم قائدها الأعلى الأدميرال كيفين كوين، أكدوا للفريق الإعلامي الإماراتي الذي ضم «البيان» على أن إيران خارج نطاق اهتمامات الحاملة، لكن ما جرى يوم الثلاثاء الماضي، أي بعد 48 ساعة على زيارتنا، من مناورات ضخمة بالشراكة مع حاملة الطائرات «آيزنهاور» في مياه الخليج العربي أثبت أن إيران في صلب المهمة، فهل يستدعي قتال فلول حركة «طالبان» الأفغانية ومن تبقى من عناصر تنظيم «القاعدة» في أفغانستان تواجد حاملة الطائرات الأحدث في الأسطول الأميركي؟ خلال رحلتنا الاستكشافية كانت السفينة تبعد 150 ميلا (نحو 250 كيلومترا) عن السواحل الباكستانية جنوبا، ومثلها تقريبا عن السواحل الشرقية الجنوبية لإيران، ترافقها أربع قطع بحرية، فرقاطة ومدمرتان وسفينة دعم. وخلال الرحلة التي دامت نحو 24 ساعة، بما فيها محاولة النوم ليلاً وسط ضجيج الطائرات المقاتلة التي لم تهدأ حركاتها إلا قبيل الفجر، تفقدت «البيان» الكثير من المواقع المتناثرة في 24 طبقة (عشر منها تحت مياه المحيط الهندي و 14 فوقها) مثل عمليات الإقلاع والهبوط.

وغرفة المراقبة والتحكم، وغرفة العمليات الحربية التي كانت راداراتها ترصد كل شيء، سواء كان في البحر أو الجو، في محيط 500 كيلومتر، وحتى السواحل الجنوبية الشرقية لإيران المتاخمة للحدود الباكستانية، اذ رأينا على شاشة الرادار طائرات مراقبة إيرانية كانت تمسح السواحل، وطائرة تجارية.

القائد الأعلى للحاملة الإدميرال كوين قال لـ «البيان» إن الحاملة التي تحمل على متنها 65 طائرة مقاتلة وقاذفة مهمتها مساندة عمليات التحالف في أفغانستان «ولا شيء غير أفغانستان» لكنه أوضح وجود تنسيق وتبادل للمعلومات مع حاملة الطائرات «آيزنهاور» المتواجدة في مياه الخليج العربي، وأيضا مع كل الأطراف المنضوية تحت لواء التحالف العامل في أفغانستان.

وبينما أكد كوين أن الطلعات الجوية، التي لم تهدأ طوال 12 ساعة، تنفذ بناء على أوامر تأتي من الميدان وهي تتباين بين طلعات قتالية، واستكشافية، وتدريبية .. وأوضح أن الحاملة لديها عدة مستويات من وسائل الدفاع وهي قادرة للدفاع عن نفسها في أي تهديد. وتابع أن المهمة الثانية للحاملة هي توفير الأمان في المياه الدولية في هذه البقعة المهمة من العالم مبينا أن لديه التفويض اللازم للتعامل مع المخاطر والتحديات ومنها مراقبة وحماية الممر المائي من عمليات التهريب وتدمير أي سفن مشبوهة «تهرب الإرهابيين والأسلحة».

أما الكابتن براد جوهانسين قائد «ستينس» فحدد لـ «البيان» أربع مهام للحاملة، التي تحمل على متنها 65 طائرة حربية موزعة على أربعة أسراب، وهي: دعم العمليات الحربية في أفغانستان، ومساندة «آيزنهاور» التي تتولى مساندة العمليات القتالية في العراق، وحماية الملاحة البحرية وخطوط الشحن، وتعزيز علاقات الصداقة مع دول المنطقة مشيرا إلى التدريبات المشتركة التي تتم بين العديد من دول المنطقة وأعضاء التحالف الدولي الـ 19 «للحفاظ على الأمن والاستقرار».

وأبرز ما كشفه جوهانسين لـ «البيان» كان العلاقة الوطيدة مع حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول»، التي تبعد فقط 45 كيلومترا ومع قادتها «فهناك تمرينات وطلعات جوية مشتركة ... وكونترول مشترك ... وتبادل زيارات وتدريبات فهناك طيارون فرنسيون يتدربون على طائراتنا وطيارون من ستينس يحلقون بطائرات فرنسية».

وفعلا، فبعدما خرجنا من غرفة التحكم والقيادة التي جرى فيها اللقاء مع جوهانسين هبطت مروحية فرنسية وعلى متنها عدد من القيادات الذين أمضوا بضع ساعات على متن الحاملة الأميركية التي أشار قائدها إلى علاقات «الصداقة الجيدة والحوار المتواصل والإعلام والتبادل المستمر للمعلومات» من باب أن الحاملتين تشتركان في نفس المهمة رغم ما يظهر على السطح من خلافات سياسية بين باريس وواشنطن تصل إلى حد الفراق.

الضباط الذين رافقوا «البيان» في الجولة الطويلة على متن الحاملة ستينس أشاروا إلى مهام أخرى مثل المشاركة في عمليات المراقبة الأمنية للقرن الإفريقي، ودعم عمليات الإنقاذ والإغاثة إذا استدعت الحاجة، وأيضا «الاستعداد للمشاركة في العمليات الحربية في العراق إذا طلب منا».

**طاقة نووية

مراقبة عمليات إقلاع وهبوط المقاتلات والقاذفات تكاد توقف قلب زائر الحاملة فالدهشة هي سيد الموقف، فإلى جانب الدقة وسلسلة العمليات المعقدة التي تسبق لحظة الإقلاع نحو أفغانستان في رحلة قد تدوم سبع ساعات ذهابا وإيابا كان هناك الكثير من التفاصيل لما يحدث على سطح الحاملة من عمليات صيانة وضبط وتفتيش واستطلاع، حتى سرعة الريح تأخذ في الحسبان وقد تغير مسار الحاملة كي ينقذ برنامج عملياتها دون معوقات.

الحاملة التي تستمد طاقتها من مفاعلين نوويين تسير عادة بسرعة تتراوح بين 15 و 30 عقدة في الساعة وقد تزيد سرعتها لإحداث التوازن المطلوب مع سرعة الرياح، فضلا عن ذلك فالحاملة بمقدورها السير إلى الأمام وإلى الخلف فضلا عن الدوران السلس، ويمكنها مفاعلاها النوويان من الحصول على الطاقة ولكفاية للإبحار مسافة 6,1 مليون كيلومتر من دون الحاجة للتزود بالوقود، النووي طبعا، وهو ما يعني إنجازها مهمتها التي تدوم عادة ستة أشهر دون مشاكل في الطاقة.

وعندما تساءلت «البيان» عن منطقية أن تحارب دولة تسيّر حاملاتها وسفنها بالطاقة النووية فيما هي تشن حرباً، سياسية حتى الآن، ضد بلد يريد امتلاك الطاقة النووية لم تجد سوى التجاهل من المسؤول المرافق الذي سعى إلى التهرب عبر الرد على أسئلة احد أعضاء الفريق الإماراتي القادم من تلفزيون أبوظبي.

تحمل «ستينس» على متنها نحو 5600 شخص يعيشون في جنبات 24 طابقا يعملون بلا انقطاع ستة أشهر قبل العودة إلى الوطن وهم يمضون وقتهم خارج ساعات العمل في ممارسة ما هو متاح من الأنشطة مثل الرياضة التي يتوفر لها 5 قاعات تدريب مجهزة فضلا عن ملعب لكرة السلة، وفي مشاهدة التلفاز، والتواصل مع الاهل عبر مقهى الانترنت، وفي إبراز مواهبهم مثل الرسم والتمثيل وحتى التصوير السينمائي.

وربما يكون مطبخ الحاملة الجهة الوحيدة التي لا تنام، إلى جانب غرفة الرادار، فأمام العاملين فيه مهمة تجهيز 18600 وجبة، بينها 12 ألف بيضة للفطور فقط. وسألت «البيان» عن تكلفة كل هذا بدءا من إطعام هذه الأفواه وانتهاء بالعمليات الجوية فقدره قائد الحاملة بمليون دولار في اليوم وأمام هذا العدد الهائل من الناس، من أجناس وأديان وبيئات مختلفة، المتواجدين على متن الحاملة كان للقوانين الناظمة سطوتها وحظوتها، فهناك شرطة ومحكمة والكثير من الممنوعات:

فلا كحول ولا جنس ولا تدخين إلا في أماكن محددة وأحيانا ساعات محددة فالمحيط خطر. وفي هذا الصدد يقول الكابتن جوهانسين المسؤول عن إدارة نحو 3200 بحار و 1700 من المقاتلين أن بحارته «مواطنون مسؤولون ولا يثيرون مشاكل» وأن دائرة الأمن الخاصة تقوم بعملها على أكمل وجه مشيرا إلى أنه لم تسجل طوال مدة الشهرين لبدء رحلة «ستينس» أي حالة مخدرات.

لماذا؟

قبيل رحيلنا عن «ستينس» على متن الطائرة COD، التي يثير هبوطها وإقلاعها الغثيان، سألت «البيان» ضابط الإعلام والعلاقات العامة جون بيكينز عن هدف هذه الزيارة، فقال إن «الهدف هو إتاحة فرصة للإعلام للاطلاع على حقيقة ما يجري لأن الصحافة ووسائل الإعلام فيها الكثير من المغالطات حيال مهمة الحاملة».

إذن، ليس الأمر دعاية إعلامية أو حربا نفسية؟

يأتي الرد من بيركنز: «الهدف أن ترى بنفسك بدلا من الاستماع إلى ما تقوله وسائل الإعلام .. من المهم لنا أن تأتي وسائل الإعلام العربية لرؤية ما يجري وأن تنظر حقيقة مهمتنا .. ليست لدينا حرب نفسية بل إن مهمتنا توفير المعلومات الدقيقة والنزيهة».

ويضيف: «عندما تكتب بعدما ترى وتستطلع وتستقصي يكون لما تكتبه من المصداقية والوثوقية مالا تحرزه ما يكتب في وسائل الإعلام الأميركية... مصداقيتي تعتمد على قولي الحقيقة».

الطيارة مولي لا تثق باستطلاعات الصحف

التقت «البيان» النقيب مولي كراب إحدى ثلاث طيارات حربيات على متن «ستينس» فتحدثت عن جاهزيتها وزملائها للقتال وتاريخها الحربي الذي بدأ قبل ثلاث سنوات «لكنها حتى الآن لم تشارك في أي مهمة قتالية» وأن طلعاتها، على متن مروحية «بلاك هوك»، تقتصر على مهمات الرقابة والاستطلاع.

وخلال الحديث ذكرت مولي أن زوجها موجود حاليا في العراق ضمن قوات مشاة البحرية «المارينز» وأنه سيعود إلى أميركا قريبا لمباشرة عمل مدني بعدما ينهي عمله العسكري.

وتقول أنه أنهى فترة قطوعه مع البحرية وسيعود إلى أميركا لبدء حياته العملية المدنية. وتحدثت عن صعوبة الأوضاع في العراق وعن خشونة المحيط الذي يعيش فيه زوجها لكنها تحاشت القول إن كان يعاني نفسيا من الوضع الميداني هناك وتشدد على أنه مقاتل مؤهل ومتمرس «رغم بعض التوتر» لأن ما يعايشه أمر خارج عن الإرادة والسيطرة.

وتضيف: «نشجع ونؤازر بعضنا حتى نخفف من المسافات التي تفصلنا».وعن تأييدها للحرب في العراق أو أفغانستان ردت مولي بالقول « أؤيد ما تريده أميركا والشعب الأميركي»، لكنها رفضت الرد على سؤال «البيان» عن أن استطلاعات الراي الأميركية تشير إلى أن غالبية الأميركيين تؤيد الانسحاب من العراق واكتفت بالقول «إنها استطلاعات صحف»؟

بحر العرب ـ نضال حمدان